تبدو معركة علي الطاهر أكبر من مجرد مواجهة حول تلة أو مرتفع. فهي معركة على واحدة من أبرز العقد الاستراتيجية في جنوب لبنان، إذ تمنح السيطرة عليها قدرة واسعة على الرصد والتحكم بالمناطق المحيطة، وتؤثر بشكل مباشر في حركة القوات وانتشارها وفي الحسابات العسكرية للطرفين. ولذلك، فإن تمسك إسرائيل بمحاولة السيطرة عليها، مقابل الاستماتة التي يبديها حزب الله للدفاع عنها، يعكسان إدراك الطرفين أنَّ من يسيطر على علي الطاهر يملك أفضلية تتجاوز حدود التلة نفسها إلى مجمل المشهد العسكري في الجنوب.
وتعززت أهمية التلة في الرواية الإسرائيلية مع ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصادر عسكرية قولها إن القوات المنتشرة في المنطقة تلق!ت تعليمات بوقف إطلاق النار من دون الانسحاب من علي الطاهر، وإن الجيش يحاصر عشرات من مقاتلي حزب الله هناك. كما أشارت الإذاعة إلى أنّ الحزب أظهر خلال الأيام الماضية قتالاً شرساً للدفاع عن المنطقة، وزاد من وتيرة إطلاق الصواريخ في سبيل منع سقوطها بيد القوات الإسرائيلية.
الرواية الإسرائيلية
وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده خلال عملية في تلة علي الطاهر جنوب مدينة النبطية، أثناء محاولة السيطرة على ما قال إنه نفق كبير في المنطقة. ويعكس هذا الحادث الأهمية العسكرية للتلة، التي شهدت خلال الفترة الأخيرة مواجهات مكثفة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله.
وحسب الجيش الإسرائيلي فإن الجنود الأربعة قُتلوا خلال محاولة السيطرة على ما وصفه بـ"نفق ضخم" تابع لحزب الله في تلة علي الطاهر. وزعم أن شبكة الأنفاق الممتدة تحت التلة تشكل "غرفة العمليات المركزية" للحزب في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن عشرات المقاتلين لا يزالون محاصرين داخلها.
وأعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي أنَّ منطقة علي الطاهر تضم مجمعاً مركزياً تابعاً لـحزب الله تحت الأرض، إضافة إلى المقر الرئيسي لوحدة بدر. وأضافت أن العملية التي قُتل خلالها طاقم دبابة وقائد كتيبة كانت تهدف إلى السيطرة على أنفاق في منطقة علي الطاهر، ضمن العمليات العسكرية الجارية هناك.
كما أفادت "يديعوت أحرونوت"، نقلاً عن مصادر أمنية، أنّ "العمليات القتالية تدار في القطاع الجنوبي انطلاقاً من موقع "علي الطاهر" حيث يجري تفعيل أنظمة النيران وتخزين كميات كبيرة من الأسلحة، ونظراً لعمق الموقع وتحصيناته، فمن الصعب للغاية استهدافه بضربات جوية فحسب".
ووفق مسؤول رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي "يُحظر الانسحاب من ذلك الموقع (علي الطاهر) فهذه مهمة أخلاقية تهدف إلى حماية سكان الشمال".
وكانت القناة 12 الإسرائيلية قد أفادت في وقت سابق اليوم بأن عمليات الجيش الإسرائيلي البرية تتركز حالياً في المنطقة الواقعة بين مرتفعات علي الطاهر وبلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان.
ويأتي التركيز على منطقة مرتفعات "علي الطاهر" و"الشقيف" لكونها تقع شمالي منحنى مجرى نهر الليطاني، وهي الأقرب إلى الحدود مع إسرائيل.
أهمية تلة علي الطاهر
وتقع تلة علي الطاهر على ارتفاع يقارب 700 متر عن سطح البحر، وتشرف مباشرة على مدينة النبطية وبلدات كفرتبنيت وأرنون والزفاتة ومحيطها، كما تكشف بصرياً ونارياً مساحات واسعة من جنوب لبنان وصولاً إلى مناطق قريبة من الشريط الحدودي. ولهذا السبب تُصنف منذ عقود كواحدة من أهم المرتفعات الحاكمة في المنطقة.
وتعود تسمية التلة إلى الولي الصالح علي الطاهر، الذي يحمل المقام التاريخي الموجود على قمتها اسمه، فيما ارتبط المكان أيضاً بعين مياه قديمة تعرف بـ"عين الطهرة". غير أنَّ الموقع تحوَّل مع مرور الزمن من معلم ديني وتراثي إلى نقطة عسكرية مركزية في مختلف الحروب التي شهدها الجنوب اللبناني.
ويجمع خبراء عسكريون على أنَّ أهمية علي الطاهر لا تنبع فقط من ارتفاعها الجغرافي، بل من موقعها الذي يجعلها عقدة مواصلات وتحكم رئيسية بين الساحل والداخل، وبين النبطية وإقليم التفاح والريحان والبقاع الغربي. ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح قدرة واسعة على المراقبة والرصد واستهداف التحركات العسكرية في محيط واسع.
هدف إسرائيلي
ومن هذا المنطلق يبرز الإصرار الإسرائيلي على السيطرة على التلة. فإسرائيل التي ترفع منذ أشهر شعار "منع حزب الله من استعادة قدراته السابقة"، تعتبر أن التمركز في المرتفعات الاستراتيجية يوفر مكاسب عسكرية وأمنية أكبر بكلفة أقل مقارنة بالسيطرة على المدن والبلدات. كما أنَّ وجودها فوق هذه التلال يمنحها أفضلية استخبارية وميدانية تسمح بمراقبة التحركات العسكرية شمال نهر الليطاني، وتأمين إنذار مبكر لأي نشاط تعتبره تهديداً مستقبلياً.
وتُظهر التجارب العسكرية السابقة في الجنوب اللبناني أنَّ هذه المرتفعات كانت دائماً محل اهتمام استراتيجي، نظراً لما توفره من قدرة على الإشراف والرصد والتحكم بالمجال المحيط. ولذلك تبقى تلة علي الطاهر موضع تنافس عسكري، نظراً لما توفره من قدرة على المراقبة والمتابعة الميدانية لمن يسيطر عليها.




