تحوّلت حرب لبنان من بند رئيسي في تفاهمات واشنطن وطهران إلى لغم حقيقي يهدد بنسف مسار الدبلوماسية الإقليمية. فبينما كان يُفترض أن تُمهّد مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية لجولة مفاوضات تمتد لـ60 يومًا لبحث الملف النووي والعقوبات، جاءت استراتيجية "الأرض المحروقة" الإسرائيلية ورد الفعل الإيراني العسكري والسياسي ليضعا الاتفاق بأكمله على حافة الانهيار.
أولى شظايا الانفجار الميداني اللبناني أصابت طاولة المفاوضات النووية مباشرة، إذ تم تأجيل المحادثات المقررة بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا، وإلغاء الاجتماع كليًا بعد رفض طهران إرسال وفدها احتجاجًا على استمرار الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وهذا التعليق الدبلوماسي توازى مع رفع طهران لسقفها الإستراتيجي عبر رئيس برلمانها محمد باقر قاليباف، الذي أعطى المعركة بعدًا عقائديًا وإقليميًا حاسمًا بإعلانه أن "الثأر لدمائنا يقتضي إعادة شيعة جنوب لبنان إلى أراضيهم، وأن من قاتلوا من أجل إيران يجب أن يعودوا إلى أماكنهم".
في المقابل، تسابق إسرائيل الزمن لفرض وقائع جغرافية وعسكرية قاسية تفصل جبهة لبنان عن أي مظلة إقليمية قبل محطة مفاوضات واشنطن المباشرة في 22 حزيران الجاري. وتجلّى هذا الاندفاع بارتكاب سلسلة مجازر دموية بحق المدنيين في بلدات حاروف، الدوير، الشرقية، جبشيت، كفرصير، وغيرها، حاصدة عشرات الشهداء والجرحى، بالتوازي مع غارات عنيفة استهدفت بعلبك في البقاع. هذا التصعيد منحه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أبعادًا تدميرية صريحة بقوله: "لقد دُمّر الصف الأول بأكمله من القرى اللبنانية، ونحن نهدم جميع المنازل ولن يراها السكان منتصبة مجددًا"، وذلك رغم الخسائر الميدانية التي يقر بها جيش إسرائيل ومنها مقتل أربعة من جنوده أخيرًا في الجنوب.
وسط هذا السباق المحموم بين أشلاء الميدان وحسابات العواصم، تقود دولة قطر اتصالات مكثفة مع الإدارة الأميركية للضغط على تل أبيب ووقف اعتداءاتها ومجازرها. وتسهيلًا لنجاح المفاوضات الأميركية-الإيرانية المعطلة في سويسرا، وتجاوبًا مع مساعي الدوحة، أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري موقفًا إستراتيجيًا قدّم فيه ضمانة رسمية بالتزام لبنان وحزب الله بوقف إطلاق النار، ولكن بربطه شرطيًا بالبند الأول للمذكرة الإقليمية: "طالما التزمت إسرائيل بوقف نار كامل وشامل". وهذه الجهود أثمرت اتفاقًا على وقف النار بين إسرائيل وحزب الله يفترض أن سريانه قد بدأ في الرابعة بعد ظهر اليوم.
إذًا، إسرائيل تريد استغلال مهلة الـ60 يومًا لفرض استسلام عسكري على لبنان ونزع سلاح المقاومة كأمر واقع بالدم والنار، بينما ترد إيران بربط المسار الدبلوماسي بالملف الميداني. وعليه، فإن لم تنجح الضغوط الدولية والوساطات، ولاسيما من جانب قطر، في كبح جماح تل أبيب، فإن النزف اللبناني مرشح لتفجير قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران بالكامل.
تحديات الهدنةٌ
دخل اتّفاق وقف إطلاق النّار بين إسرائيل وحزب الله حيّز التّنفيذ عند السّاعة الرّابعة من عصر الجمعة 19 حزيران 2026، لكنّه لم يولد بوصفه تسويةً تُنهي الحرب، بل باعتباره استراحةً مسلّحةً تختبر خلالها الأطراف قدرتها على تحسين شروط الجولة المقبلة.
فإسرائيل أعلنت موافقتها على وقف النّار، ثم سارعت إلى تثبيت بقاء قوّاتها في جنوب لبنان، وتوسيع ما تسمّيه "المنطقة الأمنيّة" إلى عمق عشرة كيلومترات، مع تمسّكها بـ"حرّيّة التّحرّك" داخلها. أمّا حزب الله، فأعلن التزامه الاتّفاق شرط التزام إسرائيل به، محتفظًا بحقّ الرّدّ على أيّ اعتداء أو توغّل.
المشكلة، إذًا، ليست في إعلان الهدنة، بل في تعريفها. فتل أبيب تريد وقفًا لإطلاق النّار يحمي جنودها داخل الأراضي اللّبنانيّة، ولا يفرض عليهم الانسحاب، فيما يرفض لبنان تحويل التّهدئة إلى غطاءٍ سياسيّ لاحتلالٍ مفتوح. ولذلك تبدو الهدنة أقرب إلى إدارة الاشتباك منها إلى إنهائه.
قطر تنقل لبنان إلى طاولة واشنطن- طهران
لم تأتِ الوساطة الأميركيّة، القطريّة من فراغ. فقد تحوّل لبنان إلى عقدةٍ تهدّد المسار التّفاوضيّ بين واشنطن وطهران، بعدما ربطت إيران استمرار المحادثات بوقف العمليّات الإسرائيليّة، ورفضت التّعامل مع الجبهة اللّبنانيّة كملفّ منفصل يمكن التضحية به لإنقاذ التّفاهم النّوويّ.
وتكمن أهمّيّة الدّور القطريّ في أنّ الدوحة لم تتحرّك فقط لتثبيت وقف النّار، بل لإقناع واشنطن بأنّ ترك إسرائيل تواصل حربها سيؤدّي إلى انهيار القناة الدّبلوماسيّة مع إيران. وبذلك، أصبحت التّهدئة في لبنان شرطًا لحماية مسارٍ إقليميّ أوسع، لا مجرّد محاولةٍ إنسانيّة لخفض الخسائر.
في المقابل، تعهّد الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب بالعمل على لجم بنيامين نتنياهو. لكنّ إسرائيل قدّمت لواشنطن موافقةً شكليّة على الهدنة، واحتفظت عمليًّا بعناصر تفجيرها، من الاحتلال وحرّيّة الحركة إلى حقّ تنفيذ ضرباتٍ تصفها بأنّها "استباقيّة".
برّي يضمن الهدوء ولا يمنح إسرائيل تفويضًا
شكّل موقف رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي الرّكيزة السّياسيّة اللّبنانيّة للاتّفاق. فقد ضمن التزام حزب الله وقف إطلاق النّار، لكنّه ربط الضّمانة بالتزامٍ إسرائيليّ كامل وشامل.
بهذا الشّرط، رفض برّي منح إسرائيل هدنةً من طرفٍ واحد، أو السّماح لها بتحديد قواعد الاشتباك منفردةً. فالضّمانة لا تشمل السّكوت عن احتلال الأرض، ولا تمنح تل أبيب حقّ تنفيذ الاغتيالات والغارات تحت عنوان إزالة التّهديدات.
الأهمّ أنّ موقف برّي نقل النّقاش من حصره بسلاح حزب الله إلى السّؤال عن أصل الأزمة، أي الاحتلال الإسرائيليّ. فالمطالبة بنزع سلاح المقاومة، في ظلّ بقاء الجيش الإسرائيليّ داخل لبنان، تعني عمليًّا تجريد الجانب اللّبنانيّ من أوراقه قبل معالجة سبب المواجهة.
إسرائيل تريد هدنةً تحرس الاحتلال
كشفت التّصريحات الإسرائيليّة أنّ تل أبيب لا تنظر إلى وقف النّار بوصفه مدخلًا للانسحاب، بل وسيلةً لتثبيت ما حقّقته بالقوّة. فقد أعلن الجيش الإسرائيليّ بقاءه في "المنطقة الأمنيّة"، واستمرار حرّيّة حركته، وعدم وجود قيودٍ على ما يسمّيه "التّخلّص من التّهديدات".
هذه الصّيغة تجعل كلّ تحرّكٍ إسرائيليّ مشروعًا، وكلّ مقاومةٍ له خرقًا للاتّفاق. فإذا تقدّمت القوّات الإسرائيليّة داخل الأراضي اللّبنانيّة، اعتبرت ذلك إجراءً أمنيًّا، وإذا تصدّى لها حزب الله، عدّت المواجهة اعتداءً يبرّر استئناف الحرب.
إنّها محاولةٌ لإنتاج مفهومٍ أحاديّ للهدنة، يتوقّف فيه حزب الله عن القتال، بينما تحتفظ إسرائيل بحقّ الاحتلال والتّوغّل والقصف. ولذلك لا تبدو السّخرية الإسرائيليّة من كون الاتفاق خامس إعلانٍ لوقف النّار مجرّد تعليقٍ إعلاميّ، بل إقرارًا بأنّ شروط الانفجار ما زالت قائمة.
الأرض المحروقة لتحسين شروط التّفاوض
سبقت الغارات الإسرائيليّة الهدنة ورافقتها، وامتدّت من النّبطيّة وكفرصير إلى بعلبك وعين بورضاي، مرورًا بحاروف والشّرقيّة والرّيحان وكفرتبنّيت. وأدّى القصف إلى سقوط شهداء وجرحى، وتدمير منازل، وإطلاق موجة نزوحٍ جديدة باتّجاه بيروت.
لم يكن هذا التّصعيد مجرّد ردٍّ عسكريّ، بل محاولةً لتغيير الجغرافيا السّكانيّة وتحويل القرى الحدوديّة إلى حزامٍ خالٍ من سكّانه. فالاستهداف الواسع للمنازل يهدف إلى جعل العودة مكلفةً أو مستحيلة، بما يتيح لإسرائيل فرض منطقةٍ عازلة بقوّة الدّمار، لا باتّفاقٍ سياسيّ.
ويكشف خطاب يسرائيل كاتس وإيتمار بن غفير أنّ استهداف المدنيّين ليس نتيجةً جانبيّة للحرب، بل أداة ضغطٍ مقصودة لتحميل المجتمع اللّبنانيّ كلفة مقاومة الاحتلال، ودفع الدّولة إلى قبول الشّروط الإسرائيليّة.
علي الطّاهر يعيد كلفة البقاء الإسرائيليّ
أعادت مواجهة مرتفعات علي الطّاهر وكفرتبنّيت التّذكير بأنّ الاحتلال لن يكون بلا كلفة. فقد أدّت العمليّة إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليّين، بينهم قائد الكتيبة المدرّعة 52، وإصابة آخرين، بعد استهداف قوّةٍ حاولت التّقدّم في المنطقة.
سياسيًّا، أصابت المواجهة جوهر الخطّة الإسرائيليّة. فتل أبيب تريد إنشاء نطاقٍ أمنيّ لا تواجه داخله مقاومةً فعليّة، بينما يعتبر حزب الله كلّ جنديّ إسرائيليّ موجودًا على الأرض اللّبنانيّة هدفًا مشروعًا.
لذلك جاء ردّ نتنياهو عنيفًا، ليس فقط للثّأر للجنود، بل لترميم صورة الرّدع ومنع تحوّل المنطقة المحتلّة إلى استنزافٍ يوميّ. إلّا أنّ تكثيف القصف لا يحلّ المعضلة، بل يؤكّد أنّ بقاء القوّات الإسرائيليّة سيظلّ سببًا مباشرًا لتجدّد المواجهة.
واشنطن أمام اختبار النّفوذ الحقيقيّ
يقدّم ترامب نفسه باعتباره القادر على ضبط نتنياهو، لكنّ التّجربة الميدانيّة تقول إنّ النّفوذ الأميركيّ يُستخدم لإدارة السّلوك الإسرائيليّ، لا لتغييره جذريًّا. فقد وافقت تل أبيب على وقف النّار، لكنّها لم توافق على الانسحاب أو التخلّي عن حرّيّة العمل العسكريّ.
هنا يكمن الاختبار الأميركيّ: هل تستطيع واشنطن فرض هدنةٍ متوازنة، أم أنّها تريد فقط حماية المفاوضات مع إيران من الانهيار، ولو على حساب السّيادة اللّبنانيّة؟
وتزداد الشّكوك مع فرض عقوباتٍ أميركيّة جديدة مرتبطة بحزب الله ونزع سلاحه. فواشنطن تبدو كأنّها تسعى إلى استثمار نتائج الحرب لإعادة تشكيل التّوازن الدّاخليّ، من دون ممارسة ضغطٍ موازٍ لإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ.
سويسرا رهينة الجنوب
أظهر إلغاء المحادثات الأميركيّة، الإيرانيّة في سويسرا أنّ لبنان لم يعد تفصيلًا في المفاوضات، بل صار أحد مفاتيحها. فطهران تريد منع واشنطن من استخدام التّفاهم الإقليميّ لتغطية حربٍ إسرائيليّة تُضعف حليفها وتغيّر ميزان القوّة في لبنان.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل استغلال مهلة السّتّين يومًا لفرض وقائع عسكريّة تسبق أيّ تسوية، بحيث تدخل المفاوضات وهي تمسك بالأرض، وتفرض نزع سلاح حزب الله بوصفه نتيجةً للحرب، لا بندًا قابلًا للنّقاش.
هذا التّداخل يجعل مصير المفاوضات مرتبطًا بسلوك إسرائيل في الجنوب. وكلّما توسّعت الغارات أو استمرّ الاحتلال، تراجعت قدرة واشنطن على إقناع إيران بأنّ المسار الدّبلوماسيّ ليس غطاءً لتصفية حلفائها.
بعبدا ترفض نزع السّلاح تحت الاحتلال
تمسّك الرّئيس جوزاف عون بترتيبٍ واضح للأولويّات، يبدأ بوقفٍ شامل للنّار، ثمّ الانسحاب الإسرائيليّ، وانتشار الجيش، وعودة الأسرى، وإطلاق إعادة الإعمار.
هذا التّرتيب ليس تفصيلًا إجرائيًّا، بل موقفٌ سياديّ يرفض جعل نزع سلاح حزب الله شرطًا مسبقًا، بينما يبقى الاحتلال بلا سقفٍ زمنيّ. فالدّولة لا تستطيع فرض سيادتها الكاملة في منطقةٍ تتحرّك فيها القوّات الإسرائيليّة بحرّيّة، ولا يمكن للجيش أن ينتشر بوصفه القوّة الوحيدة فيما تحتفظ إسرائيل بحقّ القصف والتّوغّل.
الهدنة الخامسة أو مقدّمة الجولة السّادسة
لا يُقاس نجاح اتّفاق 19 حزيران بعدد السّاعات الهادئة، بل بقدرته على معالجة أسباب الحرب. فإذا تحوّلت "المنطقة الأمنيّة" إلى واقعٍ دائم، وبقي تعريف الانتهاك بيد إسرائيل، فلن تكون الهدنة سوى إعادة تموضعٍ قبل جولةٍ جديدة.
المعركة الحقيقيّة تدور الآن على شروط نهاية الحرب، لا على وقف جولةٍ واحدة. قطر تريد إنقاذ المسار الدّبلوماسيّ، وواشنطن تريد حماية مفاوضاتها مع طهران، وإيران ترفض فصل لبنان عن التّفاهم الإقليميّ، فيما تحاول إسرائيل تحويل احتلالها إلى ورقة تفاوض.
أمّا لبنان، فلا يملك ترف القبول بهدوءٍ يحرس الاحتلال. فإمّا وقف نارٍ يقود إلى الانسحاب واستعادة السّيادة، وإمّا هدنةٌ هشّة تحمل في داخلها توقيت الانفجار المقبل.




