في كل بطولة كبرى لكرة القدم، يتكرر مشهد يستحق التأمل أكثر من بعض المباريات نفسها. فجأة، يكتشف كثيرون ميولًا كروية لم يكونوا يعلمون بوجودها قبل أيام قليلة. ليس لأنهم تابعوا هذا المنتخب طويلًا، أو أحبوا أسلوبه، أو أعجبوا بأحد لاعبيه، بل لأنهم وجدوا في ملعبٍ لا يزيد طوله على مئة وخمسة أمتار وميدانًا جديدًا يقحمون فيه هوياتهم وقضاياهم، وفي لاعبين بالكاد يعرفون أسماءهم جماعةً يشعرون فجأة بالانتماء إليها. هنا تتراجع الرياضة قليلًا، ويتقدم شيء آخر إلى الواجهة.
لطالما هزأتُ ممن يتخذ موقفًا مشجعًا – أو معاديًا – من أي فريق رياضي، لا على أساس أدائه ومهارة لعبه وجمال أسلوبه وانتصاراته، وإنما بناءً على تأييده لسياسة الدولة التي يلعب الفريق تحت علَمها، أو بسبب انتماءات عرقية أو قومية أو دينية يتشاركها معه. واعتبرتُ أن لدى كل من يرى في الألعاب الرياضية مجالًا للشحن العقائدي والغريزي، ليؤكد تفوق ميولنا وقناعاتنا السياسية على خصومنا – الذين لا ينبغي أن يبرع منهم أحد في أي مجال – ميلًا إلى الضحالة والطفولية التي لا تزال لا ترى العالم إلا من "جلباب أبي".
في المقابل، فإن الرياضات الجماعية، ولا سيما كرة القدم، تشجع على نوع جميل من التحزب لفرق ومنتخبات بعينها؛ أحيانًا نواكبها طوال سنين حياتنا لأسباب متعددة، ولكن غالبًا لا تكون السياسة إحداها، فتعطينا فرصة لامتحان قدرتنا على التفلّت من العصبيات والجلباب الآنف الذكر.
ولا يعني ذلك طهرانية كاملة أو تشجيع "اللعبة الحلوة" فحسب، كما كان يفعل والدي كلما أراد أن يغيظنا بتشجيع فريق الخصم وهو يرى أولاده يتعصبون لفريقهم المفضَّل، في محاولة مبكرة لتنبيهنا إلى مخاطر "التحزب الأعمى" في الرياضة أيضًا، وقد أدركتُ لاحقًا وجاهة بعض ما كان يقصده.
فأن تكون مشاهدًا لمباراة بين فريقين يعني، بطبيعة الحال، أن تنحاز إلى أحدهما على حساب الآخر. وهذا جزء من المتعة نفسها، ومن ذلك القدر من الترقب والانفعال "الدوباميني" اللذيذ الذي جعل من كرة القدم النشاط الجماعي الشعبي الأول للجنس البشري منذ تخلّى عن الصيد الجماعي.
من جديد: انصر أخاك!
لكن ثمة فارقًا بين أن أشجع فريقًا لأنني أحب طريقته في اللعب، أو لأنني نشأت على متابعته، أو لأن لاعبًا فيه شدّني إليه يومًا، وبين أن أشجعه فقط لأنه "من أهل الدار"؛ أتحمّس له لأنه كذلك فحسب، وليس لبراعته ونظافة لعبه من ضمن أشياء أخرى. وأزعم أن هذه القناعة أتاحت لي فرصة التفلّت من ثقل الانتماءات الواعية واللاواعية لبرهة، واختبار ادعاءاتي "الفردانية" في امتحان سريع وبسيط.
ليس في ذلك "بطولة فكرية" من أي نوع، ولا استعراضًا للصدق والمصداقية أمام مَن لا أكترث كثيرًا، بصراحةٍ، لانحيازاتهم غير المبرّرة في ميادين كثيرة غير السياسة. فقد نشأت مجتمعاتنا على تحيّزات معظمها غير منطقي وغير عقلاني، تقوم على مجموعة كاملة من الاصطفافات العائلية والعشائرية والدينية والوطنية.. إلخ، التي تعلي من العاطفة البدائية على غيرها من المؤثرات الموضوعية، على طريقة الفهم المبتسَر للحديث المبتور: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".
فإذا كانت أفكار التضامن والجماعة وروابط الدم قد أدت دورًا مهمًا في فجر المجتمعات البشرية، حين كانت الجماعات البدائية الصغيرة تواجه أخطار الطبيعة والجوع والافتراس ومختلف تحديات البقاء، فإن العالم الذي نعيش فيه اليوم مختلف جذريًا. لقد حلّت محل كثير من تلك الضرورات مبادئ أخرى تقوم على التعاون الأوسع، وعلى الاعتراف بوجود الآخر والجماعات المختلفة وحقوقها، وعلى فهم متزايد لترابط مصير البشر بعضهم ببعض، بل وترابط مصيرهم مع البيئة والطبيعة والكائنات الأخرى، كشرطٍ أساسي لاستمرار الحياة على الكوكب.
لا يعني ذلك أن هذه الأفكار انتصرت، أو أن رواسب "الإنسان القديم" قد اختفت من موروثاتنا الجينية ومن وعينا الجمعي. ولكن أقلّه، مبررات "التضامن الأعمى" لم تعد موجودة في الغالب، وتحلّ مكانها شيئًا فشيئًا قيَمٌ وأفكارٌ جديدة تقوم على الانفتاح والشجاعة والقوانين الوضعية المحايدة القائمة على الصالح العام، أكثر منها على شريعة "العين بالعين".
شبح البصمة
ومع ذلك، لا تزال كثير من ردود أفعالنا وولاءاتنا تستدعي، بصورة أو بأخرى، تلك الآليات القديمة التي كانت لا ترى العالم إلا من خلال دوائر متعاقبة من القرابة والانتماء، يتم بموجبها فرز الشعوب والأمم أصدقاء وأعداء، صالحين وطالحين، بما يناقض كل يوم مصلحتنا كجنس بشري أكثر مما يحميه ويصونه. أو هكذا أحبّ أن أعتقد بالرغم من تشاؤمي المفرط تجاه مستقبلنا الفردي والمشترك.
ومباريات كرة القدم، في موسم المونديال خصوصًا، تكشف ببساطة كليّة بصمة موروثات الإنسان الأول فينا، وجنوحنا لتذويب أنانا الفردية في "أنا" الجماعة. فيصبح تشجيع فريق من "أهلنا"- ولو بالكاد تأهل إلى مباراة - واجبًا علينا مقابل فريقنا المفضّل، الذي بات بعضنا يشعر بالخجل من إشهار حبه وتأييده له لمجرّد أنه من خارج الدائرة الآنفة الذكر.
المفارقة أن البعض لا يكتفي بروابط الهوية التقليدية، بل يذهب أبعد من ذلك، فيربط موقفه الكروي بمواقف الحكومات. فهذا المنتخب يستحق التشجيع لأن حكومة بلده تؤيد "قضايانا"، وذاك يستحق العداء لأن حكومته لا تؤيدها أو تتخذ موقفًا مختلفًا منها. وكأن المباراة استفتاء سياسي لا منافسة رياضية.
والمضحك في الأمر أن لاعبي هذه المنتخبات أنفسهم قد لا يعرفون شيئًا عن تلك الحسابات كلها. وبعضهم لا يكترث بالسياسة أصلًا، وبعضهم قد يكون على خلاف كامل مع سياسات حكومته التي يجري تشجيعه أو معاداته على أساسها.
حاشية لا بدّ منها
لعلّ قسمًا لا بأس به من عشاق كرة القدم في منطقتنا لم يبنوا ولاءاتهم الكروية الأولى على أساس هذه الدوائر. فمنذ الطفولة، انحاز كثيرون إلى البرازيل أو إيطاليا أو ألمانيا أو الأرجنتين أو هولندا أو فرنسا وغيرها من المنتخبات والفرق البعيدة، من دون أن يشعروا أنهم يرتكبون فعلًا يحتاج إلى تبرير. وقد يكون تأخُر الاهتمام العربي في اللعبة سببًا مباشرًا لذلك. ولكن في النتيجة، نشأت في المنطقة أجيالٌ من المتابعين، صغارًا وكبارًا، مأخوذة بفرَقٍ لا تتحدث لغتها وتبعد آلاف الكيلومترات عن بيئتها.. وكان ذلك أحد أجمل جوانب متابعتنا للعبة، وقد بدأ اليوم بالانحسار.
.. على الغريب
في الخلاصة، أكثر ما يثير الفضول في بطولات كرة القدم ليس ما تكشفه عن المنتخبات والأهداف التي سجّلتها ومَن سيرفع الكأس، بقدر ما تكشفه عن مشجعيها. فبعد آلاف السنين من الحضارة والفلسفة والقوانين والدساتير، وبعد كل هذا الحديث المتواصل عن الفردانية والعقلانية والكونية، لا تزال تسعون دقيقة كافية أحيانًا كي نستعيد، بحماسة مدهشة، المبدأ العظيم نفسه: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".




