تتسارع التطوّرات السياسيّة والميدانيّة على الساحة اللبنانيّة عشية الجولة الخامسة من المفاوضات المرتقبة في واشنطن، وسط تصعيد إسرائيلي واسع طاول الجنوب والبقاع، وتحركات دبلوماسيّة تقودها الولايات المتحدة لتثبيت وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تمسّك لبنان بأولوية وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
في هذا السياق، تلقّى رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون اتصالًا هاتفيًّا من وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله البحث في الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة، في ضوء التطوّرات الأخيرة.
وأكّد روبيو وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان، وعملها من أجل تحقيق الأمن والاستقرار فيه، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ودعم مؤسّساتها الشرعيّة والأمنيّة والعسكريّة، وفي مقدّمها الجيش اللبناني.
من جهته، شكر عون الولايات المتحدة على دعمها لبنان، مشدّدًا على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة، والتوصّل إلى وقف شامل لإطلاق النار.
واعتبر أنّ تثبيت وقف إطلاق النار يشكّل ركيزة أساسيّة لإحراز تقدّم في المفاوضات اللبنانيّة، الأميركيّة، الإسرائيليّة، المقرّرة في واشنطن الأسبوع المقبل، بما يتيح للبنان استعادة أمنه واستقراره وسيادته وسلامة أراضيه.
تصعيد إسرائيلي يسبق مفاوضات واشنطن
ميدانيًّا، استبقت إسرائيل الجولة الخامسة من المفاوضات بجولة تصعيد عنيفة امتدّت إلى بعلبك، حيث شنّ الطيران الإسرائيلي غارات مكثّفة أسفرت عن سقوط عدد كبير من الشهداء، في مشهد يعكس استمرار الضغط العسكري بالتوازي مع المسارات السياسيّة والدبلوماسيّة.
وأدان الرئيس عون التصعيد الإسرائيلي المستمر، قائلًا في بيان: "ما نشهده اليوم في الجنوب والبقاع، من توسّع للاعتداءات الإسرائيليّة ومزيد من القتل والتدمير، يشكّل تصعيدًا خطيرًا ومدانًا، ولا سيّما أنّه طاول عشرات الأبرياء، بينهم نساء وأطفال، ويستهدف عمليًّا كلّ المحاولات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، خصوصًا بعد التطوّرات الأخيرة التي حصلت بين الولايات المتحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة".
وأضاف: "لكنّ ذلك لن يحول دون العمل على إنجاز وقف شامل لإطلاق النار بأسرع وقت ممكن، وهذا ما أوصيت به الوفد اللبناني المفاوض في الجولة المقبلة في واشنطن. ولا يمكن التساهل في هذه المسألة، لأنّ وقف إطلاق النار الشامل هو المدخل إلى البحث في المواضيع الأخرى، وأهمّها الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وعودة الأسرى".
سلام: السيادة والإصلاح مساران متلازمان
داخليًّا، جدّد رئيس الحكومة نواف سلام تأكيد تمسّك حكومته بمساري الإصلاح واستعادة الدولة، مشدّدًا على أنّ بناء دولة قويّة يتطلّب تلازمًا بين السيادة والإصلاح، وأنّ أيًّا منهما لا يمكن أن يكتمل من دون الآخر.
وفي كلمة ألقاها خلال حفل تخريج طلّاب جامعة سيّدة اللويزة، أكّد سلام أنّ استعادة الدولة تمرّ عبر مسار متكامل يجمع بين الإصلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، معتبرًا أنّه "لا سيادة مكتملة لدولة تتآكل مؤسّساتها من الداخل بفعل الفساد وسوء الإدارة وغياب المحاسبة".
وأشار إلى أنّ من يطالب بالسيادة من دون إصلاح يتجاهل أنّ الدولة لا تستعيد ثقة مواطنيها بمجرّد امتلاك أدوات السلطة، بل بفاعليّتها وعدالتها وكفاءة القيّمين عليها. كما أنّ من يطالب بالإصلاح من دون سيادة يتجاهل أنّ تطوير الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وبناء المؤسّسات، يحتاج إلى سلطة شرعيّة واحدة قادرة على فرض القانون وتطبيقه.
وشدّد سلام على أنّ لبنان يحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطن بأنّ مستقبله غير مرتهن لانتمائه السياسي أو الطائفي، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، مؤكّدًا أنّ التفاوض يجب أن يبقى حصرًا بيد السلطة الدستوريّة اللبنانيّة.
وقال: "نريد دولة تكون لها حصريّة السلاح على كامل أراضيها"، مضيفًا أنّ حكومته لن تتهاون في حصر السلاح بيد القوى الشرعيّة وحدها، كما أنّها لن تساوم على أيّ شبر من الأراضي اللبنانيّة.
ورأى أنّ الإصلاح يتطلّب استكمال تنفيذ البنود التي لم تُنفّذ من اتفاق الطائف، والانفتاح على تطويره بما يتلاءم مع متطلّبات المرحلة الحاليّة، مؤكّدًا أنّ لبنان لا يزال يمتلك المقوّمات التي تسمح له بالخروج من أزماته وبناء مستقبل أفضل.
وختم بالتشديد على التزام حكومته مواصلة مسيرة الإصلاح التي أطلقتها، والعمل على تعزيز مؤسّسات الدولة، وترسيخ سيادتها، واستعادة ثقة اللبنانيّين بها.
تثبيت وقف إطلاق النار يتصدّر جدول المفاوضات
من المفترض أن تتناول المفاوضات المقبلة شروط تثبيت وقف إطلاق النار وآليّاته. وبحسب معلومات "المدن"، سيتضمّن جدول الأعمال، إلى جانب تثبيت وقف النار، ملفّ الانسحاب الإسرائيلي، ونقاشًا بشأن إمكان تطبيق ما يُعرف بـ"المنطقة التجريبيّة"، في ظلّ استمرار الجهود الدوليّة الرامية إلى منع تجدّد التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانيّة، الإسرائيليّة.
وفي هذا الإطار، أُفيد بأنّ سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركيّة ندى حمادة معوّض أجرت اتصالات مع وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي مايك نيدهام.
وجدّد المسؤولان الأميركيّان تأكيد دعم الولايات المتحدة للرئيس جوزاف عون، والحكومة اللبنانيّة، ومؤسّسات الدولة، مشدّدين على التزام واشنطن المستمرّ بسيادة لبنان واستقراره.
وتناولت الاتصالات أيضًا التحضيرات لزيارة مرتقبة للرئيس عون إلى البيت الأبيض، يُنتظر تحديد موعدها خلال شهر تمّوز المقبل، من دون صدور إعلان رسمي لبناني أو أميركي بشأن الموعد.
هيكل يتفقّد انتشار الجيش جنوب الليطاني
على المستوى الميداني، علمت "المدن" أنّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل زار منطقة جنوب الليطاني صباح الجمعة، حيث تفقّد الوحدات العسكريّة، وأشرف على عمل الجيش وإعادة انتشاره في المنطقة.
وتأتي الزيارة في ظلّ تصاعد الدعوات إلى تعزيز حضور الجيش اللبناني جنوبًا، وربط أيّ تسوية سياسيّة أو أمنيّة بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار المؤسّسات الشرعيّة على كامل الأراضي اللبنانيّة.
تعثّر المحادثات الأميركيّة، الإيرانيّة في سويسرا
إقليميًّا، برز تطوّر لافت تمثّل في إلغاء نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رحلته إلى سويسرا، حيث كان من المرتقب إجراء مراسم توقيع رسميّة لمذكّرة تفاهم، وإطلاق المحادثات الفنيّة بين إيران والولايات المتحدة، قبل أن تعلن سويسرا رسميًّا عدم انعقاد الاجتماع.
وقالت وزارة الخارجيّة السويسريّة، في بيان صدر الجمعة، إنّ المحادثات الأميركيّة، الإيرانيّة لن تُعقد في منتجع بورغنستوك الجبلي كما كان مقرّرًا، من دون توضيح الأسباب.
وأشارت معلومات إلى أنّ الإلغاء يعود إلى خلافات سياسيّة بين واشنطن وطهران بشأن بنود الاتفاق، ولا سيّما ما يتّصل بتفسير الجانب الإيراني للبند المتعلّق بحزب الله.
كما أفادت صحيفة "فايننشال تايمز" بأنّ المحادثات أُرجئت بعد رفض طهران إرسال وفد إلى سويسرا، في ظلّ استمرار الغارات الإسرائيليّة على جنوب لبنان. ونقلت عن ثلاثة أشخاص مطّلعين على الملف أنّ إيران قرّرت عدم المشاركة في المحادثات المخطّط لها بسبب الهجمات الإسرائيليّة المتواصلة، ما أدّى إلى إلغاء الاجتماع.
في المقابل، نفى وزير الخارجيّة الباكستاني أن تكون الاعتبارات السياسيّة وراء التأجيل، قائلًا إنّ "سبب عدم بدء مفاوضات سويسرا مرتبط بانشغال مسؤولين إيرانيّين بطقوس شهر محرّم".
مواقف متقابلة بشأن وقف النار والمقاومة
في موازاة ذلك، نُقل عن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي قوله إنّ "وقف إطلاق النار يبدأ عندما يتوقّف حزب الله عن إطلاق النار والقتل".
في المقابل، برز موقف لحزب الله عبّر عنه عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فيّاض، الذي رأى أنّ الاتفاق الأميركي، الإيراني، بما يحمله من مفاعيل لبنانيّة، إلى جانب التدخّل الإيراني العسكري والتفاوضي، وحضور المقاومة وفاعليّتها، أوجد ما وصفه بـ"توازن فاعل" مع إسرائيل، يمكن أن يفتح المجال أمام إلزامها بالانسحاب من الأراضي اللبنانيّة.
وقال فيّاض: "مع توقيع الاتفاق الأميركي، الإيراني بمفاعيله اللبنانيّة، ومع تدخّل إيران العسكري والتفاوضي إلى جانب الشعب اللبناني، ومع استعدادها الجدّي للمضيّ في هذا الدور حتّى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، ومع حضور المقاومة وفاعليّتها وإصرارها على التصدّي لأيّ عدوان إسرائيلي وقتاله حتّى خروجه من أرضنا، لكلّ هذه الأسباب مجتمعة، بات في إمكاننا الحديث عن توازن فاعل مع العدوّ الإسرائيلي، يفتح الأفق أمام إلزامه بالانسحاب من أرضنا".
وأضاف أنّ "وقف إطلاق النار، في ظلّ استمرار العدوّ في الاستهدافات والاغتيالات، لا معنى له"، معتبرًا أنّ ممارسة حقّ الدفاع عن النفس ليست موضع مساومة أو تسوية، وأنّ كلّ اعتداء إسرائيلي يمنح المقاومة، بحسب تعبيره، حقّ الردّ.
وختم بالقول إنّ "بقاء أيّ جندي إسرائيلي على أرضنا يؤكّد شرعيّة المقاومة في قتاله والتصدّي له"، في موقف يعكس استمرار التباين الداخلي بشأن سلاح حزب الله وحدود دوره، في وقت تؤكّد الحكومة تمسّكها بحصريّة السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.




