تقاطعت المواقف اللبنانية والدولية في الساعات الأخيرة حول تداعيات مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية وانعكاساتها على لبنان، بين من رأى فيها مدخلاً لوقف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار، ومن اعتبر أن الحكم عليها لا يزال مبكراً وأن الوقائع الميدانية لم تتغير بعد.
ماكرون: أمن إسرائيل لا يُبنى على احتلال أراضٍ مجاورة
وفي هذا السياق، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التحلي بـ"المسؤولية والعقلانية"، معتبراً أن الهجوم على حزب الله في جنوب لبنان "يتعارض على المدى البعيد مع مصالح إسرائيل". وقال في مقابلة مع قناة "فرانس 2" إن حزب الله يشكل خطراً على إسرائيل، إلا أن أمنها "لا يمكن ضمانه بالاستيلاء على أراضٍ مجاورة"، معتبراً أن سياسة نتنياهو في لبنان وغزة والضفة الغربية "تؤجج الاستياء والعنف لدى جميع شعوب المنطقة". كما أعلن أنه سيعمل مجدداً على حشد المجتمع الدولي لمساعدة الجيش اللبناني على استعادة السيطرة على أراضيه.
بري وفضل الله: الاتفاق يبدأ من وقف النار
وفي بيروت، أصدر رئيس مجلس النواب نبيه بري بياناً أكد فيه، "تسهيلًا لنجاح المفاوضات الإيرانية – الأميركية في سويسرا"، أن موقف لبنان وحزب الله يقوم على الالتزام بوقف إطلاق النار طالما التزمت إسرائيل به بشكل كامل وشامل، وذلك في إشارة إلى ما ورد في البند الأول من مذكرة التفاهم وإلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن وقف النار بين إسرائيل ولبنان وحزب الله.
من جهته، أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله أن البنود المتعلقة بلبنان في مذكرة التفاهم ترتبط مباشرة بوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. وقال إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري أن النصوص المتعلقة بلبنان تعني وقف النار وإنهاء الحرب، موضحاً أن وقف إطلاق النار من وجهة النظر الإيرانية يشمل أيضاً انسحاب إسرائيل حتى الحدود اللبنانية.
وأضاف فضل الله أن إيران لن توقع الاتفاق النهائي مع الولايات المتحدة ما لم يتم الالتزام بالبنود الخاصة بلبنان، مشيراً إلى أن المفاوضات الإيرانية – الأميركية ستبدأ من البند الأول الذي يتضمن وقف إطلاق النار وضمان سلامة الأراضي اللبنانية. وكشف أن طهران علّقت البحث في بقية البنود إلى حين تنفيذ هذا البند، باعتباره جزءاً أساسياً من المذكرة التي وقعها الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان.
كما تحدث عن اتصالات إقليمية ودولية عديدة مع حزب الله، مؤكداً أن للحزب "الكثير من الأصدقاء" على المستويين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى محاولات أميركية سابقة لفتح قنوات تواصل معه في مراحل مختلفة، بما فيها خلال فترة "حرب الإسناد".
جعجع: لا شيء تغيّر بعد
في المقابل، قدّم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع قراءة مغايرة للتفاهم. ففي مقابلة تلفزيونية، اعتبر أن اتفاق جنيف "ليس صدمة"، وأن ما تحقق عملياً يقتصر على فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، أما سائر البنود فهي، بحسب تعبيره، "بيع سمك بالبحر".
ورأى جعجع أن التفاهم الأميركي – الإيراني يخدم بالدرجة الأولى مصالح الطرفين، إذ يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خفض الضغوط الاقتصادية وأسعار النفط، وهو ما تحقق بالفعل بعد إعادة فتح الملاحة البحرية، فيما عادت بقية الملفات إلى نقطة الصفر.
وأضاف أن إسرائيل أعلنت أنها غير معنية بالاتفاق، في حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شخصيات سياسية لبنانية بعد التفاهم، معتبراً أن ذلك يؤكد أن شيئاً لم يتغير فعلياً وأن الوضع في الجنوب لا يزال على حاله، داعياً إلى عدم الاستعجال في استخلاص النتائج.
وأكد جعجع أن المسار الذي تنتهجه الدولة اللبنانية هو الخيار الوحيد القادر على الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، معتبراً أن ما جرى على الأرض خلال اليومين الماضيين لا يعدو كونه "مسرحية". وقال إنه لا يراهن لا على الإسرائيلي ولا على الأميركي، مشيداً في المقابل بموقفي رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، معتبراً أنهما أوصلا المسار التفاوضي إلى المرحلة الحالية.
وفي الشأن الداخلي، اتهم جعجع إيران بالعمل وفق مصالحها الخاصة في المنطقة "كما فعلت طوال الأربعين عاماً الماضية"، معتبراً أنها ساهمت في تخريب لبنان. كما رأى أن الدولة اللبنانية قادرة على فرض قراراتها عندما تريد، إلا أن ما وصفه بـ"الدولة العميقة" لا تزال تعيق ذلك، داعياً إلى استكمال التعيينات والتشكيلات اللازمة وتعزيز دور المؤسسات الرسمية. وأكد أن الحكومة اللبنانية لن تتراجع عن قرارها اعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه، معرباً عن اعتقاده بأن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة متمسكان بهذا الموقف.
كما شدد على أن أي حديث عن دور سوري في لبنان غير مطروح، مشيراً إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع والمملكة العربية السعودية لا يؤيدان مثل هذا الطرح. وأوضح أنه لم يزر سوريا بعد بانتظار استقرار النظام الجديد، لكنه أكد استمرار قنوات التواصل.
وعن نتائج الحرب الأخيرة، اعتبر جعجع أن الإنجاز الوحيد لإيران هو خروجها بأقل الخسائر الممكنة ومن دون سقوط النظام. كما رأى أن لبنان لم يعد يحتمل العودة إلى ما قبل السادس من تشرين الأول 2023، محذراً من استمرار نزيف الهجرة في صفوف الشباب اللبناني.
وفي ملف المفاوضات، أوضح أن وزير الخارجية يوسف رجي ليس مستبعداً عن المسار التفاوضي، مشيراً إلى أن مدير عام وزارة الخارجية يشارك في خلية المتابعة في القصر الجمهوري. كما اعتبر أن إسقاط الحكومة غير ممكن لا نيابياً ولا وزارياً بالنسبة إلى حزب الله، مضيفاً أن أي محاولة لإسقاطها في الشارع ستواجه بوجود "شوارع" أخرى في المقابل.
وبين الرهان على أن يؤدي التفاهم الإيراني – الأميركي إلى تثبيت وقف النار وفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي، وبين التشكيك بقدرته على إحداث تغيير فعلي في المعادلات القائمة، يبقى لبنان في قلب اختبار سياسي وأمني جديد، فيما تترقب الأطراف المختلفة ما ستفضي إليه جولات التفاوض المقبلة ومدى انعكاسها على الساحة اللبنانية.




