عاشوراء التضحية والذاكرة: من رينيه جيرارد إلى علي شريعتي

مصطفى علّوشالخميس 2026/06/18
3.jpg
تحويل التاريخ إلى تجربة حية (علي لمع)
حجم الخط
مشاركة عبر

"كأنَّ يداً مِن وراءِ الضريحِ       حمراءَ مبتورةَ الإصبعِ

تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخنوعِ              والضَّيمِ ذي شَرَقٍ مُترَعِ

لِتُبدِلَ منهُ جَديبَ الضميرِ         بآخرَ مُعشوشبٍ مُمرِعِ" 

(محمد مهدي الجواهري في استذكار استشهاد الحسين)

 

في كل عام، تعود عاشوراء لتحتل موقعاً مركزياً في الحياة الدينية والثقافية والسياسية لدى ملايين الشيعة في أنحاء العالم. وتمتلئ المدن والقرى بالمجالس والرايات السوداء ومواكب العزاء واستعادة مشاهد مقتل الإمام الحسين في كربلاء عام 680م. وبينما ينظر المؤمنون إلى هذه الشعائر باعتبارها تعبيراً عن الوفاء لقضية العدالة والحق في مواجهة الظلم، يرى باحثون آخرون أنها تمثل إحدى أقوى آليات إنتاج الذاكرة الجماعية وإعادة بناء الهوية المذهبية عبر الأجيال..

 

لفهم هذه الظاهرة، قد يكون من المفيد العودة إلى نظرية المفكر الفرنسي رينيه جيرارد، الذي بنى مشروعه الفكري على مفهوم التضحية وآلية "كبش الفداء". رأى جيرارد أن المجتمعات البشرية تواجه بصورة متكررة خطر العنف الداخلي الناتج عن التنافس والصراع، وأنها تلجأ إلى توجيه هذا العنف نحو ضحية رمزية أو حقيقية تصبح محوراً لإعادة إنتاج التماسك الاجتماعي. فالتضحية ليست مجرد حدث ديني، بل آلية تؤسس الجماعة وتعيد بناء وحدتها. إذا طبّقنا هذا المنظور على عاشوراء، نجد أن استحضار مقتل الحسين لا يقتصر على تذكر حادثة تاريخية وقعت قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، بل يتحول إلى عملية متواصلة لإعادة بناء الجماعة الشيعية نفسها. فالحسين لا يُقدَّم بوصفه شخصية تاريخية فحسب، بل باعتباره الضحية المقدسة التي تمنح الجماعة معنى وجودها الأخلاقي والسياسي. ومن خلال استعادة المأساة بصورة دورية، يتم تعزيز الروابط العاطفية بين أفراد الجماعة وتأكيد انتمائهم إلى سردية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية. في هذا السياق، تصبح الشعائر أكثر من مجرد ممارسات دينية لتصبح لغة جماعية تعيد إنتاج الهوية. فالبكاء الجماعي، واللطم، والمواكب، والخطابات التي تستعيد وقائع كربلاء، كلها تؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في تحويل التاريخ إلى تجربة حية يشعر المشاركون أنهم جزء منها وكأن الحدث لا ينتمي إلى الماضي بل يتجدد في الحاضر باستمرار.

 

غير أن هذه العملية لا تقتصر على بناء التضامن الداخلي، بل قد تؤدي أيضاً إلى رسم حدود فاصلة بين "نحن" و "هم". فالهوية الجماعية لا تتشكل فقط عبر ما تتذكره، بل أيضاً عبر تحديد من تعتبره مسؤولاً عن المأساة الأصلية. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الكبرى المرتبطة بالذاكرة المذهبية. فعندما تُروى كربلاء باعتبارها صراعاً مستمراً بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، يصبح من السهل الانتقال من استحضار الماضي إلى إسقاطه على الحاضر.لا يعني ذلك أن جميع الشيعة أو جميع خطباء عاشوراء يتبنون هذه القراءة. فهناك تيارات شيعية عديدة تؤكد البعد الإنساني والأخلاقي العالمي لثورة الحسين وتعتبرها دعوة إلى مقاومة الظلم أينما كان. لكن التاريخ الحديث في الشرق الأوسط يكشف أيضاً عن حالات جرى فيها توظيف الذاكرة العاشورائية في الصراع السياسي والمذهبي، بحيث تحولت كربلاء من حدث تاريخي إلى إطار لتفسير وتسويغ النزاعات المعاصرة.

وهنا يبرز دور المفكر الإيراني علي شريعتي، الذي حاول إعادة تفسير عاشوراء بوصفها ثورة اجتماعية وسياسية أكثر منها مجرد مناسبة للحزن. وقد رأى شريعتي أن التشيع التاريخي انقسم بين "التشيع العلوي" الثوري و"التشيع الصفوي" الطقوسي، معتبراً أن كثيراً من الممارسات العزائية فقدت مضمونها التحرري وتحولت إلى طقوس تكرارية. ومن بين الأفكار المثيرة للجدل التي ناقشها شريعتي حديثه عن تأثر بعض أشكال العزاء الشيعي بممارسات مسيحية مرتبطة بذكرى آلام المسيح وصلبه. فقد أشار إلى أن بعض طقوس التمثيل الديني والحزن الجماعي تطورت تاريخياً في بيئات تفاعلت مع تقاليد مسيحية شرقية، خصوصاً خلال العصور اللاحقة. ورغم أن هذه الأطروحة لا تحظى بإجماع بين المؤرخين، فإنها فتحت باباً واسعاً لدراسة التفاعل بين الأديان والثقافات في تشكيل الشعائر.

 

وإذا كانت المسيحية قد جعلت من ذكرى الصلب رمزاً للخلاص والفداء، فإن التشيع جعل من كربلاء رمزاً للشهادة والعدالة والمقاومة. وفي الحالتين نجد حدثاً مأساوياً يتحول إلى مركز للهوية الدينية. غير أن الفرق الأساسي يكمن في طبيعة العلاقة مع الخصم التاريخي. فبينما شهدت الكنائس المسيحية خلال القرون الأخيرة مراجعات واسعة للخطاب الذي حمّل جماعات معينة، وبالأخص اليهود، مسؤولية صلب المسيح، بقيت قضية كربلاء أكثر حضوراً في المجال السياسي المعاصر بسبب استمرار الانقسامات المذهبية في العالم الإسلامي وبالأخص بعد دخول الثورة الإيرانية ومسألة ولاية الفقيه على المعادلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتحول الذاكرة إلى أداة تعبئة سياسية. فالحركات والأحزاب ذات المرجعية الشيعية كثيراً ما استخدمت رمزية الحسين وكربلاء في مواجهة خصومها، سواء كانوا أنظمة سياسية أو قوى أجنبية أو جماعات مذهبية منافسة. وفي المقابل، لجأت تيارات سنية متشددة إلى استحضار قراءات تاريخية مضادة، ما ساهم في إنتاج دوائر متبادلة من الشك والعداء. والمشكلة هنا لا تكمن في الذاكرة بحد ذاتها، فكل جماعة تحتاج إلى ذاكرة مشتركة تحفظ هويتها واستمراريتها. المشكلة تظهر عندما تصبح الذاكرة سجناً للمستقبل. فالمجتمعات التي تعيد إنتاج جراحها التاريخية بصورة دائمة قد تجد نفسها عاجزة عن بناء فضاء سياسي مشترك مع الآخرين. وعندما يتحول الماضي إلى معيار وحيد لفهم الحاضر، يصبح التعايش أكثر صعوبة.

 

من هنا تبرز أهمية التمييز بين استحضار المأساة بوصفها درساً أخلاقياً وبين استحضارها بوصفها مشروعاً للثأر الرمزي. فالحسين يمكن أن يُقرأ باعتباره رمزاً عالمياً لمقاومة الظلم، كما يمكن أن يُقرأ باعتباره نقطة انطلاق لصراع هوياتي لا ينتهي. والفرق بين القراءتين ليس فرقاً في الحدث التاريخي نفسه، بل في الطريقة التي تختار بها الجماعات توظيف هذا الحدث.لقد أظهرت تجارب عديدة في المنطقة أن النزاعات المذهبية لا تنشأ من الاختلافات العقائدية وحدها، بل من تسييس تلك الاختلافات وربطها بصراعات السلطة والنفوذ. وعندما تتداخل الذاكرة الدينية مع الحسابات السياسية والإقليمية، تصبح الشعائر أدوات تعبئة تتجاوز بعدها الروحي الأصلي.

في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى عاشوراء باعتبارها مثالاً معقداً على العلاقة بين التضحية والهوية والسلطة. فمن منظور جيرارد، تسهم ذكرى الضحية في توحيد الجماعة وإعادة إنتاج تماسكها. ومن منظور شريعتي، تتحول كربلاء إلى مشروع ثوري دائم ضد الظلم. أما في الواقع السياسي المعاصر، فإن هذه الرموز قد تصبح أحياناً جسوراً نحو العدالة والتضامن، وقد تتحول أحياناً أخرى إلى وقود لصراعات لا تنتهي.

 

ويبقى التحدي الأكبر أمام مجتمعات الشرق الأوسط هو الانتقال من الذاكرة بوصفها أداة لتجديد الانقسام إلى الذاكرة بوصفها مصدراً للحكمة التاريخية. فالمأساة التي لا تنتج إلا مزيداً من المآسي تفقد معناها الأخلاقي. أما المأساة التي تدفع إلى المصالحة والاعتراف المتبادل، فإنها تتحول من جرح مفتوح إلى درس إنساني قادر على بناء مستقبل مختلف. وبين جيرارد وشريعتي، وبين كربلاء والواقع المعاصر، يظل السؤال قائماً وهو هل تُستعاد عاشوراء من أجل تذكر الظلم وتجاوزه، أم من أجل إبقائه حياً في الوعي السياسي للأجيال المتعاقبة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط معنى الشعائر، بل ربما تحدد أيضاً مستقبل العلاقة بين المذاهب والطوائف في منطقة ما زالت أسيرة أثقال تاريخها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث