ترتيبات اليوم التالي: "المنطقة الصفراء" عنوان لصراع لم يُحسم

زينب زعيترالخميس 2026/06/18
لبنان (غيتي)
ستبقى المنطقة الصفراء عنواناً لصراع لم يُحسم بعد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بينما تتقدم المسارات السياسية والاتفاقات الإقليمية، تواصل إسرائيل على الأرض فرض وقائع ميدانية قائمة على الاحتفاظ بمناطق تعتبرها ضرورية لأمنها، من غزة إلى سوريا وصولاً إلى جنوب لبنان. تتجاوز تل أبيب بذلك، فكرة إنهاء الحرب نحو إعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة، ورسالتها بأنّ "حربها لم تنتهِ" تبعثها للحلفاء قبل الأعداء. و"الخط الأصفر"، يكرس رؤية إسرائيلية أوسع، لا تقتصر على لبنان وحده، بل تمتد إلى مقاربة موحدة ظهرت في غزة وعلى الجبهة السورية أيضاً، تقوم على الاحتفاظ بهوامش ميدانية تمنحها حرية الحركة والتدخل عند الحاجة. ومع توقيع الاتفاق الأميركي – الإيراني، يتجه الاهتمام إلى اختبار قدرة هذه التفاهمات على تغيير الواقع الميداني، وضمان انسحاب إسرائيل بالشكل التدريجي الذي تنص عليه البنود، أو الإبقاء على أوراق السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وبالتالي العودة في المقابل إلى المقاومة، كخيار أوحد لتحرير الأرض.
بالنسبة إلى إسرائيل، هي اليوم دخلت مرحلة من إعادة تقييم المشهد، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب. وفي حين يراهن الإسرائيليون على القدرة على التأثير في الموقف الأميركي لمنع أي انسحاب سريع من الأراضي اللبنانية، تتزايد المخاوف داخل تل أبيب من أن يفرض الاتفاق وقائع جديدة لا تنسجم بالكامل مع الأهداف التي وضعتها إسرائيل منذ بداية الحرب.

والانسحاب الإسرائيلي لا يُقدَّم باعتباره صيغة نهائية، إذ إن أي اتفاق لاحق يُفترض أن يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، وهو ما تؤكد عليه إيران وحزب الله، اللذان يربطان أي تثبيت للوضع الجديد بمسار الانسحاب، وإلا فإن خيار العودة إلى المقاومة يبقى مطروحاً. في المقابل، يفتح الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بهذه المنطقة الباب أمام أسئلة تتجاوز الجانب العسكري: ما مصير البلدات التي تقع ضمن هذا الشريط الأصفر؟ وما طبيعة الحياة فيها؟ ولماذا تُعد هذه القرى تحديداً ذات أهمية بالنسبة لإسرائيل؟

 

إسرائيل غير مستعدة للتخلي عن الخط الأصفر 
ميدانياً، تتركز القوات الإسرائيلية حالياً في ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، إلى جانب نقاط مرتفعة وتلال استراتيجية تمنحها إشرافاً نارياً وبصرياً على أجزاء واسعة من الجنوب، وتؤمن مراقبة للبلدات الحدودية ومحاور الحركة الأساسية. وتستند المقاربة الإسرائيلية إلى إنشاء شريط أمني يمتد بعمق يتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ويضم نحو 55 بلدة وقرية حدودية.
وبحسب التقارير الإسرائيلية ومواقف السياسيين الإسرائيليين فإنّ إسرائيل لا تبدو مستعدة للتخلي بسهولة عن "الخط الأصفر"، باعتباره ورقة تستخدمها لتحصيل مكاسب أو ضمانات مستقبلية. وفيما يستمر التمركز داخل هذا الشريط، تتواصل العمليات العسكرية خارج حدوده أيضاً، حيث سُجلت تحركات وتوغلات في مناطق كفرتبنيت، زوطر الشرقية وغيرها، وبرز أمس توغل جديد في بلدة حداثا، حيث تسعى إسرائيل إلى تحويل القرى الحدودية إلى مناطق يصعب إعادة تثبيت الوجود فيها، مع إحكام السيطرة على محاور ومرتفعات استراتيجية تشمل الخيام، وادي السلوقي، مارون الراس وبنت جبيل، بما يمنحها أوراق ضغط في أي مفاوضات مقبلة تتعلق بلبنان أو بإعادة رسم ترتيبات ما بعد الحرب.

 

ترتيبات اليوم التالي 
ومع تصاعد النقاش حول ترتيبات اليوم التالي، تبرز تساؤلات حول حدود الالتزام الإسرائيلي، ودلالات استمرار الانتشار داخل المنطقة الصفراء. في هذا السياق، يقرأ العميد الركن فادي داوود في حديث مع "المدن" خلفيات المشهد وتقاطعاته السياسية والميدانية. يرى داوود أنّ الاتفاق الأميركي – الإيراني بات أمراً واقعاً بعد توقيعه بين الطرفين، إلا أنّ السؤال الأساسي يبقى حول موقع إسرائيل منه، باعتبار أنها ليست طرفاً مباشراً في الاتفاق، وبالتالي لا يترتب عليها التزام سياسي مباشر ببنوده. ومع ذلك، وبحكم العلاقة الاستراتيجية التي تربطها بالولايات المتحدة، فمن المرجح أن تتعرض لضغوط أميركية لدفعها نحو الالتزام بمسار التهدئة، وإن ضمن حدود معيّنة.
ويشير داوود إلى أنّ القوات الإسرائيلية لا تزال تتمركز في مواقع استراتيجية تشمل الشقيف وتلة علي الطاهر وعدداً من البلدات الواقعة ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، وهي مناطق تكتسب أهمية عسكرية كبيرة كونها تشكّل منطقة عازلة وتؤمّن عمقاً عملياتياً للقوات الإسرائيلية. كما أنّ الدمار الواسع الذي لحق بهذه المناطق جعلها شبه خالية من مقومات الحياة، ما يخفّف من الأعباء الميدانية ويمنح الإسرائيلي هامشاً أوسع للتحرك والسيطرة. كذلك، فإن السيطرة على المرتفعات الحاكمة، مثل تل الشقيف ومارون الراس وإحكام القبضة على تلة علي الطاهر، تمنح إسرائيل قدرة إشراف وتغطية واسعة تمتد باتجاه الجليل والجنوب اللبناني.
ويعتبر داوود أنّ مسألة الانسحاب الإسرائيلي ترتبط مباشرة بالثمن السياسي والأمني الذي تسعى إسرائيل إلى تحصيله، وما إذا كانت قد حصلت عليه ضمن التفاهمات القائمة. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لا يزال النقاش يتمحور حول مستقبل جنوب الليطاني، ودور الدولة اللبنانية والجيش في استلام المنطقة، إضافة إلى كيفية التعاطي مع سلاح حزب الله، وما إذا كانت بنود الاتفاق تتضمن ضمانات واضحة في هذا الإطار.

 

رسالة إلى الحليف الأميركي
ويضيف داوود أنّ إسرائيل لا تبدو حتى الآن مقيّدة بالكامل بمسار الاتفاق، خصوصاً في ظل مؤشرات على تباينات ظهرت أخيراً بين رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإن كانت هذه الخلافات مرشحة للبقاء ضمن حدود العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين. 
أما التوغلات والتحركات العسكرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية خارج المنطقة الصفراء، فيراها داوود رسائل سياسية وميدانية موجهة أولاً إلى الحليف الأميركي ثم إلى بقية الأطراف، ومضمونها أنّ الحرب، من وجهة النظر الإسرائيلية، لم تُطوَ بالكامل بعد، وأن تل أبيب لا تزال تحتفظ بمشروعها الخاص وترتيباتها المستقلة لمرحلة ما بعد الحرب.
ويختم بالإشارة إلى أنّ المشهد لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الأميركية، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية النصفية، حيث قد تدفع الاعتبارات الداخلية بالرئيس الأميركي إلى إعادة ترميم التفاهمات مع نتنياهو وإرضائه في ملفات المنطقة.

 

قلق في إسرائيل من ضغوط أميركا 
وبحسب الإعلام العبري، تشهد الأوساط الإسرائيلية نقاشاً حول ما إذا كانت الحرب حققت الحد الأدنى من أهدافها، في ظل مؤشرات إلى حالة من الإحباط داخل المؤسستين السياسية والأمنية، خصوصاً مع الحديث عن محدودية الاطلاع الإسرائيلي على تفاصيل الاتفاق الأميركي – الإيراني. وفي هذا الإطار، يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته داخل المناطق الحدودية، سواء عبر استهداف البنى العسكرية أو تعزيز نقاط تمركزه واستعداده لسيناريوهات ما بعد الاتفاق.
وتقدّر إسرائيل أن المرحلة المقبلة قد تشهد تبدلاً في طبيعة المواجهة، من خلال انتقال العمليات إلى أنماط مختلفة وأكثر استنزافاً، ما يدفعها إلى التمسك بواقع ميداني جديد تعتبره جزءاً من ترتيبات ما بعد الحرب وورقة ضغط أساسية في أي مفاوضات سياسية أو أمنية مقبلة تخص لبنان والمنطقة.
ويمكن التوقف عند تقرير نُشرته هآرتس، أشارت فيه إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يعيش حالة من الضبابية بشأن استمرار انتشاره في لبنان. وتقدّر المؤسسة العسكرية أن يُطلب منها خلال الفترة القريبة المقبلة الانسحاب إلى الخط الأصغر، وسط مخاوف من أن تتعرض إسرائيل لاحقاً لضغوط إضافية تدفعها إلى الانسحاب الكامل حتى الحدود الدولية، من دون وجود أي آلية تضمن حماية مصالحها الأمنية.
وقال ضباط في الجيش للصحيفة العبرية إنهم لم يتلقوا حتى الآن تعليمات واضحة من الحكومة بشأن الهدف النهائي المطلوب تحقيقه، الأمر الذي يصعّب عليهم وضع خطط طويلة الأمد. وتنعكس هذه الضبابية في نقاش محتدم داخل الجيش. وبحسب الصحيفة يرى بعض الضباط أن على المؤسسة العسكرية البدء منذ الآن بالتحضير لانسحاب منظم نحو الخط الأصفر بمبادرة منها، لا سيما مع توقع عودة مئات آلاف سكان جنوب لبنان الذين نزحوا خلال الحرب. وهو ما قد يزيد من احتمالات الاحتكاك والمواجهات. في حين يرى ضباط أخرون أنّ الوقت الحالي بالنسبة إلى لبنان، يستوجب فرض وقائع جديدة على الأرض، وبالتالي "على الجيش ألا ينسحب، بل على العكس عليه تعزيز سيطرته على مناطق إضافية داخل لبنان، انطلاقاً من فرضية أن أي أراضٍ يسيطر عليها يمكن استخدامها كورقة تفاوضية في أي اتفاق مستقبلي".
ويبقى الجنوب أمام اختبار مزدوج: قدرة التفاهمات الدولية على فرض الانسحاب الإسرائيلي، وقدرة إسرائيل على تحويل انتشارها المؤقت إلى واقع طويل الأمد. وحتى اتضاح صورة التسويات النهائية، ستبقى المنطقة الصفراء عنواناً لصراع لم يُحسم بعد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث