الفوتبول وأحوال العالم

يوسف بزيالخميس 2026/06/18
مباراة المغرب والبرازيل مونديال 2026 (Getty)
صنع منتخب وطني في كرة القدم، بات في صلب سياسات الدول (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

سيظل كأس العالم حكراً على أوروبا وأميركا اللاتينية، مع أرجحية الأولى، في المستقبل المنظور. مع ذلك، لم تعد مشاركة القارات الأخرى مجرد "إكمال عدد". 

في مونديال 2022، احتل المنتخب المغربي المركز الرابع وبات فريقاً مخيفاً في أعين المنافسين الكبار. التعادل القطري مع سويسرا، وتعادل الرأس الأخضر مع اسبانيا، والانتصار الأسترالي على تركيا، وتعادل مصر مع بلجيكا، كذلك التعادل بين المغرب والبرازيل والتفوق الواضح للمغاربة في مجريات اللعب.. يكشف عن التطور الكبير للمنتخبات الإفريقية والآسيوية.

 

لم يعد مجرد صدفة مثلاً، أن تفوز السعودية على الأرجنتين في مونديال 2022، وتتعادل مع الأوروغواي في مونديال 2026 (والمنتخبان من حملة كأس البطولة). منتخبات قطر والأردن والكونغو سجل كل منها الهدف الأول في تاريخها المونديالي. اليابان أصبحت الحاضرة الدائمة والخطيرة في المونديال. كوريا الجنوبية أيضاً.

لم تعد المشاركة "رمزية". والتطور الأبرز هو تبدد عقدة النقص أو الرهبة، واكتساب مهارات كانت إلى وقت قريب لا تعرفها إلا المنتخبات الكبرى التقليدية. فيما المواهب المصقولة والمتدربة أضحت متوفرة عند الجميع. الندية في اللعب وفي التسجيل والسيطرة على الكرة وخلق الفرص والإبداع في المناورة تظهر عند جميع المنتخبات تقريباً. ولذا، فإن توسيع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منطقي جداً وينصف على نحو مناسب التطور الكروي في أنحاء العالم.

 

من الواضح أن صنع منتخب وطني في كرة القدم، بات في صلب سياسات الدول التي تسعى لتثبيت مكانتها في العالم. فالنجاح الفوتبولي هو مرآة عن البلد ومدى استقراره وتماسكه وتقدمه الاقتصادي والاجتماعي، بل هو تعبير عن نجاح "الدولة" نفسها. 

أن يأتي جمهور دولة إلى المدرجات حاملاً رموزه وألوانه، وأن يدخل منتخبها الفتي والنضر كموكب أبطال إلى أرضية الملعب، ويُعزف نشيدها الوطني، ويلعب 90 دقيقة لا تخلو من اللمحات الملحمية والروح القتالية والعزيمة والإصرار العاطفي، ويشاهد المليارات من البشر كل هذا.. فهو أفضل صورة يمكن لدولة أن تقدمها عن نفسها. ولهذا السبب، تستثمر الدول في كرة القدم الوطنية تماماً كما في قطاعات حيوية وأساسية، كالصحة والسياحة والطاقة.. إلخ.

بهذا المعنى، البعد السياسي عميق الأثر في نيل شرف المشاركة في المونديال. مأساة المنتخب الإيراني تعكس الانقسام العميق بين الإيرانيين وأزمة النظام، بقدر ما تعكس مرارة العداء مع أميركا. أما حضور العراق فأظهر أملاً في التعافي (البطيء) الذي يشهده هذا البلد بعد عقود من الحروب والأهوال.  

 

هناك جانب بالغ الأهمية في تطور منتخبات آسيا وإفريقيا، عدا الخطط الوطنية المحلية والنمو الاقتصادي وازدهار الأندية المحلية والسخاء الرسمي الملحوظ، هو دور الهجرة من ناحية وعولمة "سوق" اللاعبين على نحو غير مسبوق. إنه دور أوروبي بامتياز.

ما من لاعب "مهم" من أي قارة كان، إلا ونراه محترفاً في نادٍ أوروبي. وأي موهبة محلية ستظهر في هذا المونديال، سيصطاده على الفور أحد الأندية الأوروبية.

في العقود الثلاثة الأخيرة، هيمن المهاجرون أو من أصول مهاجرة على كرة القدم في الدوريات الأوروبية الكبرى، في الأندية وفي المنتخبات الوطنية. كذلك، فإن ثراء الأندية الأوروبية وتنعمها بمليارات الاستثمار، أتاح لها أن تجذب كل مواهب أميركا اللاتينية والآسيوية والإفريقية. وهناك، في الملاعب الأوروبية تنصقل مواهب وقدرات اللاعبين الذين يكسبون أعلى مستويات الاحتراف.

قسم كبير من هؤلاء، باتوا يشكلون العمود الفقري لمنتخبات بلادهم. والكثير من مزدوجي الجنسية، يفضلون تمثيل بلدهم الأم. هذا ما أتاح مثلاً للمنتخب المغربي أن يدخل "نادي الكبار".

 

أيضاً، هناك التجربة الخليجية الخاصة. فالدوريات المحلية وعلى غرار الأندية الأوروبية، تستورد نجوماً في كرة القدم (لاعبين ومدربين)، ما منح اللاعبين المحليين التعلم والاحتكاك والتعرف على تجارب كروية من طراز الأول. وهذا ما أسهم بتطور كرة القدم في السعودية وقطر. 

على أي حال، تقول لنا كل هذه الظواهر إن ثمة رحابة وقدراً هائلاً من التعايش والتسامح والتجاوز للعصبيات والهويات، تقدمه لنا هذه اللعبة.

وعلى هذا النحو، تعمل كرة القدم على صنع صورة عن العالم أفضل كثيراً من أحواله السياسية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث