خلف الستار الدبلوماسي لمذكّرة التفاهم الأميركيّة، الإيرانيّة المرتقب توقيعها الجمعة المقبل، يجلس لبنان في موقع شديد الدقّة والإحراج، نتيجة صراع إستراتيجيّ محتدم يدور على أرضه: بين هاجس طهران في تثبيت ترابط الساحات وضمان نفوذها الإقليميّ، وهدف تل أبيب تثبيت واقع عسكريّ ضاغط على الأرض الجنوبيّة قبل الدخول في مفاوضات الستّين يومًا الإقليميّة، وجولة 22 حزيران اللبنانيّة – الإسرائيليّة.
في تحرّكها العلنيّ الأخير تجاه بيروت، أعلنت طهران أنّها تسعى إلى منع الاستفراد بلبنان، وأكّدت سعيها إلى تثبيت الهدوء فيه كجزء لا يتجزّأ من اتفاقها النوويّ مع واشنطن. وهذا ما عبّر عنه وزير خارجيّتها عباس عراقجي صراحة، بربط نهاية الحرب مع إيران بوقفها في لبنان. ومن هنا، جاءت اتّصالاته ورئيس البرلمان قاليباف بالرئيس جوزاف عون والرئيس نبيه برّي، لقطع الطريق على المساعي الإسرائيليّة الهادفة إلى فصل الملفّين، وكذلك ضمان تجيير وقف إطلاق النار كمكسب سياسيّ يحمي البنية الأساسيّة لحليفها "حزب الله".
في المقابل، تعمل إسرائيل لفرض الوقائع العسكريّة الجديدة ونزع السلاح. لذلك ينأى بنيامين نتنياهو بحكومته عن تفاهمات دونالد ترامب مع طهران، لمصلحة أولويّاته الميدانيّة الصرفة في الجنوب. والهدف الإسرائيليّ الراهن هو استغلال الوقت الفاصل عن مفاوضات واشنطن، 22 و23 و24 حزيران، لفرض وقائع جغرافيّة قاسية جنوبًا، وهو ما يفسّر الاستماتة الإسرائيليّة لقضم تلّة علي الطاهر المطلّة خصوصًا على النبطيّة، عبر التوغّل من كفرتبنيت. وتوازي هذا التثبيت الميدانيّ ضغوط سياسيّة وتهديدات أطلقها وزير الطاقة إيلي كوهين بضرب بيروت والضاحية مجدّدًا، بهدف دفع الدولة والجيش اللبنانيّ إلى انتزاع "فرصة تاريخيّة" لنزع سلاح "حزب الله"، كشرط لأيّ استقرار اقتصاديّ أو مسار تطبيعيّ مستقبليّ.
وسط كلّ هذا، سيكون التحدّي هو طبيعة الوساطة الأميركيّة والخيارات البديلة التي يمكن أن تسوّقها واشنطن بين إيران وإسرائيل، لدعم الموقف الرسميّ اللبنانيّ. وهنا تبرز مقاربة ترامب الإشكاليّة في تحجيم "حزب الله" من خلال طرحه تولّي دمشق إدارة هذا الملفّ. وهو خيار يواجَه حتّى اليوم برفض معلن، لبنانيّ وإسرائيليّ وسوريّ في آن معًا.
إذًا، يستعدّ لبنان لدخول جولة التفاوض المقبلة في واشنطن وكأنّه في ساحة معركة بالنار. وإذ نجحت إيران إقليميًّا في جعل وقف النار اللبنانيّ بندًا ثابتًا في مذكّرتها مع واشنطن، فإنّ إسرائيل تسابق الزمن عسكريًّا لتدمير مفاعيل هذا الربط عبر قضم الأرض وفرض الشروط بقوّة الأمر الواقع. وهذا ما يفسّر الضغط العسكريّ الهائل في الأيّام الأخيرة، خصوصًا على خطوط النبطيّة وصور.
لبنان في قلب الاشتباك لا على هامشه
ليست المسألة اللبنانيّة اليوم تفصيلًا ملحقًا باتفاق أميركيّ، إيرانيّ أوسع، بل تحوّلت إلى اختبار مبكّر لحدود هذا الاتفاق، ولمدى قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بقواعده، كما لمدى قدرة طهران على تحويل وقف إطلاق النار في لبنان من ورقة تفاوضيّة إلى ضمانة سياسيّة. هنا يكمن جوهر المأزق: لبنان حاضر على طاولة الكبار، لكنّه لا يريد أن يكون مادّة مقايضة، ولا قادرًا وحده على منع الآخرين من استخدام ساحته.
وفي هذا السياق، علمت "المدن" أنّ وفدًا يضمّ وزيرة التنمية الاجتماعيّة والأسرة في دولة قطر بثينة علي جبر النعيمي، ووزيرة شؤون الفرنسيّين بالخارج إليونور كاروا، ووزيرة الدولة للتنمية الدوليّة في بريطانيا جينيفر شابمان، سيزور لبنان في إطار تقديم مزيد من الدعم والمساعدات. الزيارة، بمعناها السياسيّ، تتجاوز البعد الإنسانيّ والإنمائيّ، لأنّها تأتي في لحظة إعادة تموضع دوليّ حول لبنان بعد الاتفاق، وتؤشّر إلى أنّ بيروت ستتحوّل، في المرحلة التالية، إلى محور حركة عربيّة ودوليّة عنوانها دعم الاستقرار، ومضمونها ضبط تداعيات التسوية.
بالتوازي، تتّجه الأنظار إلى زيارة مرتقبة لوزير الخارجيّة الإيرانيّ عباس عراقجي إلى المنطقة، ومن المتوقّع أن تشمل لبنان. الرسالة الإيرانيّة واضحة: طهران لا تريد أن يقرأ أحد الاتفاق بمعزل عن نفوذها في الساحة اللبنانيّة. أمّا الرسالة اللبنانيّة المطلوبة، فيفترض أن تكون أكثر وضوحًا: الدولة وحدها تتولّى التفاوض، والدعم الخارجيّ مقبول ما دام لا يتحوّل وصاية على القرار الوطنيّ.
واشنطن بين إدارة الاتفاق وضبط إسرائيل
كشفت مصادر دبلوماسيّة غربيّة لصحيفة "جيروزالم بوست" أنّ التفاهم الإطاريّ بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تضمّن وقفًا لإطلاق النار في لبنان، سيترك أثرًا مباشرًا على المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة المقرّر استئنافها الأسبوع المقبل في واشنطن. وبحسب التقرير، سيشارك في المحادثات وفد إسرائيليّ برئاسة السفير الإسرائيليّ لدى واشنطن يحيئيل لايتر، في مقابل وفد لبنانيّ تقوده سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض، ويضمّ السفير اللبنانيّ السابق سيمون كرم، بحسب ما أورد التقرير.
لكنّ جوهر المفاوضات لا يكمن في الأسماء، بل في وظيفة الطاولة نفسها. إسرائيل تريد تحويلها إلى مسار أمنيّ، سياسيّ يفرض نزع سلاح "حزب الله" وانسحاب الحزب من الجنوب قبل أيّ انسحاب إسرائيليّ جدّي. في المقابل، يريد لبنان الرسميّ أن يبدأ النقاش من بديهيّة السيادة: وقف النار، الانسحاب الإسرائيليّ، تحرير الأسرى، تثبيت دور الجيش، وبقاء "اليونيفيل" في إطار القرار 1701 إلى حين استكمال تطبيقه.
المشكلة أنّ الربط الأميركيّ بين التفاهم مع إيران والملف اللبنانيّ يمنح وقف النار ثقلًا دوليًّا، لكنّه في الوقت نفسه يعقّد موقع الحكومة اللبنانيّة. فإيران تبدو شريكًا في تثبيت الهدوء، لا مجرّد طرف داعم لحليف داخليّ. وإسرائيل تستغلّ هذا الواقع لتقول إنّ لبنان الرسميّ غير قادر على التزامات أمنيّة بلا موافقة طهران و"حزب الله". وهكذا يجد لبنان نفسه بين خطرين: أن يُختزل قراره بطهران، أو أن تُفرض عليه شروط تل أبيب باسم استعادة القرار.
عون يرسم حدود الشرعيّة
في قصر بعبدا، حاول رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون إعادة تثبيت المعادلة الرسميّة. خلال استقباله وفدًا من المطارنة الموارنة في الانتشار، قال بوضوح إنّ "التفاوض تقوم به الدولة اللبنانيّة وهي سيّدة قرارها، وما من أحد يأخذ مكانها". هذه العبارة ليست بروتوكوليّة، بل هي ردّ مباشر على كلّ محاولات وضع لبنان في خانة الملحق، سواء بإيران أو بسوريا أو حتّى بالوساطة الأميركيّة نفسها.
عون ذهب أبعد من ذلك حين شدّد على أنّ "لا أحد يربطنا بأيّ دولة أخرى، وأيّ تسوية ستتمّ من خلالنا لا على حسابنا". في الخطاب السياسيّ اللبنانيّ، تمثّل هذه الجملة محاولة لإعادة الإمساك بحدّ أدنى من المبادرة. فالرئاسة تعرف أنّ ميزان القوى العسكريّ ليس في يد الدولة وحدها، وأنّ الجنوب ما زال ساحة احتكاك إقليميّ، لكنّها تراهن على الشرعيّة كأداة تفاوض لا تقلّ أهميّة عن السلاح.
وفي خلفيّة هذا الكلام، يبرز ملفّ إعادة بناء الدولة. عون شدّد على أنّ "وحدها الدولة تحمي الجميع، لا الطوائف ولا الأحزاب". هذه ليست موعظة دستوريّة، بل توصيف للأزمة اللبنانيّة في لحظة ما بعد الحرب: لا استقرار بلا جيش، ولا إعادة إعمار بلا مؤسّسات، ولا دعم خارجيّ بلا سلطة قادرة على التفاوض باسم الجميع.
برّي و"اليونيفيل": تثبيت الأرض قبل السياسة
في عين التينة، وضع رئيس مجلس النواب نبيه برّي ملفّ "اليونيفيل" في قلب المعادلة الجنوبيّة. تأكيده ضرورة بقاء القوات الدوليّة وفق ولايتها المحدّدة في القرار 1701، إلى حين التطبيق الكامل للقرار، يعني عمليًّا رفض أيّ فراغ أمنيّ قد تستغلّه إسرائيل لتوسيع هامش الحركة العسكريّة، أو أيّ اندفاعة دوليّة لتعديل قواعد الانتشار قبل انسحاب الاحتلال.
لقاء برّي مع قائد "اليونيفيل" اللواء ديوداتو أبانيارا، بحضور المنسّق المقيم للأمم المتحدة عمران ريزا، حمل بعدًا مزدوجًا: دعم الجيش اللبنانيّ في الجنوب، وحماية الإطار الدوليّ الذي ما زال يشكّل، رغم عجزه، حاجزًا سياسيًّا أمام الفوضى المفتوحة. فإسرائيل تريد جعل الوقائع الميدانيّة مرجعًا للتفاوض، بينما يتمسّك لبنان بجعل القرار 1701 مرجعًا لأيّ حلّ.
سلام في باريس: لبنان يبحث عمّا قيل عنه
زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى باريس تأتي في توقيت شديد الحساسيّة. فبعد قمة مجموعة الدول السبع في إيفيان ليه، وحضور الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، يريد لبنان أن يعرف بدقّة ما قيل عنه، لا ما سيقال له لاحقًا. باريس هنا ليست محطّة دبلوماسيّة فقط، بل نافذة على النقاش الغربيّ حول وظيفة لبنان في مرحلة ما بعد الاتفاق الأميركيّ، الإيرانيّ.
سلام، في زيارته القصيرة، يسعى إلى التقاط المعطيات المتّصلة بما أبلغه ترامب للرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ولعدد من القادة بشأن لبنان، ولا سيّما حدود الضغط الأميركيّ على إسرائيل. فالرهان اللبنانيّ ليس على الوعود، بل على ترجمتها: هل تستطيع واشنطن إلزام تل أبيب بوقف شامل للنار؟ هل يكون الانسحاب الإسرائيليّ بندًا تنفيذيًّا لا عبارة عامّة؟ وهل يتحوّل الدعم الدوليّ للجيش إلى مسار فعليّ لا إلى شعار مكرّر؟
ترامب يربك نتنياهو ويفتح بابًا سوريًّا ملغومًا
الأكثر إثارة في المشهد كان انتقاد ترامب العلنيّ لإسرائيل. قوله إنّه غير راضٍ عن تدمير مبانٍ سكنيّة كاملة بحثًا عن عنصر واحد من "حزب الله"، وإنّ كثيرين من سكّان تلك المباني لا ينتمون إلى الحزب، مثّل خروجًا عن اللغة الأميركيّة التقليديّة التي تمنح إسرائيل هامشًا شبه مطلق. لكنّ هذا الانتقاد لا يكفي وحده ما لم يتحوّل ضغطًا عمليًّا على حكومة نتنياهو.
الأشدّ حساسيّة هو تكرار ترامب لفكرة أن تتولّى سوريا التعامل مع "حزب الله". هذا الطرح، حتى لو جاء في سياق ارتجاليّ، يحمل انفجارًا سياسيًّا كامنًا. لبنان لا يستطيع قبول وصاية سوريّة جديدة تحت عنوان معالجة السلاح. إسرائيل لا تثق بتسليم أمن حدودها لدمشق. وسوريا نفسها، الخارجة من تحوّلات داخليّة عميقة، لا تبدو في موقع القادر على حمل ملفّ بهذه الخطورة. لذلك، يبدو الاقتراح أقرب إلى ورقة ضغط أميركيّة منه إلى خطّة قابلة للتنفيذ.
إسرائيل تقضم الوقت والأرض
في الساعات الفاصلة عن توقيع الاتفاق، واصلت إسرائيل اعتداءاتها. استهداف سيّارات في ميفدون وشوكين، وسقوط شهداء، جاءا كرسالة دمويّة مفادها أنّ تل أبيب لا تريد وقف النار قبل أن ترفع ثمنه. وهي تسعى إلى تحويل الجنوب إلى خريطة ضغط: تلّة هنا، محور هناك، تهديد لبيروت والضاحية، ومطالبة للجيش اللبنانيّ بأن يتحرّك تحت النار لنزع سلاح "حزب الله".
هذه السياسة تكشف أنّ إسرائيل لا تفاوض من أجل الهدوء فقط، بل من أجل إعادة تعريف التوازن في لبنان. وهي تخشى، في المقابل، أن يفرض ترامب عليها انسحابًا سريعًا لحماية اتفاقه مع طهران. لذلك ناقش "الكابينت" الإسرائيليّ سيناريوهات عدّة، بينها ما وصف بأنّه "الأسوأ"، أي مطالبة أميركيّة بانسحاب فوريّ من لبنان. ومن هنا يصبح التصعيد العسكريّ جزءًا من سباق مع الوقت، لا مجرّد ردود ميدانيّة.
اختبار الدولة يبدأ بعد الاتفاق
الخلاصة أنّ لبنان يدخل مرحلة بالغة التعقيد. إيران ربحت مبدئيًّا إعادة ربط لبنان بالمسار الإقليميّ. إسرائيل تحاول كسر هذا الربط بالنار. واشنطن تمسك بالوساطة، لكنّها ما زالت تتأرجح بين حماية الاتفاق وضبط الحليف الإسرائيليّ. أمّا الدولة اللبنانيّة، فهي أمام امتحانها الأصعب: أن تثبت أنّها ليست صندوق بريد، ولا ساحة تصفية، ولا طرفًا غائبًا عن تسوية تُطبخ باسمه.
نجاح لبنان لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار، بل بقدرته على تحويله إلى مسار سياديّ متكامل: انسحاب إسرائيليّ، انتشار فعليّ للجيش، استمرار "اليونيفيل"، تحرير الأسرى، منع الانزلاق إلى حرب جديدة، وفتح باب الإعمار. أمّا الفشل، فسيعني أنّ الجنوب سيبقى معلّقًا بين اتفاقات لا تُطبّق، ووقائع تُفرض بالقوّة، ودولة تحاول أن تفاوض فيما النار تسبقها إلى الطاولة.




