عكست الساعات الأخيرة التي تلت الإعلان عن "التفاهم" بين واشنطن وطهران، حجم الفجوة الهائلة بين آمال الشارع اللبناني المثقل بأعباء النزوح والاجتياح والدمار والدماء من جهة، والحسابات المعقدة والصارمة عسكريًّا وسياسيًّا من جهة ثانية. وهذا ما يفسّر الإرباك السياسي الرسمي، والمخاوف من بقاء جبهة لبنان خارج مفاعيل التهدئة الإقليمية المفترضة.
شعبيًّا، كان يوم فرح مشوبٍ بالقلق والتحدّي. فمنذ الصباح الباكر، وبمجرّد سريان الأنباء عن الاتفاق الأوّلي، بادر عدد كبير من الأهالي النازحين، مدفوعين بالشوق والرغبة في تفقّد منازلهم، إلى حزم أمتعتهم ومحاولة التحرّك نحو قراهم وبلداتهم في الجنوب. إلّا أن هذه الخطوة العفويّة قوبلت بحذر شديد من الجيش اللبناني، الذي سارع إلى دعوة المواطنين إلى عدم الاستعجال.
وتعبّر دعوة المؤسّسة العسكريّة عن مقدار من التحسّب والواقعيّة، إذ لم تتّضح بعد آليات تطبيق وقف النار في ما يخصّ لبنان. واندفاع الأهالي نحو مناطق التماس في هذه اللحظة الرماديّة ينطوي على مخاطر كبيرة، لا سيّما مع غياب أيّ خطّة أمنيّة واضحة تحمي العائدين على خطوط النار الإسرائيليّة.
وبدا لبنان الرسمي، وفقًا لما صرّح به مصدر رسمي لوكالة "فرانس برس"، وكأنّه "آخر من يعلم" في ما يتعلّق بتفاصيل الاتفاق الأميركي، الإيراني. ولم تتبلّغ بيروت مسبقًا بمندرجات هذا التفاهم، ما خلق حالًا من الإرباك والغموض طوال ليل أمس في المقارّ الرسميّة. وهذا الإرباك السياسي ترجمه سلوك أركان السلطة اللبنانيّة، الذين طال انتظار بياناتهم ومواقفهم حتّى ظهر اليوم الإثنين، نتيجة عدم امتلاكهم معلومات حقيقيّة تعكس حقيقة ما يجري في الغرف الدوليّة المغلقة. وعندما صدرت البيانات الرسميّة، جاءت مضامينها مقتصرة على التمسّك بثوابت لبنان و"أمنيات" بأن يعمّه السلام والاستقرار، بعيدًا من التداخلات الخارجيّة.
في المقابل، تترجم إسرائيل جموحها بضغوط عسكريّة متواصلة في العمق والجنوب. وهي لم تكتفِ بمواصلة تسديد الضربات، بل جاءت مواقفها لتكرّس استراتيجيّة "فكّ الارتباط" عن اتفاق واشنطن. فقد أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة استمرار العمليّات والسيطرة الأمنيّة إلى أجل غير مسمّى. وفي السياق التنفيذي، أكّد مسؤول عسكري إسرائيلي بارز أنّ قوات الجيش الإسرائيلي العاملة على الأرض في لبنان لم تتلقَّ حتّى الساعة أيّ تعليمات أو أوامر لوقف عمليّاتها العسكريّة. وهذا التأكيد المهني يعكس إصرارًا إسرائيليًّا على استغلال الوقت الفاصل لتثبيت واقع "المنطقة الأمنيّة"، وتدمير ما تبقّى من بنى تحتيّة في القرى الحدوديّة، قبل الدخول في أيّ تفاوض مباشر حول آليات الانسحاب.
وفي الواقع، يجد لبنان نفسه اليوم في ممرّ بالغ الخطورة. فالأهالي يقفون على مشارف قراهم محكومين بالانتظار، والسلطة السياسيّة تراقب الأحداث بلا أوراق قوّة أو معلومات دقيقة، فيما الآلة الإسرائيليّة تمضي في تثبيت وقائعها بالنار مستفيدة من الاستفراد بلبنان. وهذا ما يدفع القوى العربيّة الداعمة للبنان إلى الاستنفار لضمان ما أمكن.
وقد جاء في التوقيت المناسب بيان الخارجيّة القطريّة الذي أشار إلى اجتماع الدكتور محمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجيّة، اليوم في الرياض، مع الأمير يزيد بن محمد بن فهد الفرحان، مستشار وزير الخارجيّة السعودي للشأن اللبناني، حيث "جرى استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها، ومناقشة آخر التطوّرات في لبنان، وجهود التنسيق المشترك بين البلدين بشأن الملف اللبناني". وقد جدّد وزير الدولة بوزارة الخارجيّة، خلال الاجتماع، "موقف دولة قطر الداعم للبنان، ووقوفها باستمرار إلى جانب الشعب اللبناني الشقيق".
تفاهم إقليمي أم وقف نار معلّق؟
ليس تفصيلًا أن يخرج الاتفاق الأميركي، الإيراني من خارج القنوات اللبنانيّة المباشرة، ثم يُطلب من بيروت التعامل معه كفرصة إنقاذ. ففي الشكل، بدا لبنان حاضرًا في النصوص والبيانات، لكنّه غائب عن صناعة القرار. وفي المضمون، لا تزال العقدة الأساسيّة في أن أيّ تهدئة لا تُقاس بما يعلنه الوسطاء، بل بما تفعله إسرائيل على الأرض، وما إذا كانت واشنطن قادرة فعلًا على تحويل التفاهم مع طهران إلى التزام إسرائيلي عملي بوقف النار والانسحاب من المناطق المحتلّة في الجنوب.
لذلك، لا تبدو المسألة مجرّد إعلان سياسي عن وقف عمليّات عسكريّة على جبهات عدّة، بل اختبار لقدرة التسوية الإقليميّة على النزول من منابر الدبلوماسيّة إلى الجغرافيا اللبنانيّة. فلبنان، المحكوم بتوازنات هشّة وبواقع أمني مفتوح، لا يستطيع الاكتفاء بعبارات عامّة عن الاستقرار. المطلوب، من زاوية المصلحة اللبنانيّة المباشرة، ثلاثة عناصر لا غنى عنها، وقف نار واضح، انسحاب إسرائيلي كامل، وآلية عودة آمنة للنازحين، تتولاها الدولة والجيش ضمن ضمانات قابلة للتنفيذ.
الدولة بين الترحيب والحذر
المواقف الرسميّة اللبنانيّة عكست هذه المعضلة بدقّة. رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون ثمّن ما تضمّنه الاتفاق من احترام لخصوصيّة لبنان، ورأى في الإقرار بأن استقرار لبنان وأمنه جزء لا يتجزّأ من أيّ مسعى إقليمي جادّ، إشارة إيجابيّة بعد ما تحمّله اللبنانيّون من تضحيات وأعباء جسيمة. لكنّ هذا الترحيب بقي محكومًا بمنطق الانتظار، لأنّ الدولة لا تملك، حتّى الآن، نصًّا تفصيليًّا نهائيًّا ولا خريطة تنفيذ واضحة.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فأشاد بمذكّرة التفاهم بين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والولايات المتحدة الأميركيّة، منوّهًا بالمساعي التي بذلتها باكستان وقطر والسعوديّة ومصر، ومعتبرًا أن تضمين لبنان بندًا أساسيًّا وملزمًا لوقف العدوان الإسرائيلي يشكّل عنصرًا محوريًّا في أيّ تسوية. أهمية موقف بري أنّه يربط التفاهم بعدم الوقوع في الفخّ الإسرائيلي، أي عدم القبول بفصل لبنان عن معادلة وقف النار، أو تحويله إلى ساحة تُدار وفق استثناء أمني إسرائيلي دائم.
من جهته، حاول رئيس الحكومة نواف سلام تثبيت المقاربة التنفيذيّة، فأكّد أنّ الحكومة ستضاعف الجهود عبر المفاوضات الجارية في واشنطن لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانيّة والإفراج عن الأسرى، بالتوازي مع العمل على العودة الآمنة والكريمة للنازحين، وحشد الدعم العربي والدولي لمستلزمات إعادة الإعمار. وهنا تكمن النقطة الأشدّ حساسيّة، إذ إن الحكومة تبدو مطالبة بإثبات حضورها في لحظة تتجاوز قدراتها التقليديّة، ولا تسمح بالمواقف الرماديّة.
حزب الله: تهدئة بلا تفويض لإسرائيل
في المقلب الآخر، تعامل حزب الله مع الاتفاق بوصفه إنجازًا إقليميًّا يفتح الباب أمام "استكمال مسار التحرير"، لا بوصفه نهاية الصراع. فقد شدّد في بيانه على عودة الأسرى والأهالي، وخصوصًا أهالي قرى المواجهة في الحافة الأماميّة، وعلى إعادة إعمار ما دمّره العدوان. لكنه، في الوقت نفسه، دعا الأهالي إلى التريّث وانتظار توجيهات المعنيّين بشأن العودة الآمنة، تفاديًا لأيّ مخاطر قد تنجم عن خروقات العدو الإسرائيلي المحتملة.
هذا الخطاب يحمل رسالتين متوازيتين. الأولى موجّهة إلى الداخل، ومفادها أن الحزب لا يريد تحمّل كلفة اندفاع شعبي غير محسوب نحو مناطق لا تزال تحت النار أو ملوّثة بالذخائر غير المنفجرة. والثانية موجّهة إلى إسرائيل والوسطاء، وخلاصتها أن وقف النار لا يعني منح تل أبيب "حريّة عمليات" داخل لبنان. لذلك جاء كلام مسؤول في الحزب عن أن موقفه من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به، رفضًا واضحًا لمحاولة إنتاج صيغة تسمح لإسرائيل بوقف الحرب الواسعة مع إبقاء يدها مطلقة في الجنوب والعمق اللبناني.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا الموقف الإيراني الذي نقل عن المتحدّث باسم الخارجيّة إسماعيل بقائي، وفيه تأكيد على احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه كجزء من الاتفاق المؤقّت مع الولايات المتحدة. غير أن ترجمة هذا الكلام تبقى رهنًا بما ستفعله واشنطن تحديدًا، لأنّ طهران قد تكون قادرة على ضبط حلفائها ضمن تفاهم شامل، لكنها ليست الطرف الذي يملك الضغط المباشر على الحكومة الإسرائيليّة.
إسرائيل واستراتيجيّة الاستثناء
المؤشّر الأخطر في الساعات الأخيرة لم يأتِ من بيروت ولا من طهران، بل من تل أبيب. فالمواقف الإسرائيليّة المتلاحقة بدت أقرب إلى إعلان تمرّد سياسي على بند لبنان في التفاهم، أو على الأقل إلى محاولة إعادة تفسيره بما يخدم المصلحة الأمنيّة الإسرائيليّة. عندما يقول مسؤولون إسرائيليّون إن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بالبند المتعلّق بلبنان، وعندما يعلن إيتمار بن غفير أن "اتفاق ترامب لا يلزمنا"، فهذا يعني أن إسرائيل تحاول منذ اللحظة الأولى منع ولادة وقف نار متوازن.
الأكثر وضوحًا جاء على لسان يسرائيل كاتس، الذي تحدّث عن بقاء الجيش الإسرائيلي في "المناطق الأمنيّة" في لبنان وسوريا وغزّة إلى أجل غير مسمّى، وعن إخلاء هذه المناطق من السكان المحليّين وتدمير البنى التحتيّة. هذا الكلام لا يعبّر عن هامش تفاوضي، بل عن عقيدة أمنيّة تريد تحويل الشريط الحدودي إلى واقع مستدام، وإعادة إنتاج مفهوم الاحتلال تحت تسمية "الأمن". وبذلك يصبح الاتفاق، بالنسبة إلى إسرائيل، فرصة لإسكات الجبهات الأخرى لا لإنهاء اعتدائها على لبنان.
هنا يكمن لبّ الخطر. فإذا نجحت تل أبيب في عزل لبنان عن مفاعيل الاتفاق، فستكون النتيجة وقفًا ناقصًا للنار، وتهدئة إقليميّة على حساب السيادة اللبنانيّة. أما إذا نجحت واشنطن والوسطاء العرب في فرض قراءة موحّدة للتفاهم، فسيكون لبنان أمام فرصة حقيقيّة، ولو صعبة، لإخراج الجنوب من منطق الاستنزاف المفتوح.
الجيش ومعادلة العودة الآمنة
بيان الجيش اللبناني لم يكن تفصيلًا إداريًّا، بل موقفًا أمنيًّا وسياسيًّا في آن. فالدعوة إلى تريّث الأهالي في العودة إلى القرى والبلدات الحدوديّة، والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكريّة المنتشرة، تعبّر عن إدراك المؤسّسة العسكريّة أن الحماسة الشعبيّة، مهما كانت مفهومة ومشروعة، قد تتحوّل إلى كارثة إذا سبقت الترتيبات الميدانيّة.
فالجنوب ليس مساحة عودة عاديّة بعد حرب تقليديّة، بل منطقة تماس شهدت قصفًا واسعًا وتدميرًا ممنهجًا، وربما تحتوي على ذخائر غير منفجرة وأجسام مشبوهة ومناطق ما زالت تحت مراقبة ناريّة إسرائيليّة. لذلك، لا يمكن للعودة أن تُترك للعاطفة وحدها. المطلوب أن تتحوّل إلى مسار منظّم، يبدأ بتثبيت وقف النار، ويمرّ بمسح أمني وهندسي، وينتهي بعودة تدريجيّة تحت سقف الدولة، لا تحت ضغط اللحظة.
الدور العربي: محاولة منع الفراغ
في هذه اللحظة، تكتسب الحركة القطريّة، السعوديّة دلالة إضافيّة. فالاجتماع بين الوزير محمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي والأمير يزيد بن محمد بن فهد الفرحان بشأن الملف اللبناني لا يمكن فصله عن محاولة عربيّة لتثبيت لبنان داخل أيّ تسوية، ومنع تركه في منطقة رماديّة بين تفاهم أميركي، إيراني، ورفض إسرائيلي للتنفيذ.
الدعم العربي للبنان لم يعد ترفًا دبلوماسيًّا، بل ضرورة لمنع سقوط البلد في فراغ ما بعد الحرب. فإعادة الإعمار تحتاج إلى مظلّة سياسيّة وماليّة، والعودة الآمنة تحتاج إلى ضمانات، والسلطة اللبنانيّة تحتاج إلى رافعة خارجية كي لا تبقى متلقّية للقرارات فقط. ومن دون هذا الاحتضان، سيبقى لبنان أمام معادلة قاسية، إسرائيل تفرض الوقائع، الداخل ينقسم على تفسيرها، والناس يدفعون الثمن.
المعركة على تفسير الاتفاق
ما يجري اليوم ليس نهاية الحرب، بل بداية معركة تفسير الاتفاق. فهل يشمل لبنان فعلًا ويفرض على إسرائيل وقفًا كاملًا للعدوان وانسحابًا تدريجيًّا واضحًا؟ أم يتحوّل إلى تفاهم إقليمي كبير تُستثنى منه الجبهة اللبنانيّة بحجّة "الأمن الإسرائيلي"؟
الجواب لن يأتي من البيانات وحدها، بل من الميدان. فإذا توقّفت الضربات، وبدأ الانسحاب، وعادت الدولة بجيشها ومؤسّساتها إلى الجنوب، يكون لبنان قد دخل مرحلة انتقالية صعبة، لكنها واعدة. أما إذا استمرّت إسرائيل في القصف وتوسيع "المنطقة الأمنيّة"، فسيكون الاتفاق قد منحها وقتًا إضافيًّا لترتيب احتلال مقنّع، لا فرصة لصناعة سلام.
لذلك، تبدو المهمّة اللبنانيّة الآن مزدوجة، منع إسرائيل من تحويل التفاهم إلى نصّ انتقائي، ومنع الداخل من تحويل لحظة التهدئة إلى بازار سياسي. بين استعجال الناس للعودة، وبطء الدولة في امتلاك المعلومات، وجموح إسرائيل نحو تثبيت الوقائع، يحتاج لبنان إلى موقف واحد، واضح وصلب، لا سلام بلا سيادة، ولا عودة بلا أمان، ولا تفاهم إقليمي يترك الجنوب معلّقًا على حافة النار.




