بعد كل ما أصاب الجنوب والضاحية والبقاع من دمار وتهجير وقتل وخسائر هائلة، يبدو السؤال بديهيًا: لماذا لم يتحول هذا الألم الجماعي إلى اعتراض سياسي واسع على حزب الله، يدفعه إلى مراجعة خياراته أو إعادة النظر في حساباته؟
في أماكن كثيرة من العالم، كانت كلفة كهذه كفيلة بإحداث زلزال سياسي. فالحروب لا تخلّف مدنًا مدمرة وعائلات مشرّدة فحسب، بل تفتح أيضًا باب المساءلة حول القرارات التي قادت إليها. وكان من الطبيعي الافتراض أن الخسائر التي تكبدتها البيئة الشيعية ستدفع قطاعات واسعة منها إلى إعادة تقييم علاقتها بالحزب ودوره وخياراته الاستراتيجية. لكن ما حدث كان مختلفًا. وعلى الرغم من حجم المأساة الإنسانية والمادية، لم يتحول الدمار إلى اعتراض سياسي يتناسب مع حجمه، ولم يتعرض الحزب لتآكل في شرعيته يوازي حجم الكلفة التي تحملتها بيئته الحاضنة. بل بدا، إلى حد بعيد، محافظًا على تماسكه الداخلي.
غير أن السؤال الحقيقي قد لا يكون: لماذا لم يتمرد الشيعة على حزب الله؟ بل لماذا لا يتمرد اللبنانيون عمومًا على القوى التي قادتهم، بصورة أو بأخرى، إلى هذا الانهيار الشامل؟ فالواقع اللبناني يقدم مثالًا نادرًا على قدرة القوى السياسية على النجاة من الفشل، لا رغم فشلها، بل أحيانًا بسببه. فقد خسر اللبنانيون ودائعهم ومدخراتهم، وانهارت عملتهم الوطنية، وتراجعت خدماتهم الأساسية، وهاجر أبناؤهم، ثم جاءت الحروب والانفجارات والدمار. ومع ذلك، لم يسقط النظام الذي أنتج كل ذلك، ولم تنهَر الولاءات التي أبقته حيًا.
ربما لأننا نطرح السؤال الخطأ. فنحن نفترض أن الإنسان يحاسب انطلاقًا من مصالحه، بينما يخبرنا التاريخ مرارًا أن الإنسان يتحرك غالبًا انطلاقًا من مخاوفه. نفترض أن الخسارة تُنتج التمرد، بينما تكشف تجارب كثيرة أن الخسارة قد تنتج العكس تمامًا: مزيدًا من التمسك بما يمنح الشعور بالأمان. فالإنسان لا يخشى الفشل بقدر ما يخشى الفراغ. وعندما يشعر أن العالم من حوله ينهار، يصبح أكثر استعدادًا للتشبث بما يعرفه، حتى لو كان هذا الشيء جزءًا من أسباب انهياره. فالناس أكثر استعدادًا للتضحية بحريتهم من استعدادهم للتضحية بما يعتقدون أنه يضمن أمنهم ومكانتهم، وفق دو توكفيل.
هنا تحديدًا تكمن خصوصية التجربة اللبنانية. فالشيعي لا يرى حزب الله فقط كحزب سياسي، بل كإطار يمنح جماعته معنى للقوة والأمان في عالم يراه مليئًا بالمخاطر. والمسيحي لا يتمسك بحزبه فقط بسبب اقتناع سياسي، بل لأنه يرى فيه امتدادًا لرواية تاريخية عن الحضور والبقاء. والدرزي لا ينظر إلى زعامته باعتبارها خيارًا انتخابيًا فحسب، بل بوصفها جزءًا من معادلة وجود تاريخية. أما السني، فما زال يبحث عن مرجعية تعيد إليه شعورًا بالتمثيل بعد سنوات من التراجع والضياع. لهذا لا تعمل الأحزاب اللبنانية كأحزاب بالمعنى الحديث للكلمة. فهي لا تبيع البرامج بقدر ما تبيع الطمأنينة. لا تعد الناس بمستقبل أفضل بقدر ما تعدهم بحمايتهم من مستقبل أسوأ. إنها لا تدير السياسة فقط، بل تدير القلق.
وهنا تكمن قوة النظام اللبناني وضعفه في آن واحد. فقوته لا تنبع من نجاح أحزابه، بل من نجاحها في إقناع جماعاتها بأن وجودها شرط لوجودهم. أما ضعفه فيكمن في أنه حوّل السياسة من مساحة للاختيار إلى مساحة للخوف، واستبدل فكرة المواطنة بفكرة الاحتماء. في ظل هذه المعادلة، لا يعود الحزب مجرد فاعل سياسي يمكن استبداله، بل يتحول إلى ما يشبه المأوى النفسي. لذلك لا تُطرح مساءلته بوصفها نقاشًا حول الأداء، بل بوصفها سؤالًا عن المصير. ولا يُنظر إلى المحاسبة كوسيلة لإنقاذ الجماعة، بل كاحتمال قد يهدد تماسكها ويعرّضها للانكشاف.
عند هذه النقطة، لا يعود الخوف من فشل الحزب هو العامل الحاسم، بل الخوف مما قد يأتي بعده. وهكذا تتراجع المحاسبة كلما تصاعدت الهواجس الوجودية، ويغدو الحفاظ على الحماية المتخيلة أكثر إلحاحًا من مراجعة الخسائر الواقعية. لذلك تصبح الخسائر قابلة للتحمل أكثر من احتمال فقدان الجهة التي يُعتقد أنها تؤمن الأمان. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: لا يعود الناس أسرى الواقع الذي يعيشونه، بل أسرى الواقع الذي يتخيلون أنه سيأتي بعده. وبين الخسارة المؤكدة والخوف من المجهول، يختار كثيرون التعايش مع الأولى هربًا من الثاني.
لهذا لا تكفي الكوارث دائمًا لإسقاط الولاءات، ولا يؤدي الفشل تلقائيًا إلى فقدان الشرعية. فحين يصبح الخوف من البديل أكبر من الغضب من الواقع، لا تعود المحاسبة فعلًا سياسيًا عاديًا، بل تتحول إلى مخاطرة وجودية. وعندما تصبح المحاسبة مخاطرة وجودية، يصبح الانهيار نفسه أسهل احتمالًا من التغيير.




