تقويضٌ موجِب... وبناءٌ أَوجَب!

زياد الصائغالاثنين 2026/06/15
لبنان ملصق دعائي عن السلام (Getty)
المطلوب ليس إعادة إنتاج الدَولة، بل تقويض ما عطلها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس أخطر على الدُّول من تحوُّل الأزمات إلى وقائع دائمة، ولا أشدّ خطورةً من اعتياد المجتمعات على الخلل حتّى يصبح جزءاً من المشهد الطَّبيعي. لبنان اليوم يقف أمام لحظةٍ مفصليّة تتجاوز حدود الأزمة السّياسيّة أو الاقتصاديّة أو السياديّة، لأنّ المعضلة الحقيقيّة تكمن في بنية المعادلة الحاكمة نفسها، وفي ستاتيكو منظومةٍ دستوريّة جرى تعطيل روحها وتطويع مؤسّساتها وتفريغ وظائفها لمصلحة موازين قوى فرضت نفسها خارج منطق الدَّولة وفوق مقتضياتها.

 

لقد أثبتت التّجربة أنّ أيّ محاولة للإصلاح من داخل المنظومة القائمة، من دون تعديل قواعد إنتاج السُّلطة، سرعان ما تتحوّل إلى مجرّد إدارة للأزمة لا معالجةٍ لها. كما أثبتت أنّ التّسويات الظرفيّة، مهما بدت ضروريّة في بعض المحطّات، لا تستطيع أن تبني دولةً ولا أن تؤسّس لاستقرارٍ مستدام. لذلك فإنّ المدخل الحقيقي لتغيير المعادلة لا يبدأ من الشِّعارات، ولا من إعادة تدوير النُّخب نفسها، ولا من الاكتفاء بتبديل بعض الوجوه داخل البنية القائمة، بل يبدأ من إعادة إنتاج السُّلطة السّياسيّة نفسها عبر انتخاباتٍ نيابيّة تُعيد الاعتبار إلى جوهر التّمثيل الدّيموقراطي.

الانتخابات النيابيّة ليست استحقاقاً إجرائيّاً فحسب، بل هي في جوهرها معركةٌ على طبيعة الدَّولة واتّجاهها. هي الوسيلة الدُّستوريّة الوحيدة القادرة على كسر الاحتكارات السّياسيّة التي نشأت خلال العقود الماضية، وأدّت إلى اختطاف قطاعات واسعة من التّمثيل الشّعبي تحت عناوين مختلفة، بعضها ارتبط مباشرةً بخياراتٍ تتجاوز الدَّولة، وبعضها الآخر عمل على تطويع مؤسّساتها وإخضاعها لمصالحه الخاصّة أو الفئويّة.

 

إنّ جوهر الأزمة اللُّبنانيّة لا يكمن فقط في وجود قوى تملك أدوات ضغط خارج المؤسّسات، بل في نجاح هذه القوى، ومعها أطراف أخرى في المنظومة التّقليديّة، في تحويل المؤسّسات الدُّستوريّة إلى أدواتٍ لإنتاج الأمر الواقع بدل أن تكون أدواتٍ لتصحيحه. هنا تحديداً تكمن الحاجة إلى مقاربةٍ مختلفة لا تنطلق من إدارة موازين القوى، بل من إعادة بناء شرعيّة الدَّولة نفسها.

غير أنّ الوصول إلى هذا الهدف يقتضي أوّلاً شجاعةً قياديّة استثنائيّة. التّغيير الحقيقي لا يتحقّق عبر مسايرة الوقائع القائمة أو التكيّف معها، بل عبر امتلاك الجرأة على مواجهتها سياسيّاً ودستوريّاً. الشّجاعة المطلوبة اليوم ليست فقط شجاعة القرار، بل شجاعة تصويب السّرديّة الوطنيّة والسياديّة التي تعرّضت خلال سنواتٍ طويلة للتّشويه والتّضليل. هذا التّصويب بدأ لكنَّه غير كافٍ.

 

لقد جرى تقديم السّيادة كأنّها شعارٌ انقسامي، فيما هي في الحقيقة شرط قيام أيّ دولة. وجرت محاولة تصوير احتكار السِّلاح أو القرار أو العلاقات الخارجيّة خارج المؤسّسات كأنّه جزءٌ من معادلة الحماية الوطنيّة، فيما أثبتت الوقائع أنّ ازدواجيّة القرار والسِّلاح والسيادة كانت المدخل الأوسع لتقويض الدَّولة وتعطيل وظائفها. لذلك فإنّ استعادة السّرديّة السّياديّة لا تعني إنتاج انقساماتٍ جديدة، بل إعادة تثبيت القاعدة البديهيّة التي تقول إنّ الدَّولة وحدها هي صاحبة القرار، والدَّولة وحدها هي المرجعيّة النّهائيّة في إدارة الأمن والدِّفاع والسّياسة الخارجيّة.

من هنا تأتي أهمّيّة المفاوضات اللّبنانيّة-الإسرائيليّة الجارية وما قد يتفرّع عنها من مساراتٍ سياسيّة وأمنيّة. المفاوضات ليست هدفاً بحدّ ذاتها، بل وسيلةٌ لتمهيد الطّريق أمام قيام دولةٍ جدّيّة قادرة على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها ومؤسّساتها وقرارها الوطني. أمّا اختزالها بمسائل تقنيّة أو حدوديّة أو أمنيّة ضيّقة، فإنّه يفوّت فرصةً تاريخيّة لإعادة بناء العقد الوطني على أسسٍ مختلفة.

اللّحظة الرّاهنة تحمل إمكانيّة الانتقال من منطق إدارة التّوازنات الهشّة إلى منطق بناء الدَّولة الفاعلة. لكنّ هذه الإمكانيّة لن تتحقّق تلقائيّاً، بل تحتاج إلى إرادةٍ سياسيّة تُحسن قراءة التّحوّلات الإقليميّة والدّوليّة، وتستثمرها في خدمة المشروع الدُّستوري الوطني لا في خدمة الحسابات الفئويّة الضيّقة.

 

في هذا السِّياق، يصبح الحديث عن تقويض ما يُعرف بالدَّولة العميقة ضرورةً وطنيّة لا مجرّد شعارٍ إصلاحي. الدَّولة العميقة في الحالة اللُّبنانيّة ليست جهازاً سرّيّاً واحداً أو جهةً بعينها، بل هي منظومة مصالح متشابكة نجحت عبر عقودٍ في اختراق المؤسّسات، وتعطيل المساءلة، وإفراغ القوانين من مضمونها، وتحويل الإدارة العامّة إلى مساحة نفوذٍ وتقاسمٍ ومحاصصة. إنّ تفكيك هذه المنظومة يتطلّب مساراً إصلاحيّاً واسعاً يبدأ بإعادة تعريف وظيفة المؤسّسات الدستوريّة نفسها والإدارة العامّة لا يمكن أن تبقى أسيرة التوازنات الزبائنيّة، بل يجب أن تعود مؤسّسةً مهنيّة قائمة على الكفاءة والمساءلة والإنتاجيّة. كما أنّ الأجهزة العسكريّة والأمنيّة مطالبة باستكمال مسار التحديث والتوحيد المؤسّسي بحيث تصبح المرجعيّة الوحيدة للأمن الوطني ضمن إطار الدُّستور والقانون. ينطبق الأمر نفسه على السُّلطة القضائيّة التي تبقى حجر الزّاوية في أيّ مشروعٍ إصلاحي. لا دولة من دون قضاءٍ مستقلّ، ولا سيادة من دون عدالة، ولا ثقة من دون محاسبة. إنّ استقلال القضاء لم يعد مطلباً نخبويّاً أو إصلاحيّاً جزئيّاً، بل أصبح شرطاً وجوديّاً لإعادة بناء الثّقة بين المواطن والدَّولة.

 

مع ذلك، فإنّ كلّ هذه العناوين، على أهمّيّتها، تبقى رهينة المدخل السّياسي الأوّل، الانتخابات النيابيّة. فالإصلاح الإداري يحتاج إلى أكثريةٍ سياسيّة داعمة. واستقلال القضاء يحتاج إلى إرادةٍ تشريعيّة حقيقيّة. وإعادة هيكلة المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة تحتاج إلى قرارٍ وطنيّ واضح. أمّا إنتاج هذه الإرادة والقرارات فلا يتمّ إلّا عبر سلطةٍ تمثيليّة جديدة تعبّر عن التّحوّلات الفعليّة داخل المجتمع، وفي تقاطعٍ مع الجيو-سياسيّ الميتجدّ. لذلك فإنّ المعركة الأساسيّة في المرحلة المقبلة ليست معركة المقاعد النيابيّة بحدّ ذاتها، بل معركة إعادة تشكيل الحياة السّياسيّة على أسسٍ مختلفة. هي معركة تتطلّب من القوى السّياديّة والإصلاحيّة والمدنيّة أن تنتقل من موقع الاعتراض إلى موقع بناء البديل، ومن منطق التّشخيص إلى منطق إنتاج الحلول، ومن التشتّت إلى التّكامل، فاللّحظات التّأسيسيّة لا تُصنع بالانتظار، بل بالفعل السّياسي المنظَّم. التّاريخ لا يمنح الفرص مرّتين بسهولة. ولبنان يقف اليوم أمام نافذةٍ نادرة قد تسمح بإعادة إطلاق مشروع الدَّولة بعد عقودٍ من التراجع والتفكّك. لكنّ اغتنام هذه الفرصة يقتضي وضوحاً في الرُّؤية، وشجاعةً في القرار، والتزاماً لا يتزعزع بمقتضيات الدُّستور والسّيادة والمؤسّسات.

 

إنّ المطلوب ليس إعادة إنتاج الدَّولة، بل تقويض ما عطّلها. وليس هدم المؤسّسات، بل إزالة ما تراكم فوقها من شوائب ومصالح واحتكارات. وليس استبدال احتكارٍ بآخر، بل إعادة الاعتبار إلى الشّرعيّة الدُّستوريّة بوصفها المرجعيّة الوحيدة للجميع.لهذا السّبب يصبح التّقويض موجِباً عندما يستهدف أسباب الانهيار، ويصبح البناء أَوجَب عندما يؤسّس لدولةٍ تحتكر القرار والسِّلاح والعدالة والتمثيل. وبين التّقويض والبناء تقف الانتخابات النيابيّة المقبلة كأهمّ استحقاقٍ وطني منذ سنوات طويلة، لأنّها ليست مجرّد موعدٍ دستوري، بل فرصةٌ لإعادة كتابة الاتّجاه العام للجمهوريّة.

هناك يبدأ التّغيير. وهناك فقط يمكن أن يبدأ لبنان رحلة الخروج من دولة الأمر الواقع إلى دولة الدُّستور.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث