في العادة تُقاس الحروب بما تغيّره على الجبهات وبما تغيّره في الخرائط السياسية التي تليها في محيط من الأقرب إلى الأبعد. ومن هذه الزاوية، يبدو أن جانباً مهماً من التصعيد التركي تجاه إسرائيل لا يرتبط فقط بما يجري في غزة أو لبنان أو سوريا، بل بالصراع المتصاعد على شكل الشرق الأوسط الذي سيولد من تحت أنقاض الحرب الحالية.
الورقة الكردية وما بعدها
خلال لقاء جمعني أخيراً بمسؤول تركي، كان لافتاً أن الرجل لم يبدأ حديثه من غزة ولا من لبنان، بل من المسألة الكردية. فقد تحدث بإسهاب عن قناعة متزايدة داخل دوائر القرار التركية بأن حكومة بنيامين نتنياهو تسعى إلى استخدام مختلف الأدوات المتاحة لها لتوظيف الورقة الكردية في سوريا وتركيا، كما حاولت ان تفعل في إيران قبل الحرب وخلالها أيضًا، بما يساهم في إرباك تلك البلاد وإشغالها بتحديات داخلية طويلة الأمد.
وبحسب المسؤول نفسه، فإن أنقرة تعتقد أنها نجحت خلال الفترة الماضية في الحد من هذا الخطر عبر مجموعة من الخطوات المتزامنة، من بينها تعزيز التفاهمات مع أربيل والسليمانية، والتقدم في التفاهمات المرتبطة بعبد الله أوجلان، وإطلاق سراح عدد من الناشطين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني، وكذلك تطور الموقف الكردي من الحكم الجديد في سوريا وتطور موقف الحكم الجديد من الأكراد. ويعتبر الأتراك أن هذه المقاربة ساهمت في إغلاق بعض الثغرات التي كان يمكن استغلالها خارجياً، لكنها لم تُنهِ المخاوف بالكامل. فالرجل كان واضحاً في قوله إن تركيا لا تستطيع أن تغفل عمّا يمكن أن تقوم به إسرائيل في أي لحظة.
غير أن ما استوقفني في حديثه لم يكن فقط الحديث عن الأكراد، بل ما بدا أنه رؤية أوسع لطبيعة الصراع الجاري في المنطقة. فبالنسبة إلى أنقرة، لا يتعلق الأمر بمجرد خلافات حول ملفات محددة، بل بمحاولة إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بتركيا. ولذلك لا تنظر المؤسسة التركية إلى ما يجري في سوريا ولبنان والعراق بوصفه أزمات منفصلة، بل باعتباره أجزاءً من عملية أوسع لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
من هنا يصبح ممكناً فهم جانب من التصعيد الذي يعتمده الرئيس رجب طيب أردوغان في خطابه تجاه إسرائيل. فالمسألة لا تتعلق فقط بغزة أو بالتضامن مع الفلسطينيين، على أهميتهما، بل أيضاً باعتبارات تتصل مباشرة بالأمن القومي التركي وبالتوازنات التي تتشكل على حدود تركيا الجنوبية.
لكن العامل الخارجي ليس وحده ما يفسر هذا التشدد. فتركيا نفسها تمر بمرحلة سياسية داخلية معقدة. فالمواجهة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم والمعارضة، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري، ازدادت حدة خلال الأشهر الأخيرة، وسط سجالات سياسية، وقضائية، وأمنية، واسعة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الملف الخارجي جزءاً من النقاش الداخلي، وتتحول قضايا الأمن القومي إلى عنصر أساسي في إعادة ترتيب الأولويات السياسية وتوحيد القواعد الشعبية حول قضايا جامعة. ومع ذلك، فإن اختزال التصعيد التركي في الاعتبارات الداخلية وحدها سيكون تبسيطاً للمشهد. فخطابات أردوغان الأخيرة توحي بأن أنقرة باتت تنظر إلى إسرائيل بوصفها منافساً استراتيجياً، لا مجرد دولة تختلف معها حول ملف أو أزمة.
وعندما يقول الرئيس التركي إن أمن بلاده لا يبدأ من حدودها الجنوبية، بل من حلب ودمشق وبيروت، فهو لا يطلق شعاراً سياسياً عابراً، بل يرسّخ قواعد جديدة للأمن القومي التركي. فهذه المدن، في نظر أنقرة، لم تعد مجرد عواصم لدول مجاورة، بل ساحات سترسم نتائج الصراع فيها توازنات المنطقة لعقود مقبلة.
المقاربة المصرية
وفي لقاء آخر، كان لافتاً ما قاله مسؤول مصري عن تبلور تعاون متزايد بين أربع دول هي مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان. لم يتحدث الرجل عن محور جديد أو تحالف عسكري بالمعنى التقليدي، بل عن مجموعة دول ترى أن استقرار المنطقة يتطلب قدراً أكبر من التوازن في مقاربة الولايات المتحدة لملفات الشرق الأوسط.
وبحسب هذا المسؤول، فإن هذه الدول لا تسعى إلى مواجهة إسرائيل، كما أنها لا تريد الدخول في صدام مع الولايات المتحدة، لكنها في المقابل لا ترغب في أن تُختزل المصالح الأميركية في المنطقة بالمصالح الإسرائيلية وحدها. الهدف، كما قال، ليس المواجهة، بل الموازنة.
هذه المقاربة تتقاطع إلى حد بعيد مع ما كتبه تسفي برئيل في صحيفة هآرتس الإسرائيلية. فبرئيل يرى أن تركيا تحاول استثمار التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية بعد سلسلة من الحروب والأزمات. ومن هذا المنطلق تعمل أنقرة على الترويج لفكرة ما يسميه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان "السيادة الإقليمية على الأمن"، أي أن تتحمل دول المنطقة نفسها مسؤولية أكبر في إدارة أمنها الجماعي بدلاً من الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة.
وفي الواقع، قد يكون هذا هو جوهر المسألة. فبالنسبة إلى أنقرة، لا يتعلق الأمر فقط بمواجهة النفوذ الإسرائيلي، بل بمنع ولادة نظام إقليمي تكون إسرائيل مركزه الوحيد. فتركيا ترى أن ما يجري اليوم في سوريا ولبنان والعراق، وما جرى في إيران خلال الأشهر الماضية، حلقات مترابطة في عملية إعادة تشكيل واسعة للشرق الأوسط.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم القلق التركي من المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، ومن أي مسارات تفاوضية محتملة بين سوريا وإسرائيل في المستقبل. فأنقرة تخشى أن تؤدي هذه الترتيبات إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق بطريقة تتجاهل المصالح التركية والسورية معاً، أو تفرض وقائع جديدة يصعب تعديلها لاحقاً.
مشروعان لمستقبل الشرق الأوسط
لكن ما يجري يتجاوز لبنان وسوريا معاً. فخلف السجالات اليومية والتصريحات الحادة، تبدو المنطقة أمام رؤيتين مختلفتين لمستقبلها.
من جهة، هناك مقاربة تسعى إلى بناء توازن إقليمي أوسع تشارك فيه القوى الإقليمية الرئيسية، بحيث لا تحتكر دولة واحدة أو تحالف واحد عملية صناعة القرار. ومن جهة أخرى، هناك مقاربة تقوم على التفوق العسكري وفرض الوقائع الجديدة باعتبارهما المدخل الرئيسي إلى الأمن والاستقرار.
وهنا تكتسب ملاحظات المسؤول المصري أهمية إضافية. فالدول الأربع التي تحدث عنها، على اختلاف مواقعها وحساباتها، تشترك في نقطة أساسية: جميعها حليفة للولايات المتحدة بدرجات متفاوتة، لكنها لا تريد أن يكون مستقبل المنطقة مرهوناً برؤية إسرائيل وحدها أو بمصالحها وحدها.
ومن زاوية لبنانية، يحمل هذا التحول دلالة مهمة. فحين يضع أردوغان بيروت ضمن تعريفه للأمن القومي التركي، فهو لا يقدم للبنان ضمانات سياسية أو أمنية، لكنه يبعث بإشارة مختلفة: لبنان لم يعد مجرد ساحة هامشية في الحسابات الإقليمية. فالتوازنات التي يجري رسمها اليوم في سوريا ولبنان والعراق باتت جزءاً من رؤية أوسع تتبناها قوى إقليمية عدة لمستقبل المنطقة.
التوجه السعودي
ولعل أفضل تعبير عن هذا التحول ما قالته مسؤولة سعودية خلال نقاش تناول مستقبل المنطقة، حين اعتبرت أن التجارب التي مرت بها المنطقة خلال العقود الماضية أثبتت أن جميع محاولات الهيمنة باءت بالفشل، وأن كلفتها على شعوب الشرق الأوسط كافة كانت باهظة سياسياً واقتصادياً وإنسانياً.
وبحسب هذه المقاربة، فإن استقرار المنطقة واستدامة السلام والأمن فيها لا يمكن أن يقوما على المغالبة أو فرض الإرادات بالقوة، بل على مفهوم للأمن الجماعي يقوم على المشاركة والتوازن واحترام سيادة الدول ومؤسساتها الشرعية، وتحجيم دور أي قوى تعمل خارج إطارها، وإنهاء الاحتلال بجميع أشكاله.
ومن هذا المنطلق أيضاً، ترى هذه الدول أن نجاح أي مسار سلام حقيقي لا يمر إلا عبر تجسيد الدولة الفلسطينية وتلبية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. فذلك لا يشكل فقط مدخلاً لإنهاء أحد أقدم الصراعات في المنطقة، بل يفتح الباب أمام اندماج إقليمي طبيعي ومستدام لجميع دولها.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم نقاط التباين في الشرق الأوسط اليوم. فبينما تسعى قوى إقليمية عدة إلى بناء منظومة أمن تعاونية تقوم على الشراكة وتوازن المصالح، لا تزال إسرائيل، في نظر كثيرين في المنطقة، تتحرك انطلاقاً من مقاربة مختلفة تقوم على التفوق العسكري وفرض الوقائع بالقوة والسعي إلى ضمان أمنها عبر الهيمنة أكثر مما عبر الاندماج.
ولهذا قد يكون من الخطأ النظر إلى السجال التركي الإسرائيلي باعتباره مجرد خلاف سياسي عابر. فخلف التصريحات والمواقف اليومية يدور نقاش أعمق حول طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد هذه الحروب: هل سيكون نظاماً قائماً على التوازن والتعاون واحترام سيادة الدول، أم نظاماً يقوم على التفوق، وفرض الإرادات، وموازين القوة، وحدها؟
فالمسألة لم تعد مجرد خلاف بين أنقرة وتل أبيب، بل خلاف بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل الشرق الأوسط الذي يولد اليوم من تحت أنقاض الحرب.




