معادلة الضاحية: تعطيلٌ لاتفاق طهران أم رفع سقوف قبل التوقيع؟

مانشيت - المدنالأحد 2026/06/14
Image-1781447307.Jpg
شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة على منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية(الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

عاشت الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية في الساعات الماضية تحولاً ميدانياً بارزاً أعاد إلى الواجهة معادلات النيران بين المستوطنات والعمق اللبناني، في توقيت يكتسب دلالات سياسية فائقة الحساسية. ففيما تتجه الأنظار دولياً وإقليمياً نحو إمكان إعلان تفاهم أو اتفاق سياسي بين الولايات المتحدة وإيران، فرض الميدان إيقاعه السريع، مهدداً بإعادة خلط الأوراق وإدخال المسار الدبلوماسي في مرحلة من التجميد المؤقت.


بدأ المشهد الميداني منذ ساعات الصباح الأولى مع مبادرة "حزب الله" إلى توجيه عدد من الطائرات المسيّرة نحو شمال إسرائيل، حيث أدى سقوط إحداها إلى اندلاع حريق في مستوطنة "شلومي". وأعقب هذا التطور تفاعلاً سياسياً إسرائيلياً فورياً. إذ تعالت أصوات داخل الحكومة الإسرائيلية، وتحديداً من جانب وزيري اليمين المتطرف بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، للمطالبة برد فوري يستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت.


ولم تتأخر الترجمة الميدانية لهذه الضغوط، إذ شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة جوية استهدفت الضاحية الجنوبية، أعلن الجيش الإسرائيلي على إثرها أنه استهدف قيادياً بارزاً في الحزب. وتكمن خطورة هذا التطور في كونه يعيد تفعيل "معادلة المستوطنات مقابل الضاحية" في توقيت استثنائي، مكملاً للضغط العسكري البري والناري المستمر على محاور النبطية وصور. ويأتي هذا التوسع الميداني المستجد إلى العمق ليتطابق مع مناخات من التوجس تحيط بالمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.


ويمكن هنا رصد مستويين من القلق تجاه التفاهم المنتظر: الأول هو القلق الإسرائيلي، إذ تتخوف تل أبيب من أن يؤدي أي اتفاق أميركي-إيراني إلى فرض قيود على عملياتها العسكرية "العميقة" في لبنان، أو إلزامها بوقف التقدم البري قبل أن تحصّل كامل شروطها الأمنية على الأرض. والثاني هو القلق الإيراني الداخلي، حيث تعيش بعض الأوساط حالة ترقب حذر، ممزوجاً بخشية من طبيعة "التنازلات" السياسية أو الإقليمية التي قد تُطلب من إيران لضمان تمرير هذا الاتفاق وإنجاحه.


أمام هذا التقاطع الحرج، يرى مراقبون أن عودة "معادلة المستوطنات - الضاحية" قد تتحول إلى عامل "كبح" سياسي وميداني يساهم في تجميد مسار التفاهم الأميركي-الإيراني المحتمل.


فمن الناحية السياسية، يؤدي هذا التصعيد الفوري إلى رص صفوف القوى المعترضة أو المتخوفة من الاتفاق في كلا الجانبين، إذ يمنح الطرف الإسرائيلي الذريعة لتأكيد أن التهديد العسكري لا يزال قائماً ومستمراً، وبالمثل، يعزز لدى الأوساط القلقة في طهران فكرة عدم نضوج الظروف الإقليمية لتقديم التزامات نهائية. ومع ذلك، تظل التساؤلات مفتوحة حول ما إذا كان هذا التصعيد سيؤدي إلى تجميد كامل ومستدام للتفاهم الإقليمي-الدولي، أم أنه يمثل "ربع الساعة الأخير" من رفع سقوف التفاوض بالنار لتحسين الشروط قبيل التوقيع؟ وفي أي حال، يثبت الميدان الجنوبي والعمق اللبناني مجدداً أنهما ليسا معزولين عن الديناميكيات الإقليمية الكبرى.

 

الضاحية مقابل المستوطنات

لم تلبث التهديدات الإسرائيلية أن تحولت إلى فعل ميداني. فبعد ساعات قليلة على دعوات سموتريتش وبن غفير لتطبيق "معادلة الضاحية"، شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة على منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت. وادعت إسرائيل أن المستهدف هو مسؤول منظومة الاتصالات في "حزب الله"، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استهداف قائد وحدة الاتصالات في الحزب. وأسفرت الغارة عن سقوط ثلاثة شهداء وخمسة عشر جريحاً، فضلاً عن أضرار واسعة في الأبنية والمحال التجارية المحيطة.

 

وجاءت الغارة بعد ساعات من إعلان الجيش الإسرائيلي سقوط عدد من المسيّرات التي أطلقها "حزب الله" داخل الأراضي الإسرائيلية، إحداها تسببت بحريق في مستوطنة شلومي، فيما دوت صفارات الإنذار في مناطق الجليل الغربي ورأس الناقورة. وسارع نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس إلى إصدار بيان مشترك أكدا فيه أن إسرائيل "لن تتسامح مع إطلاق النار على أراضيها"، معتبرين أن استهداف الضاحية جاء رداً مباشراً على ما وصفاه بانتهاك وقف إطلاق النار.

 

زامير: لبنان مركز الثقل

لكن الرسائل الإسرائيلية لم تقتصر على الرد العسكري. فقد رسم رئيس الأركان إيال زامير صورة أوضح للأهداف الإسرائيلية من استمرار العمليات في لبنان، معلناً خلال اجتماع في قيادة المنطقة الشمالية أن لبنان يشكل "مركز الثقل الرئيسي" للجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة. وأضاف أن كل إنجاز عملياتي إضافي سيؤدي إلى مزيد من التآكل والتفكك في الجبهة الجنوبية لـ"حزب الله"، وإلى تحسين الترتيبات الأمنية التي يجري البحث فيها ضمن المفاوضات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل.

وتكشف هذه التصريحات أن تل أبيب لا تفصل بين العمل العسكري والمسار التفاوضي، بل تنظر إلى العمليات الميدانية باعتبارها أداة لتحسين شروطها السياسية والأمنية على طاولة المفاوضات، سواء في ما يتعلق بمستقبل الجنوب أو بترتيبات ما بعد الحرب.

 

جنوب مشتعل

ميدانياً، توسعت رقعة الغارات الإسرائيلية لتشمل شوكين، كفردونين، دير الزهراني، مجدل سلم، فرون، الريحان، كوثرية السياد، النبطية الفوقا، سجد والحوش، إلى جانب قصف طال مناطق عدة في صور والنبطية ومرجعيون. كما سبقت الغارات موجة إنذارات إسرائيلية شملت عشرات البلدات الجنوبية، ما أدى إلى حركة نزوح كثيفة باتجاه صيدا وبيروت.

 

في المقابل، أعلن "حزب الله" تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في العديسة والقنطرة ويحمر الشقيف ومجدل زون وحولا، مستخدماً الصواريخ الثقيلة والمسيّرات الانقضاضية. كما أعلن التصدي لمسيّرات إسرائيلية من نوع "هرمز 450" في أجواء صيدا وإقليم التفاح وإجبارها على التراجع.

 

الاتفاق تحت النار

وجاء التصعيد في لحظة حساسة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية. فبالتزامن مع الغارة على الضاحية، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الاتفاق مع الولايات المتحدة لن يُوقّع اليوم، فيما اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الهجوم على الضاحية يثبت أن واشنطن إما لا تملك الإرادة أو القدرة على الوفاء بالتزاماتها. كما شدد مسؤولون إيرانيون على أن الاعتداءات على لبنان لن تمر من دون رد، وأن أي اتفاق لا يسبقه كبح إسرائيل قد يكون معرضاً للاهتزاز فور توقيعه.

 

في المقابل، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أبلغ الإدارة الأميركية قبل وقت قصير من تنفيذ غارة الضاحية، فيما نقلت عن مسؤولين إسرائيليين أنهم طلبوا من واشنطن عدم تقييد حرية العمل العسكري الإسرائيلي في لبنان حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع إيران. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن ضغوط قطرية وباكستانية لمنع انزلاق المنطقة إلى جولة قتال أوسع قد تؤدي إلى نسف التوقيع على الإتفاق.

 

وسط هذه المعطيات، تبدو الجبهة اللبنانية أكثر من مجرد ساحة مواجهة حدودية. فالتطورات الأخيرة تظهر أن لبنان تحول مجدداً إلى إحدى ساحات التأثير المباشر على مسار التفاهم الأميركي – الإيراني. وكلما اقتربت الأطراف من لحظة الحسم، ارتفع منسوب النار على الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث