في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة النزاع في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تدور في المكاتب المغلقة في واشنطن العاصمة نقاشات مستفيضة مختلفة عن تلك النقاشات التي دارت حول الصلاحيات الدستورية، أو شرعية استخدام القوة ضد إيران. ففي أروقة القرار الأميركي، وبين ممرات البيت الأبيض، وردهات الكابيتول هيل، تطرح أسئلة مقلقة للجميع وهي كيف ستنتهي المواجهة مع إيران؟ وإلى ماذا ستنتهي؟ وما شكل الترتيبات الأمنية الناجمة عنها؟ فالنقاش تجاوز فكرة البحث عن قانونية الحرب نفسها ليصل إلى شروط نهايتها وحدود استمرارها، وكأن القوة التي أطلقت من عقالها باتت بحاجة اليوم إلى من يكبح جماحها ويعيد توجيهها.
والمواجهة الحاصلة داخل الكونغرس لم تعد تقف عند الحسابات الانتخابية للإدارة الأميركية الحالية بل امتدت لتصل إلى طاولة المفاوضات المتذبذبة بين واشنطن وطهران، وإلى المسارات الجيوسياسية التي تجري هندستها في الشرق الأوسط ومن ضمنها الملف اللبناني-الإسرائيلي المعقد.
أروقة القرار الأميركي
في الأسابيع الأولى للمواجهة الأميركية الإيرانية اعتقدت إدارة الرئيس ترامب أن لديها تفويضاً مطلقاً وإجماعاً سياسياً مرتاحة عليه، وأن الحسم العسكري والضغط المتواصل هما الشكلان المتاحان والمفضلان لإعادة رسم خريطة النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. وبدا لها أيضاً أن منطق القوة وحده هو القادر على فرض الشروط وإخضاع الخصوم دون تكلفة سياسية تذكر. لكن تلك الإدارة وجدت نفسها بعد أشهر أربعة من اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية أمام مواجهة مباشرة مع الكونغرس، وأمام قيود سياسية واقتصادية تتزايد يوماً بعد يوم، فلم تعد نشوة الفخر والانتصار هي السائدة، بل كلفة الاستمرار واستراتيجية الخروج من الحرب هي المحدد لهذا التحول البنيوي والجموح المتصاعد، وحلول المسار الديبلوماسي كممر إجباري لا خيار لها سواه تلجأ إليه.
هذا التحول جاء متزامناً مع الاعتراضات المتزايدة داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خصوصاً مع انضمام عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين البارزين إلى الديمقراطيين في الدعوة لتقييد صلاحيات الحرب. فارتفاع كلفة المواجهة العسكرية وتأثيراتها المباشرة على أسعار الطاقة العالمية، والاقتصاد الأميركي الذي يعاني أساساً من ارتفاع نسب التضخم، جعلا الحرب تتحول تدريجياً إلى عبء سياسي وانتخابي. إضافة إلى الترابط الطردي بين ارتفاع سعر برميل النفط وزيادة الأسعار ومزاج الناخب الأميركي، وهذا ما يفسر البلبلة داخل الحزب الجمهوري، لا سيما مع دنو موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فتحولت الحرب وزمنها الطويل نسبياً إلى عبء سياسي انتخابي يحسب له حساب، خوفاً من العقاب الذي قد يتعرض له الجمهوريون في صناديق الاقتراع. وهذا ما دفع إدارة ترامب نحو المزاوجة بين الضغط العسكري المحدود ومواصلة العقوبات الاقتصادية وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مباشرة أو مواربة، أملاً في الوصول إلى تسوية.
الاستراتيجية التفاوضية لطهران
يراقب المسؤولون الإيرانيون ما يجري بين البيت الأبيض والكونغرس بعيون فاحصة وقراءة دقيقة، فما يحصل بالنسبة لهم ليس شأناً أميركياً داخلياً، إنما هو عنصر أساسي يرسمون من خلاله استراتيجيتهم التفاوضية مع الولايات المتحدة. كما يعزز فرضيتهم القائلة بأن الضغط الواقع من الكونغرس على الإدارة الأميركية وميزان الحسابات الاقتصادية الداخلية الأميركية يمكن أن يؤمنا لهم صفقة مربحة يخرجون بها من الحرب منتصرين (من وجهة نظرهم). وأما بالنسبة للرئيس ترامب وإدارته فهذا يعني الإسراع في عقد صفقة سريعة مع الإيرانيين يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي على أنها نصر أيضاً، والتفرغ بعدها للانتخابات النصفية. وهذا لا يعني أن الإدارة الأميركية فقدت أوراق قوتها كاملة، أو أن ترسانتها العسكرية لم تعد مخيفة، لكنه في الوقت عينه ينزع عنها الهيمنة المطلقة التي ظهرت في الأيام الأولى للحرب.
من هنا ليس غريباً أن نرى طهران ترفع من سقف مطالبها وشروطها، متمسكة برفع العقوبات الشاملة والإفراج عن أصولها المجمدة خارجياً، والاعتراف بنفوذها الإقليمي كشريك أساسي في إدارة منطقة الشرق الأوسط، وعلى الضد يجهد البيت الأبيض للظهور بمظهر الرابح وغير المستسلم لضغوط الكونغرس والديمقراطيين، وهو ما يفسر المفارقة بين لغة التصعيد والتشنج في العلن، والنشاط الديبلوماسي المكثف في الكواليس ومن وراء الستائر.
البازار الإقليمي والساحة
وفي خضم هذا الكباش الإقليمي والدولي، اكتسبت الساحة اللبنانية أهمية متزايدة، فلم تعد مجرد ملف حدودي أو قضية أمنية معزولة مرتبطة بالقرارات الدولية السابقة، بل تحولت إلى ورقة تفاوضية أساسية في هذا البازار الإقليمي. فطهران من خلال إدارتها للمواجهة لم تعد تنظر إلى الملفات الإقليمية كل على حدة، أو بصفتها ساحات منفصلة عن بعضها بعضاً، أو أوراق يمكن التضحية بواحدة منها، بل تتعامل معها كجزء من كل متكامل، وضمن بنية تفاوضية موحدة وشبكة مترابطة تحركها ضمن رؤية استراتيجية لتعزيز موقفها التفاوضي. وهذا الترابط البنيوي يعني عملياً أن أي تقدم أو تعثر في المفاوضات ينعكس سريعاً على الأرض، إما هدوءاً أو قرعاً لطبول الحرب.
وهذا الربط المحكم بين الملفات وضع لبنان أمام اتجاهين متعاكسين، محكومين بحركة التنازع والضغوط الداخلية في واشنطن. فالاتجاه الأول يضغط نحو التهدئة واحتواء ما يحصل، وتكثيف الجهود الديبلوماسية لمنع توسع رقعة الانفجار وحصر النيران في مناطق محددة، تجنباً لتدخل مباشر مرفوض من الكونغرس. والاتجاه الثاني يسعى لفرض وقائع ميدانية جديدة، وهذا ما تقوم به إسرائيل، مستغلة هذه المرحلة الانتقالية والضغوط التي تكبل البيت الأبيض، لتحقيق مكاسب استراتيجية مستبقة مرحلة التفاهم الشامل والمحتمل بين واشنطن وطهران، الذي قد يفرض عليها قيوداً لا تتلاءم وسياساتها الحالية. وبالتالي الاستقرار اللبناني وتحديداً في الجنوب بات مرتبطاً ومعلقاً بشكل وثيق بالتفاهمات الإقليمية الكبرى.
لعل الإجابة عن الأسئلة التي انطلقت منها النقاشات في المكاتب المغلقة في واشنطن وكيف سينتهي هذا الصراع وإلى ماذا سينتهي؟ وما شكل الترتيبات الأمنية التي ستنتج عنه؟ بدأت تتضح تدريجياً. فالحرب التي انطلقت عبر التفوق العسكري لإعادة رسم موازين القوة تحولت مع الوقت إلى عملية تفاوض تتحكم بها الحسابات السياسية والاقتصادية والوقائع الميدانية، ولم يعد مستقبل المواجهة مرهوناً بما يجري بين واشنطن وطهران مباشرة، بل أيضاً بقدرة الإدارة الأميركية على مواجهة الضغوط الداخلية سواء أتت من الكونغرس أو من الرأي العام الأميركي.
وتبدو الترتيبات الأمنية التي قد تنتهي إليها هذه الأزمة شبيهة بتسوية إقليمية أكثر منها إلى انتصار حاسم لطرف على آخر. أما لبنان الذي أصبح جزءاً من الملف الإقليمي فسيكون مرآة لما سترسو عليه تلك التسوية، وإن هدوء جبهته الجنوبية أو اشتعالها لن يكون منفصلا عنها (التسوية). والنقاش الذي يدور في الكونغرس الأميركي لا يتعلق بحدود صلاحيات الحرب أو كلفتها السياسية والاقتصادية، بل يصل إلى تحديد ما يبدو عليه الشرق الأوسط بعد التسوية، وصياغة ملامح التوازنات الجديدة وما إذا سيكون أمام جولة أخرى من الصراع الذي لم تحسم شروط نهايته بعد.




