لم يتأخر ملف "الجوازات المُزورة" في التحول إلى مادة دسمة للاستثمار السياسي والتقاذف الإعلامي بين المحاور المحلية. غير أن الصخب الذي يرافق هذا الملف الحساس في الصالونات السياسية وعلى الشاشات، يقابله إيقاع مغاير تمامًا خلف جدران قصر العدل. فبين التهويل بـ"موجة استدعاءات" تطال رؤوسًا أمنية رفيعة، وبين السعي الموازي لـ"طمس" القضية، يخطّ القضاء التمييزي مسارًا يصفه العارفون بـ"الحذر والرّصين"، بعيدًا عن الاستعراض الأمني، بانتظار اكتمال المكعبات التقنيّة للصورة.
التريث القضائي واستراتيجية "البيانات"
في السياق، كشف مصدر قضائي لـ"المدن" أن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، لم يستدع حتى الساعة أيًا من المدير العام الأسبق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، أو المدير العام السابق بالإنابة اللواء إلياس البيسري، للاستماع إليهما في هذا الملف.
تأتي هذه المعلومة لتضع حدًا للشائعات والتسريبات التي تحدّثت عن إجراءات فورية بحق القيادتين الأمنيتين السّابقتين للأمن العام. وتؤكد أن النيابة العامة التمييزية تفضّل مقاربة الملف من بوابته التقنية والمستندية أولاً، قبل الانتقال إلى مرحلة تحديد المسؤوليات الإدارية أو القيادية.
وبحسب المصدر نفسه، فإن النائب العام التمييزي الحاج سطر استنابة قضائية وجهها قبل أيام إلى المديرية العامة للأمن العام، طلب فيها رسميًا تزويده ببيانات مفصّلة، وأرقام متسلسلة، وسجلات دقيقة تتعلق بحركة إصدار الجوازات وتعديل البيانات المخزنة. وتهدف هذه الاستنابة إلى بناء "قاعدة بيانات جنائية" تتيح للقضاء التوسع في التحقيقات استنادًا إلى وقائع رقمية ومستندية لا تقبل التأويل، بعيدًا عن الروايات الشفهية أو التقديرات السياسية.
"ميكروسكوب التحقيق": المسح الشامل لـ"2020"
لن يبدأ التحقيق المفتوح اليوم من "الصفر". إذ ينطلق من نقطة انتهاء المحاكمات العسكرية السابقة التي أدانت ثلاثة عسكريين في الأمن العام بتهمة التزوير وتسهيل المعاملات غير القانونية. غير أن السؤال الذي يحاول التمييز الإجابة عنه هو: هل كان هؤلاء العسكريون مجرد "حلقة أخيرة" في شبكة معقدة، أم أن الأمر اقتصر على مبادرات فردية بدافع الكسب المالي؟
للإجابة عن ذلك، يوضح المصدر القضائي لـ"المدن" أن التدقيق والتحقيق سيركزان بشكل أساسي ومكثّف على الجوازات الصادرة بين عامي 2020 و2022. هذه الفترة بالتحديد تشكل "ميكروسكوب" البحث القضائي، نظرًا لتقاطعها مع ذروة الأزمة الاقتصادية، وشح المواد التي رافقت إصدار الجوازات، وما رافقها من "استثناءات" أو ثغرات إدارية قد تكون الشبكات التخريبية أو السماسرة قد نفذوامن خلالها.
يهدف القضاء من خلال هذا المسح الشامل إلى أمرين أساسيين:
الأمر الأول: تحديد العدد الفعلي والنهائي للجوازات التي صدرت في بيانات مزورة أو هويات منتحلة، لمعرفة حجم الخرق بدقة.
الثاني: التوسع الأفقي والعمودي في التحقيق لتحديد المسؤوليات الإدارية، العسكرية، والسياسية، ومعرفة ما إذا كان هناك "أمر أكبر" يشي بتواطؤ منظم، أم أن المسألة بقيت في حدود الثغرات المحدودة التي تمت معاقبة مرتكبيها المباشرين.
الاستدعاءات المؤجلة: رهن الصورة الكاملة
هذه المنهجية القضائية تعني، وفق ما يقول المصدر لـ"المدن" أن خطوة استدعاء اللواءين إبراهيم والبيسري، أو أحدهما، ليست مستبعدة من حيث المبدأ. فالقاضي أحمد رامي الحاج لن يتخذ قرار الاستماع إلى القيادات الأمنية العليا إلا بعد "اكتمال الصورة" بشكل كامل أمامه، ونضوج المعطيات التي ستحملها الإجابات عن الاستنابة الموجّهة للأمن العام. بعدها سيُقرّر القاضي الحاج الخطوة التالية وحجم الاستدعاءات ومستواها. وفي الوقت عينه تعتبر المصادر أنّ الاستماع إلى اللواءين ضروري لاستكمال التحقيقات وبناء الصورة الكاملة للملف الذي شغل الرأي العام اللبناني وتحول إلى مادة سياسية وإعلامية.
يبدو أن القضاء اللبناني، ومن خلال هذه المقاربة الصامتة، يسعى إلى تحقيق غاية مزدوجة: حماية الأمن القومي اللبناني وجواز السفر الذي يترنّح أساسًا أمام شروط "الفيزا" الدولية. وفي الوقت عينه، إغلاق هذا الملف قانونيًا بالكامل وبأعلى درجات الشفافية العلمية، لقطع الطريق على محاولات استثماره وتوظيفه في البازار السياسي الداخلي أو الإقليمي. فالملف، بحجم خطورته، لا يحتمل التحول إلى "قميص عثمان" في معارك تصفية الحسابات السياسية، بل يتطلب تشريحًا جنائيًا يقف عند حدود النص القانوني وصيانة أمن الدولة.




