انخرطت المعارضة اللبنانية السابقة، في سياسة إدارة النظام اللبناني للاعتراضات عليه، تلك التي تنتمي إليه من داخله، وتلك التي تناوشه من سياق العناوين الكبرى التي تقود سياساته. المعارضة اللبنانية السابقة، حَمَلَتْ اسم الوطنية، فجمعت بين صفوفها حركات وأحزاب وتنظيمات، لم تكن كلها ذات مرجعية "إيديولوجية" وسياسية واحدة، لكنها استطاعت، وفي حقبات لبنانية عديدة، مخاطبة النظام الطائفي اللبناني، من موقع اليسار والوسط واليمين ذي "النكهة" الإصلاحية. كان ذلك في السابق، وصار الآن من الماضي الذي يرجع إليه من بَقيّ على قيد "الحياة" السياسية، مدفوعاً بالحنين، أو بالحسرة على زمن ولّى إلى غير رجعة.
معارضة واحدة
كثرت مداخلات المعترضين اليوم، عن طريق ثالث وعن خط بديل، لكنّها لدى معاينتها أفصحت عن كونها مداخلة واحدة في باب قطعها مع تحديد ثوابت اعتراضها، وفي باب اللجوء إلى كلمة "الدولة" ككلمة منقذة، من دون بذل الجهد اللازم في الشرح الخاص الذي يقتضيه مصطلح الإنقاذ الدولتي، ومن دون الوقوف، ولو سريعاً، أمام واقع الدولة التي تدعو المعارضات إلى التمسك بحبل نجاتها.
المعارضة لها رقم واحد: هي الأولى الواحدة، في مواجهة النظام الواحد، وهي الواحدة المتعدّدة الأصوات، في مواجهة فروع الطائفيات والمذهبيّات المجتمعة في نظام واحد، يرعى توازناتها بدقّة، ويدير خلافاتها بإتقان، ويصون تماسكها ثقافيّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً، وسيادةً واستقلالاً وحمايةً وحريّة.
مسائل المعارضة
أ– تعريف النظام:
ما مادة انشغال المعارضة، وما موضوع اشتغالها؟ البدء من تعريف النظام اللبناني اليوم، نقطة بدءٍ أساسية، والسؤال: أي تحالفٍ أهلي – رسمي يواجه المعارضة اليوم؟ تعريف التحالف يتجنب الاستغراق في تحليل النظام القائم سعيداً منذ الاستقلال، ويذهب إلى شرح الموجود، لأن الخلاف دَبَّ بين أطرافه، ولأن خلاف "التشكيلة" ذهب بالتشكّل اللبناني الهشّ إلى ملامسة حدود الإطاحة به، ولأن هذا النظام بمنوّعاته السابقة، وبمنوّعاته التي أمسكت بدفّة قيادته بعد اتفاق الطائف، لم يصلْ بالبلد إلى ضفّة الأمان. إذن، وجملةً وتفصيلاً، تتحمَّل فروع النظام الداخلية، مسؤولية الفشل، وتقع على أكتاف كل الأطراف، مسؤولية إلقاء "الوطن" في دوّامة القتل والتدمير والتنزيح، على أيدي الإسرائيلي، وفي سياق الصراع الدولي والإقليمي الذي تقود الولايات المتحدة الأميركية عمليات ترسيم وإعادة ترسيم نفوذ الأطراف فيه.
ب- أسماء المسؤوليات:
للمسؤوليات أسماء رسمية، وعناوين مختلطة، تجمع الأهلي والرسمي، ولكل مسؤولية جهة مسؤولة عنها. التحديد مطلوب، والتعمية مرفوضة، هذا إذا أرادت المعارضة الانطلاق من فهم الحاضر إلى مخاطبة تعقيداته، وإلى المساهمة في تجاوز اشتباكاته.
ننطلق من الحاضر المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالماضي، فحاضر اللبنانيين اليوم اشتباك مختلف عليه، بين المقاومة الإسلامية وإسرائيل، وموضوع الخلاف يبدأ من تعيين سبب الاشتباك، ومن تحديد مرجعية الدخول فيه، ومن السياق الذي يندرج فيه، ومن حسابات الربح والخسارة المترتبة عليه.
باختصار، اللبنانيون مجدداً، في مواجهة عنوان لبنان وموقعه في الصراع مع إسرائيل، ولبنان بين موقفه الأهلي وموقفه الرسمي، ولبنان بين الاستقلال الرسمي المنقوص، والالتحاق الأهلي المفتوح على سياسات المحاور العربية والإقليمية.
ترتبط بالاشتباك القتالي، محصّلته التي صار إليها، فالجنوب اللبناني اليوم محتلٌّ في شطر واسع منه، والمدى اللبناني متاح للطيران الإسرائيلي، من دون رادع. مجدَّداً، وبالاسم: ماذا عن لبنان والمقاومة الوطنية التي كانت له، وماذا عن المقاومة بعد مرحلة التحرير، لجهة علاقاتها بداخلها اللبناني، ولجهة ارتباطها بمرجعيتها الخارجية، وماذا عن موقفها الحالي، قياساً على ما أصاب اللبنانيين من خسائر فادحة؟؟
الاشتباك وحصيلته، يختزلهما عنوان واحد: المقاومة الإسلامية، وإليه يضاف عنوان التفاوض مع العدو الإسرائيلي، الذي تديره "الدولة" مُدعَّمة برأي شعبي واسع، ويعارضه حزب الله سياسة، وتعارضه مقاومته قتالياً في الميدان. إذن ينجلي مشهد التفاوض عن جديد، هو الجلوس إلى طاولة بحث غير مباشر، قد يصير مباشراً، مع العدو، وهو مفتوح على طلباتٍ إسرائيلية قصوى، تستفيد من اختلال ميزان القوى في الميدان، ومن رعاية أميركية تسعى إلى إنجاز اتفاقٍ بين لبنان وإسرائيل تدرجه في سياق إعادة ترتيبها للمنطقة الشرق أوسطية عمومياً.
بين أبيض دعم المفاوض الرسمي وأسود معارضته، ما الخيط الناظم للمعارضة الوطنية المرجوّة؟ أساس السؤال، عدم التطابق المفترض مع كل بنود الخطاب الرسمي وما تراه المعارضة من بنود، وعدم الاتفاق المفترض مع كل بنود خطاب "المقاومة" وما تخاطبه المعارضة من مصلحة وطنية، تعلو فوق "منطوق" الخطابين.
ج- العلاقات الخارجية:
من المتعارف عليه، أن العلاقة بالخارج شأن سيادي، لذلك تتولى الهيئات الرسمية إدارة الشؤون الخارجية، من رسم سياساتها وأولوياتها، إلى تحديد كيفية إدارتها وتعيين أساليبها.
ومن المتعارف عليه، أن كل ارتباط بالخارج، والاندراج في سياق خططه السياسية، والمساعدة على تنفيذها على حساب الواقع الوطني، ومن خلف ظهره، له اسم العمالة للخارج والتواطؤ معه، وهذا ممّا يعاقب عليه القانون.
عرض العنوان على واقع لبنان، ماضياً وحاضراً، يظهر قفزاً علنيّاً من فوق أحكام التعريف، يقوم به الفرقاء الشعبيون، باسم التحرر القومي، أو التضامن الأممي، أو الترابط الديني، ويقوم به الفريق الرسمي، باسم الغلبة والاستقواء والالتحاق، وفق حسابات غير دقيقة، أدّت وتؤدي إلى اختلال الصيغة اللبنانية، وإلى اهتزاز الميثاقية، وإلى تعريض لبنان إلى جولات من حروب أهلية.
بين التبعية والعلاقات الخارجية المتوازنة قولٌ وقول، وبين ارتباط أي مقاومة بمصالح شعبها، وربط هذه المصالح بمخطط مرجعياتٍ خارجية، أكثر من قول نقدٍ ونقض، عليه، مساهمة المعارضة المفترضة، أو المرجوَّة، في إعادة العنوان الخارجي إلى نصابه الحقيقي، وإلى مسقط رأسه الوطني، من دون تورية باتت مكشوفة، ومن دون أقنعة الزيف التي استهلكتها التجربة المديدة.
يمكن الاستطراد في استحضار عناوين كثيرة، لكن الحاضر اللبناني المتهالك، يُملي الإيجاز المثقل بالأسئلة، مثلما يوجب الاقتصار على عناوين الخلاف السياسي الماثل للبصيرة وللأبصار، هذا لأن المقصود الإدلاء بقول سياسي معارض، يتناول الحاضر متصلاً بماضيه، أي غير منبتٍّ من أصل تأسيس، ويتناول ما هو معروض من مداخلة ومداخلة اعتراضية، من ضمن "منظومة" النظام وعلى حواشيها، ليلحظ تقاربها وتباعدها، ولقاءها وافتراقها، فيدلي بمطالعته بالاتصال مع بعضها، وبالانفصال عن بعضها الآخر وبالإقامة على مسافة تفاعل مع طرفي الاتصال والانفصال، ودائماً بقياس ذلك على مقياس المطالعة الوطنية المعارضة، التي تعتمد عنواناً واحداً: رأينا في المصلحة الوطنية العامة. إذن، الحكم على هذه السياسة أو تلك، وعلى هذا الأداء أو ذاك، مرتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية المعارضة الخاصة لمصالح اللبنانيين، وبالدعوة إلى مواجهة كل سياسة تتعارض مع هذه المصالح.
موجز معارض:
التذكير بأصل النظام وذكر عدد من العناوين الملحقة به، ضروريان للإطلالة على تقدير الموقف السياسي الذي يجعل الظرفين الموضوعي والذاتي إطاراً له، ودليلاً إلى سياسته العملية.
لكن، وفي معرض الحاضر اليومي، يشكل الإيجاز والتركيز باب دخول إلى المباشرة بالقول وبالعمل.
مباشرة، ومن دون التفاف: مطلب وقف الاعتداء الإسرائيلي على الجنوب وعلى كل لبنان، يتقدم على كل ما عداه. مكمّلات المطلب هذا، يحملها كل النسق الرسمي، وهي معلومة للقاصي والداني.
مباشرة أيضاً، دعم الرؤساء في سلوك درب التفاوض، بلا التباس، لكن وبلا التباس أيضاً، يجب الحفاظ على البعد الوطني للعملية التفاوضية، فهي باسم اللبنانيين جميعاً، وباسم مصلحتهم الكليّة، وهي عامل حماية وصون لكل "المكوّنات" الأهلية.
وفي سياق التكرار، الطلب من المقاومة الإسلامية الالتزام بقرارات "الجمهورية"، وضبط سلوكها على إيقاع الانضباط الداخلي العام. وكاستطراد واجب، مطلوب تغاضي الجميع عن الوقوف أمام المسؤولية عن استدعاء العدوان، ومطلوب إشهار تضامن الجميع في إدانة الممارسات العدوانية الإسرائيلية، وإطلاق حملة واسعة، داخلياً وخارجياً، لتعزيز هذا التضامن. الإقرار بأن ظرف التحرير الماضي، غير موجود الآن، هذا موقف ضروري، ومصطلح "المقاومة" ليس جامعاً اليوم، بل هو اسم لفريق لبناني واحد، لذلك فإن النصر الذي صنعته كل أطراف المقاومة اللبنانية، ملك لها مجتمعة، ومن غير المسموح لطرف واحد التفريط بهذا النصر، أو توظيفه في مجال غير مجال المصلحة اللبنانية.
من حق لبنان واللبنانيين، الترحيب بكل دعم للقضية الوطنية، ومن حقهم رفض أي تدخل أجنبي باسم هذا الدعم، وفي هذا المجال، يقرأ اللبنانيون جيّداً معنى حراك المصالح لدى كل دولة تذكر اسم لبنان، ويميّز اللبنانيون جيداً بين دعم يدعّم بنيان الدولة، وبين دعم من فوق رأس هذا البنيان. بوضوح، لا تغيب المآرب الأميركية ولا خطتها، وليست مجهولة أهداف "الغرب" و"الشرق"، كذلك ليست مجهولة الغايات الإيرانية. لذلك على الآخرين إدراك فهم اللبنانيين لما يدور حولهم، ولما يحيق بهم، وعلى الأقربين أن ينتبهوا أنهم ليسوا في مرتبة العداء، تلك حالة إيران، لذلك على هذه الأخيرة ألاّ تسلك حيال لبنان والدول العربية مسالك الاستعداء.
ختام له ما بعده: لبنان ليس ساحة مستباحة، وهو بلد عربي وجداناً ولساناً، ويحسن جيداً الجمع بين وطنيته وعروبته، ويحفظ موجبات حسن الجوار. لذلك على الجميع، دعم لبنان، والكف عن إيذائه، في داخله ومن الخارج.




