لبنان على حافة التسوية وسلاح حزب الله أمام الاختبار

مانشيت - المدنالسبت 2026/06/13
Image-1781358319.Jpeg
الأخطر في الصيغة المتداولة أن لبنان قد يكون مشمولًا بوقف النار، لكنه غير مشمول بضمانات. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

من إسلام أباد حيث تتسارع المعطيات حول المفاوضات الأميركيّة - الإيرانيّة، إلى بعبدا حيث تُصاغ المقاربة اللّبنانيّة الرسمية، مرورًا بالنبطية وكفرتبنيت ومرتفعات علي الطاهر الّتي تشهد تصعيدًا إسرائيليًّا متواصلًا، يقف لبنان أمام مرحلة مفصليّة من شأنها أنّ تحدّد شكل المرحلة المقبلة. 

فعلى بُعد ساعات من احتمال إعلان تفاهم في إسلام أباد، تحدّثت مصادر مطّلعة لـِ"المدن" عن اتّصالات مكثّفة جرت بين مستشاري الرئاسات الثلاث، أفضت إلى بلورة مشروع مقاربة لبنانيّة جامعة، هدفها انتزاع وقفٍ كامل لإطلاق النار، وتثبيت الانسحاب الإسرائيليّ من الجنوب، ومنع تحويل لبنان إلى ورقة تفاوضية في صراعات الإقليم.

وواكب هذه المقاربة المبعوث السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان، بالتوازي مع اتّصالات قطريّة تناولت عناوين الطروحات ومسارها، ما منح الموقف اللبنانيّ غطاءً عربيًّا واضحًا من الرياض والدوحة. وتقول المصادر إنّ تقدّمًا كبيرًا سُجّل في نقاشات المستشارين، على أن تبقى الاتّصالات مفتوحة لمعالجة نقاط التباين، خصوصًا تلك المتّصلة بضمانات وقف النار، ودور الجيش، ومصير السلاح جنوب الليطانيّ.

 

عون يضع المعركة في إطار الدولة

في هذا المناخ برز حديث رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي اعتبر أنّ "لبنان اليوم يقف أمام استحقاق مصيري: إما أن يُجمع أبناؤه على دولة سيدة، تحتكر السلاح وتسود القانون، وتصون المواطن بصرف النظر عن انتمائه وموقعه، وإمّا أن يظلّ رهينَ منطق الميليشيات وثقافة الإلغاء". وجاء موقف عون في الذكرى الثامنة والأربعين لاغتيال الوزير السابق طوني سليمان فرنجيه وأفراد من عائلته ورفاقه في إهدن، حيث أشار إلى أنّ "استحضار الذاكرة لهذا الحدث المؤلم، يحتم علينا أن نتعلّم من دروس الدم ما لم تُعلّمنا إياه سنوات السلم. فالذاكرة الوطنية الصادقة لا تنتقي جراحها، بل تحملها كلّها لتبني على ألمها عهدًا بعدم التكرار". وأضاف: "نحن في لحظة لا تحتمل الترف الطائفي ولا التجاذب المناطقي. الوحدة الوطنية اليوم ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي ضرورة وجودية تُبنى بالمصارحة وتُعزَّز بالعدالة وتتجذّر بالإنصاف لكل مكوّنات هذا الشعب دون استثناء."

 

سلام لحزب الله: أنقذوا البلد

رئيس الحكومة نواف سلام ذهب مباشرةً إلى صلب العقدة. ففي مقابلة مع "رويترز"، قال إنّ "مشكلتنا مع حزب الله هي سلاحه، ونعدّ الحزب قوّة سياسيّة لبنانيّة". وأضاف أنّ على حزب الله أن يعلن دعمه للمفاوضات "بالسرعة نفسها أو أسرع منّا"، لأنّ المطلوب منه، بحسب سلام، ليس إعلان الهزيمة، بل تنفيذ الالتزامات التي سبق أن وافق عليها، من البيان الوزاريّ إلى مبدأ حصر السلاح بيد الدولة.

رسالة سلام كانت مزدوجة. داخليًّا، أراد نزع فكرة أنّ حصرية السلاح مطلب إسرائيليّ، مؤكدًا أنّها مصلحة لبنانية أولًا. وخارجيًّا، شدّد على أنّ لبنان يتأثّر بالمفاوضات الجارية في إسلام أباد، لكنّه لا يفاوض بالوكالة ولا يقبل أن يتحدّث أحد باسمه. ومن هنا دعا حزب الله إلى تغليب مصلحة لبنان والانخراط في مسار الدولة لتأمين الانسحاب الإسرائيليّ.

 

واشنطن تفصل النوويّ عن أذرع طهران

في المقابل، تكشف التقارير الآتية من الإعلام الإسرائيليّ والعربيّ أنّ واشنطن تتّجه إلى فصل الملفّ النوويّ الإيرانيّ عن ملفّ المجموعات المسلّحة المرتبطة بالحرس الثوريّ في لبنان والعراق واليمن. وبحسب ما نُقل عن مصادر دبلوماسيّة أميركيّة، فإنّ أيّ اتفاق مع طهران لن يمنح حزب الله أو الحوثيّين أو الفصائل العراقيّة حصانةً سياسيّة أو أمنيّة.

المؤشّرات التي ستراقبها واشنطن خلال فترة اختبار تمتدّ ستّين يومًا تبدو واضحة: انسحاب حزب الله إلى شمال الليطانيّ، وقف هجمات الحوثيّين في البحر الأحمر، ضبط سلاح الفصائل العراقيّة، ومنع نقل منظومات الاتصال أو الأسلحة الثقيلة إلى ساحات جديدة. وهذا يعني عمليًّا أنّ مرحلة استخدام الساحات العربيّة كورقة ضغط إيرانيّة تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا.

 

لبنان خارج ضمانات طهران

الأخطر في الصيغة المتداولة أنّ لبنان قد يكون مشمولًا بوقف النار، لكنّه غير مشمول بضمانات تمنح حزب الله حقّ الاحتفاظ بواقعه العسكريّ جنوبًا. فواشنطن، وفق ما نُقل، رفضت إدراج أيّ ضمانات تتعلّق بالحزب داخل التفاهم، وربطت استمرار التهدئة بانسحابه من جنوب الليطانيّ وتسليم المواقع إلى الجيش اللبنانيّ.

بهذا المعنى، لا يعود الاتفاق الأميركيّ - الإيرانيّ غطاءً لحزب الله، بل يتحوّل إلى إطار ضغط إضافي عليه. وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المرحلة المقبلة.

 

إسرائيل توسّع الضغط قبل التسوية

ميدانيًّا، لا تتصرّف إسرائيل كمن ينتظر وقفًا قريبًا للنار، بل كمن يسابقه لفرض وقائع إضافيّة على الأرض. فقد توسّعت الإنذارات الإسرائيليّة لتشمل أكثر من عشرين بلدة جنوبيّة، بالتزامن مع غارات وقصف وتوغّلات في محيط كفرتبنيت، ومحاولات تقدّم باتجاه مرتفع علي الطاهر، ذي الأهمّيّة الاستراتيجيّة لإشرافه على النبطيّة وإقليم التفّاح.

هذا التصعيد يطرح سؤالًا جوهريًّا: هل تريد إسرائيل تحسين شروطها قبل الاتفاق، أم تسعى إلى إعادة رسم خطوط السيطرة جنوبًا، سواء وُقّع التفاهم أم لم يُوقّع؟ فالتقدّم نحو المرتفعات لا يُقرأ عسكريًّا فقط، بل سياسيًّا أيضًا، بوصفه محاولة لانتزاع أوراق تفاوضيّة من قلب الميدان.

 

اختبار الدولة لا اختبار الحزب وحده

المرحلة المقبلة لن تختبر حزب الله وحده، بل ستختبر الدولة اللبنانيّة بكلّ مؤسّساتها. فإذا نجحت الرئاسات في تثبيت موقف واحد مدعوم عربيًّا، ومرتبط بوقف النار والانسحاب الإسرائيليّ وبسط سلطة الجيش، يكون لبنان قد انتزع موقعه كدولة في التسوية. أمّا إذا بقي أسير التردّد والانقسام، فسيُدار ملفّه من خارج حدوده، وتُرسم توازناته فوق أرضه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث