دخلت قضية الفساد والابتزاز المالي في وزارة الصناعة طورًا جديدًا من المواجهة القضائية الدولية، مكرّسةً سابقة برلمانية وسياسية نادرة في المشهد اللبناني. فبعد قرار مجلس النواب برفع الحصانة النيابية عن وزير الصناعة السابق والنائب الحالي جورج بوشيكيان، انتقل الملف من دائرة التجاذب المحلي إلى أروقة المراسلات القضائية العابرة للقارات، في محاولة لمحاصرة الرجل الذي غادر البلاد متوجهًا إلى كندا التي يحمل جنسيتها.
وفي تفاصيل هذا التطور، علمت "المدن" من مصدر قضائي أن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، أحال رسميًا مذكرة استدعاء وطلب استرداد موجهين إلى السلطات القضائية الكندية، يطلب فيها تسليم المدعى عليه بوشيكيان للقضاء اللبناني للاستماع إلى إفادته ومحاكمته في التهم المنسوبة إليه، والتي تشمل الابتزاز، والاختلاس، واستغلال النفوذ الوظيفي.
كما يشير المصدر لـ"المدن" إلى وجود حالة من الضبابية تحيط بالموقف الكندي ومستوى تجاوبه. ويؤكّد أنّه ليس لدى القضاء إجابة واضحة ومسبقة عما إذا كانت السلطات الكندية ستتعاون إيجابيًا في هذا الملف أم لا. وذلك نظرًا للتعقيدات القانونية المرتبطة بملفات تسليم المواطنين الحاملين للجنسية الكندية. وكانت هذه الخطوة ضرورية لتثبيت صلاحية القضاء اللبناني واستكمال المسار القانوني حتى النهاية.
لكنّ المسار القانوني لا يبدو سهلًا. فملفات الاسترداد بين الدول عادةً ما تخضع لمجموعة معقّدة من الشروط القانونية والدبلوماسية، أبرزها طبيعة الجرائم المنسوبة إلى المطلوب، ومدى توافر مبدأ "ازدواجية التجريم" الذي يقتضي أن يكون الفعل المنسوب إليه معاقبًا عليه في البلدين.
كما تكتسب القضية حساسية إضافية إذا كان المطلوب يحمل جنسية الدولة المطلوب منها التسليم. إذ إنّ العديد من الدول الغربية تتشدّد في تسليم مواطنيها أو تفضّل محاكمتهم على أراضيها عند توافر الشروط القانونية اللازمة. لذلك، فإن إرسال الطلب اللبناني لا يعني حكمًا الاستجابة له، لكنه يشكّل خطوة إجرائية أساسية تسمح للقضاء اللبناني باستكمال مساره القانوني وتثبيت ملاحقته للمدعى عليه على المستوى الدولي.
تضع هذه الخطوة القضائية السلطات اللبنانية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على متابعة ملفات الفساد التي تتجاوز حدودها الجغرافية. فالملف الذي انطلق بإخبار قضائي موثق بتسجيلات تدين طاقم مكتب الوزير السابق بتهمة فرض "خوّات" مالية بآلاف الدولارات على الصناعيين اللبنانيين لتمرير رخصهم، بات اليوم ملفًا قضائيًا وسياسيًا يتجاوز الإطار المحلي بعد انتقال جزء من إجراءاته إلى السلطات الكندية.
ولئن كان مجلس النواب قد حسم أمره، برفع الحصانة السياسية والنيابية عن بوشيكيان معتبرًا أن الجرم يقع في خانة الجنايات المشهودة وشبهات الفساد المباشر، لكنّ مغادرة النائب للبلاد أضافت تعقيدات إجرائية وقانونية إلى مسار الملف. وطرحت علامات استفهام حول مدى قدرة الدولة على ضبط حركة المطلوبين للعدالة قبل ختم التحقيقات.
على المقلب السياسي، يأتي لجوء النائب العام التمييزي إلى هذه المذكرة، على الرغم من إدراك الصعوبات الإجرائية، ليعكس بحسب متابعين إصرار النيابة العامة على استكمال الملاحقة القضائية رغم وجود المدعى عليه خارج لبنان.
في المقابل، كان بوشيكيان ينفي من مقر إقامته في كندا التهم. ووصف في وقت سابق الإجراءات المتخذة بحقه بأنها "كيدية سياسية" تهدف إلى تقديمه كبش فداء لتغطية منظومة فساد أعمق وأكبر داخل مؤسسات الدولة الإدارية.
يبقى السؤال معلقاً في أروقة العدلية: هل تتعاون كندا قضائياً مع بيروت، أم أن التعقيدات القانونية المرتبطة بملفات الاسترداد العابرة للحدود ستؤدي إلى إطالة أمد الإجراءات القضائية؟




