الحاج حسن لـِ"المدن": تفكيك "بروباغندا" السلطة وعقدة التفاوض

مالك دغمانالسبت 2026/06/13
5f197885e2cae_.jpg
رفض الحاج حسن تقديم بيئة المقاومة كـ"كبش فداء" للتفلت الإعلامي. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في أروقة البرلمان ومكاتبه المخصصة للنواب، تفرض الحرب ظلالها بتفاصيلها اليومية القاسية قبل أن تبدأ الكاميرا بالدوران. خلف أبواب بعض هذه المكاتب، لم تعد المشهدية تقتصر على الأوراق والملفات الرسمية؛ بل باتت العين ترصد مفارقات الأزمة: فُرشٌ للنوم ومستلزمات حياتية أساسية استقرت هناك، في إشارة صامتة إلى أن الروتين اللبناني القديم قد عُلّق حتى إشعار آخر، وأن البعض، بشكل أو بآخر، يعيش حالة طوارئ غير معلنة في قلب المؤسسة التشريعية.

وسط هذه الأجواء، دخل عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسين الحاج حسن إلى مكتب المقابلة قبل الموعد بنحو عشرين دقيقة. بهدوء كسر رتابة الانتظار، بادر الحاضرين بابتسامة وسؤال ترحيبي: "شربتوا شي؟"، قبل أن يفتح حديثاً جانبياً هادئاً، تخللته مسحة من الكوميديا الخفيفة وهو يستفسر من فريق العمل عن مناطق انتمائهم وجذورهم والتغني بجمال كل قرية. هذا الفاصل الإنساني القصير، سرعان ما تبدد مع إشارة البدء، لتطل السخونة السياسية برأسها، وتشرح المسافة الفاصلة بين حسابات الميدان العسكرية ومقاربات "لبنان الرسمي" على طاولة المفاوضات.

 

الميدان: صراع "الألياف" و"النار"

لم يهرب الحاج حسن من الاعتراف بالاختلال في موازين القوى التقليدية، مقراً بأن إسرائيل تمتلك "تفوقاً مطلقاً في القوة النارية المفرطة" التي تترجمها تدميراً وتجريفاً كاملاً في قرى الحافة الأمامية كالخيام والطيبة وبنت جبيل. لكنه، في المقابل، يرى أن هذا الجنون التدميري هو تعويض عن "مأزق ومستنقع" يعيشه جيش الاحتلال في مواجهة سلاح المسيّرات بالألياف الضوئية والصواريخ الموجهة.

وفي سياق الدفاع المعتاد عن الخيارات الاستراتيجية، أعاد الحاج حسن تظهير السردية التي تبرئ "جبهة الإسناد" من استدراج الحرب الحالية، مستنداً إلى اعترافات إسرائيلية سابقة بأن قرار ضرب لبنان كان متخذاً منذ 11 تشرين الأول 2023. بالنسبة للحزب، الحرب كانت حتمية، والإسناد لم يكن سوى مصلحة أمن قومي استباقية عطلت عنصر المفاجأة لدى العدو.

 

السرايا وبعبدا: السير في حقل الألغام

الانتقاد الأشرس وجهه الحاج حسن إلى الأداء التفاوضي لـ"لبنان الرسمي"، ممثلاً برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. واعتبر أن استمرار الوفد اللبناني في خوض جولات تفاوضية مباشرة دون انتزاع وقف إطلاق نار حقيقي، هو خطيئة دستورية وقانونية وتخبّط يفتقد لـ"الرؤية والاستراتيجية".

ووضع الحاج حسن إيجاز السلطة في قفص الاتهام عبر نقاط محددة:

  • تغييب الثوابت: سأل الحاج حسن بلسان الحزب عن سر خلو مسودات البيانات والاتفاقات التي وصفها بالملتبسة من "النقاط الخمس" الجوهرية (الانسحاب الشامل، عودة النازحين, إطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار دون شروط).

  • إسقاط حق الرد: انتقد الصيغ الدبلوماسية التي تسقط أو تميع حق لبنان في الدفاع والرد على الخروقات الإسرائيلية المستمرة، والتي طالت ضباطاً وعسكريين في الجيش اللبناني بشكل متعمد.

  • الصمت المريب: استغرب صمت رئيس الوفد السفير سيمون كرم تجاه الإملاءات الأميركية، التي وصمت حزب الله بالعدو المشترك ودعت صراحة لتطويع فرقة عسكرية في الجيش لقتاله.

وعلى الرغم من هذا الهجوم، حرص الحاج حسن على إبقاء الباب موارباً؛ فلا قطيعة كاملة مع بعبدا (حيث التواصل مستمر خلف الكواليس عبر قنوات محددة)، ولا رغبة في تعطيل أو إسقاط حكومة سلام التي يتمثل فيها الحزب ويتعاطى وزراؤه فيها بإيجابية. لكن الرسالة الأساسية كانت تذكير الساكنين في بعبدا والسرايا بأن "هناك شريحة واسعة من اللبنانيين من مختلف الطوائف لا توافق على هذه السياسات، ولا يمكن التعاطي معها كجالية غريبة".

 

عين التينة: الممر الدستوري والتقاطع الإقليمي

على مقلب آخر، بدا التناغم التام مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تم تظهيره كـَ "مرجعية دستورية شرعية" أدارت دفة التفاوض في مراحل سابقة بكثير من الحنكة.

وفي انعطافة بارزة، أكد الحاج حسن ترحيب الحزب بمساعي الرئيس بري لفتح الباب أمام "رعاية عربية وخليجية (تحديداً سعودية وقطرية وعمانية) وإيرانية مشتركة" للتسوية المقبلة. هذا الموقف يعكس مرونة براغماتية لدى الحزب، الذي يرى في الانفتاح العربي المتوازن مصلحة لاستقرار لبنان، مذكراً بأن طهران والقوى الإقليمية تتواصل وتتقاطع، وبالتالي لا مانع من انعكاس هذا المناخ إيجاباً على الساحة المحلية لإعادة الإعمار ولملمة أشلاء البلد.

 

جبهة "السوشيل ميديا": انعكاس الانقسام العمودي

في ملف الاحتقان الداخلي وضبط منصات التواصل الاجتماعي، رفض الحاج حسن تقديم بيئة المقاومة كـَ "كبش فداء" للتفلت الإعلامي، واضعاً هذا التفلت في سياق الانقسام العمودي الحاد بالبلد:

"لا يمكن مطالبة الجمهور المجروح والنازح بالانضباط الكامل، في وقت يمارس فيه الطرف الآخر (من سياسيين وناشطين) لغة الشماتة والتنكيل واستدعاء الغارات".

انتقد النائب صمت قوى سياسية بارزة تدعي السيادية عن إدانة استهداف الجيش اللبناني، معتبراً أن غياب الإجماع الوطني على توصيف العدو هو الصاعق الذي يفجر الشارع الافتراضي. وأكد في الوقت عينه أن حزب الله يرفض لغة الشتائم وتخوين الرموز، لكن السيطرة على مشاعر الناس في زمن الدماء تبدو مهمة شبه مستحيلة ما لم يلتزم الجميع بسقف الانضباط.

بين حسابات الجبهة الساخنة وطاولات التفاوض الدبلوماسي، تظل الأيام المقبلة كفيلة برسم الملامح النهائية للمشهد اللبناني. وإذا كانت مقاربة حزب الله، بلسان النائب حسين الحاج حسن، تتمسك بالثوابت الميدانية وترفض المقايضات السياسية، فإن الثابت الوحيد وسط هذا الانقسام العمودي هو حاجة البلد إلى حد أدنى من التوافق الداخلي والمؤازرة الإقليمية، لترتيب أولويات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها عودة النازحين وبدء ورشة إعادة الإعمار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث