فهد الدوسري في بيروت: حضور سعوديّ في زمنٍ لبنانيّ صعب

المدن - سياسةالجمعة 2026/06/12
Image-1781264109.Jpg
لم يأتِ إلى بيروت من تجربةٍ عابرة أو هامشية. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

وصل سفير المملكة العربيّة السعوديّة الجديد لدى لبنان، فهد بن عبدالرحمن آل هذلول الدوسري، إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، إيذانًا ببدء مهمّته الدبلوماسيّة في مرحلة لبنانيّة دقيقة، تتداخل فيها الاستحقاقات الداخليّة مع تحوّلات إقليميّة متسارعة، وتزداد فيها الحاجة إلى حضورٍ عربيّ وازن يدعم منطق الدولة ومؤسّساتها.

ويأتي تعيين الدوسري خلفًا للسفير وليد البخاري، في إطار تشكيلات دبلوماسيّة سعوديّة تعكس رغبة الرياض في تجديد حضورها في بيروت، لا من باب التدخّل في الشأن اللبناني، بل من موقع الشريك العربي الحريص على استقرار لبنان، وصون سيادته، وإعادة وصل ما انقطع بينه وبين عمقه الطبيعي.

 

من هو فهد الدوسري؟

ينتمي فهد بن عبدالرحمن آل هذلول الدوسري إلى جيلٍ دبلوماسي سعودي تدرّج داخل وزارة الخارجيّة، واكتسب خبرته من العمل اليومي في الإدارة والميدان معًا. لم يأتِ إلى بيروت من تجربةٍ عابرة أو هامشيّة، بل من مسارٍ طويل بدأ في الرياض، ومرّ بمحطّات أفريقيّة وأوروبيّة ودوليّة، قبل أن يقوده إلى لبنان، أحد أكثر المواقع حساسيّة في الدبلوماسيّة العربيّة.

وُلد الدوسري في مدينة جدّة في 3 أيار 1981، وتخرّج في جامعة الملك عبدالعزيز حاملًا بكالوريوس في العلوم السياسيّة عام 2002، قبل أن يعزّز تكوينه الأكاديمي بدرجة ماجستير، مع مرتبة الشرف، في العلاقات الدوليّة من مدرسة جنيف للدبلوماسيّة والعلاقات الدوليّة عام 2015. وبين جدّة وجنيف، تشكّلت لدى الدوسري قاعدة معرفيّة تجمع بين السياسة بوصفها علمًا، والدبلوماسيّة بوصفها ممارسةً دقيقة تتطلّب الصبر، والإنصات، وحسن قراءة التحوّلات.

بدأ مسيرته في وزارة الخارجيّة السعوديّة في آذار 2003 بصفة ملحق في الرياض، ثم تولّى في تموز من العام نفسه رئاسة قسم التمثيل الدبلوماسي في شعبة المراسم. ومنذ تلك المحطّة الأولى، ظهر أنّ تجربته ستتشكّل عند تقاطع البروتوكول، والعمل القنصلي، وإدارة البعثات، والعلاقات الثنائيّة، وهي مجالات لا تقوم على الظهور الإعلامي بقدر ما تقوم على الدقّة والانضباط وفهم الرسائل السياسيّة المعلنة وغير المعلنة.

 

محطّات أفريقيّة وأوروبيّة

كانت بوركينا فاسو محطّته الخارجيّة الأولى، حيث عمل بين عامَي 2004 و2006 نائبًا لرئيس البعثة ورئيسًا للقسم القنصلي في سفارة المملكة. وبعد ذلك، تولّى لفترة وجيزة مهمّة القائم بالأعمال بالإنابة، أي رئاسة البعثة، في السفارة نفسها. وقد أتاح له ذلك، في وقتٍ مبكر من مسيرته، اختبار إدارة البعثة من موقع المسؤوليّة المباشرة، والتعامل مع الملفات القنصليّة والسياسيّة في بيئةٍ أفريقيّة تتطلّب مرونةً وحساسيّةً عاليتين.

بعد أفريقيا، انتقل الدوسري إلى أوروبا من بوّابة باريس، حيث شغل بين عامَي 2006 و2011 موقع نائب مدير مكتب السفير في سفارة المملكة لدى الجمهوريّة الفرنسيّة. وكانت تلك المرحلة مفصليّة في صقل تجربته، إذ عمل في عاصمة مركزيّة في السياسة الأوروبيّة والدوليّة، وشارك ضمن وفود رسميّة سعوديّة في مناسبات بارزة، بينها الزيارة الرسميّة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين إلى فرنسا عام 2007، وزيارات رسميّة فرنسيّة إلى المملكة في عامَي 2008 و2009، إضافةً إلى مشاركته في أعمال المجلس التنفيذي لمنظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، "اليونسكو"، في باريس عام 2008.

وعاد الدوسري لاحقًا إلى الرياض، حيث تولّى بين عامَي 2011 و2012 موقع نائب رئيس قسم التنسيق الأمني في وكالة الوزارة لشؤون المراسم. وهذه المحطّة الداخليّة أضافت إلى خبرته الدبلوماسيّة بُعدًا تنظيميًّا يتصل بإدارة الزيارات الرسميّة، وترتيب العلاقات البروتوكوليّة، والتنسيق بين المؤسّسات المعنيّة بالشأن الخارجي.

 

جنيف وأوسلو: خبرة في الدبلوماسيّة المتعدّدة

في عام 2012، انتقل الدوسري إلى جنيف نائبًا للقنصل العام للمملكة، وبقي في هذا الموقع حتى عام 2016. وهناك، عمل في مدينة تُعدّ واحدة من أبرز عواصم المنظّمات الدوليّة والملفات الإنسانيّة والقانونيّة والحقوقيّة. وقد منحته هذه التجربة احتكاكًا مباشرًا بنمطٍ مختلف من الدبلوماسيّة، لا يقتصر على العلاقات الثنائيّة بين الدول، بل يمتدّ إلى المؤسّسات الدوليّة، والبيئات المتعدّدة الأطراف، والملفات ذات الطابع العابر للحدود.

ومن جنيف إلى أوسلو، تولّى الدوسري بين عامَي 2016 و2019 منصب نائب رئيس البعثة في سفارة المملكة لدى مملكة النرويج، قبل أن يتولّى عام 2019 مهمّة القائم بالأعمال بالإنابة، رئيسًا للبعثة. وتكشف هذه المحطّة عن استمرار صعوده داخل السلك الدبلوماسي، من مواقع الإدارة التنفيذيّة إلى مواقع القيادة المباشرة للبعثات، بما يعنيه ذلك من قدرة على تمثيل المملكة، وإدارة العلاقات، ومتابعة الملفات السياسيّة والإداريّة في آنٍ واحد.

بعد ذلك، عاد إلى وزارة الخارجيّة في الرياض، حيث أُسندت إليه إدارة شؤون دول وسط أفريقيا بين عامَي 2019 و2020، ثم إدارة شؤون دول غرب أفريقيا بين عامَي 2020 و2021. ولم تكن هذه المهمّة الإداريّة تفصيلًا عابرًا في سيرته، بل جاءت امتدادًا لتجربته السابقة في القارّة الأفريقيّة، ومقدّمةً لعودته إليها سفيرًا فوق العادة ومفوّضًا لخادم الحرمين الشريفين لدى بوركينا فاسو اعتبارًا من حزيران 2021.

 

دبلوماسيّ بثلاث لغات وخبرة واسعة

لا تقتصر أدوات الدوسري على الخبرة الإداريّة والسياسيّة، فهو يتقن، إلى جانب العربيّة، اللغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة، ما يمنحه هامشًا أوسع في التواصل مع البيئات الدبلوماسيّة المتعدّدة، ولا سيما في بلدٍ كلبنان، حيث تتداخل الثقافة العربيّة بالفرنكوفونيّة، وحيث تنفتح الساحة السياسيّة والإعلاميّة على أكثر من لغة واتجاه.

كما خضع لدورات تدريبيّة نوعيّة، بينها دورة التأثير في صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ودورة تنفيذ اتفاقيّة نزع الأسلحة الكيميائيّة والبيولوجيّة في لاهاي، ودورة القيادة الإيجابيّة والمرونة في دبي، فضلًا عن دورات أخرى عزّزت خبرته في التعامل مع الأزمات وصناعة القرار.

وتُظهر سيرته أيضًا حضورًا في عدد من المحافل والقمم والوفود الرسميّة، بينها مؤتمر قمّة التضامن الإسلامي في مكّة المكرّمة عام 2012، والاجتماع الوزاري لأصدقاء اليمن في الرياض، والاجتماع الثاني للمجلس الاستشاري لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في جدّة، والقمّة العربيّة الإسلاميّة الاستثنائيّة عام 2023، والقمّة السعوديّة الأفريقيّة، ثم القمّة العربيّة الإسلاميّة الاستثنائيّة عام 2024.

بهذه الخلفيّة، يصل الدوسري إلى لبنان وهو يحمل خبرةً مركّبة: خبرة أفريقيّة في التعامل مع بيئات هشّة ومعقّدة، خبرة أوروبيّة في عواصم القرار والمنظّمات الدوليّة، خبرة قنصليّة في خدمة المواطنين وإدارة الملفات اليوميّة، وخبرة بروتوكوليّة في فهم قواعد الدولة ورسائلها. وهذه العناصر تجعل مهمّته في بيروت امتدادًا لمسارٍ طويل، لا بدايةً طارئة.

 

حضور سعوديّ لا يشبه الانكفاء

والحال، فإنّه في السنوات الأخيرة، تبدّل شكل الحضور السعودي في لبنان. لم تعد الرياض معنيّةً بسياسة ردود الفعل وحدها، بل تسعى إلى صياغة مقاربة أكثر ثباتًا، عنوانها الأساسي أنّ استقرار لبنان مصلحة عربيّة، وأن قيام الدولة بمؤسّساتها الشرعيّة هو الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى.

وفي هذا السياق، يُقرأ وصول الدوسري بالتوازي مع الدور الذي يضطلع به الأمير يزيد بن فرحان، مستشار وزارة الخارجيّة السعوديّة المكلّف بالملف اللبناني. فالحضور السعودي الراهن يقوم على مسارين متكاملين: مسار سياسي تنسيقي يتابع تفاصيل الأزمة اللبنانيّة مع القوى المحليّة والدوليّة، ومسار دبلوماسي تمثيلي تقوده السفارة في بيروت بما يرسّخ العلاقة المباشرة بين المملكة والدولة اللبنانيّة.

هذا التكامل يعبّر عن انتقال سعودي من موقع المراقبة الحذرة إلى موقع المواكبة الفاعلة. فالمملكة لا تتعامل مع لبنان بوصفه ساحةً معزولة، بل بوصفه جزءًا من ميزان الاستقرار العربي والإقليمي، وبلدًا لا يمكن تركه نهبًا للفراغ أو لمنطق المحاور.

 

ما بعد مرحلة وليد البخاري

يصل الدوسري بعد مرحلة شغل فيها السفير وليد البخاري موقعًا بارزًا في إدارة العلاقة السعوديّة، اللبنانيّة، لا سيما خلال سنوات الفراغ السياسي، وتعقيدات الاستحقاق الرئاسي، وانخراط المملكة في الجهود الدوليّة والعربيّة الهادفة إلى منع انهيار ما تبقّى من مؤسّسات الدولة.

وقد لعب البخاري دورًا واضحًا في إبقاء القنوات مفتوحة بين الرياض وبيروت، وفي مواكبة عمل اللجنة الخماسيّة، وفي التأكيد المتكرّر على ضرورة انتخاب رئيس للجمهوريّة، واحترام الدستور، وحماية اتفاق الطائف، ودعم مؤسّسات الدولة الشرعيّة.

 

لقاءٌ تمهيدي قبل بيروت

وقبل مباشرته مهمّته في لبنان، التقى السفير الدوسري سفير لبنان لدى المملكة، علي قرانوح، في الرياض، في محطة بروتوكوليّة حملت إشارات ودّية واضحة. وقد عبّر قرانوح عن تقديره للجهود التي بُذلت في المرحلة السابقة لتعزيز الاستقرار في لبنان، متمنّيًا للسفير الجديد التوفيق والنجاح في مهمّته.

هذا اللقاء، وإن بدا بروتوكوليًّا في الشكل، يعكس في المضمون رغبةً مشتركة في ترميم العلاقة اللبنانيّة، السعوديّة على قاعدة الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والانفتاح على مرحلة أكثر انتظامًا بين بيروت والرياض.

في بيروت، يبدأ الدوسري مهمّته بهدوء الدبلوماسيين الذين يعرفون أنّ الرسائل الكبرى لا تُقال دائمًا بصوتٍ عالٍ. وحضور المملكة، في هذه المرحلة، يبدو رسالةً بحدّ ذاته: لبنان ليس خارج الاهتمام العربي، واستقراره لا يزال جزءًا من أمن المنطقة وميزانها.

وبين خبرة السفير الجديد، وثقل المملكة، وحاجة لبنان إلى مظلّة عربيّة راسخة، تقف العلاقة اللبنانيّة، السعوديّة أمام اختبارٍ جديد. فإمّا أن تكون هذه المرحلة مدخلًا إلى استعادة الثقة، أو فرصةً إضافيّة تضيع في زحمة الحسابات الداخليّة. أمّا الرسالة السعوديّة، كما يوحي وصول الدوسري، فهي واضحة: لا بديل عن الدولة، ولا استقرار خارج السيادة، ولا مستقبل للبنان بعيدًا عن محيطه العربي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث