لم يكن لقاءُ عددٍ من نوّاب بيروت مع رئيس الحكومة نواف سلام تفصيلاً عابراً في يوميّات العاصمة المثقلة بملفّات السلاح، والنفايات، والبلديّة، والواجهة البحريّة، ومراكز الإيواء. فالاجتماع الذي أراده النائب فؤاد مخزومي إطاراً لمتابعة قضايا ملحّة تخصّ بيروت، فتح في المقابل باباً سياسيَّاً عريضاً على سؤال التمثيل: مَن يملك أن يتحدّث باسم العاصمة؟ ومَن يقرّر مَن يُدعى إلى طاولة "نوّاب بيروت" ومَن يُستثنى منها؟ الأهمّ أنّ السجال لم يبقَ في حدود الشكل، بل تمدّد سريعاً إلى جوهر الأزمة البيروتيّة، أي المجلس البلدي، وطريقة إنتاجه، وعجزه، والتسويات التي حكمت تشكيله.
تمثيل بيروت بين العنوان الجامع والإقصاء
أصدر النائبان إبراهيم منيمنة وملحم خلف بياناً عالي النبرة، اعتبرا فيه أنّه "لا يمكن لأيّ لقاء أن يدّعي تمثيل "نوّاب بيروت" فيما يُستثنى منه عددٌ من النوّاب المنتخبين عن العاصمة". كانت الرسالة واضحة: الاعتراض ليس على الاجتماع مع رئيس الحكومة بحدّ ذاته، بل على استخدام عنوان جامع، كـَ "نوّاب بيروت"، فيما يغيب عنه نوّاب منتخبون يمثّلون جزءاً من المزاج البيروتيّ.
وشدّد منيمنة وخلف على أنّ "بيروت ليست ملكاً لأحد، ولا تُدار بمنطق المناكفات أو الانتقائيّة السياسيّة"، معتبرَين أنّ ما تحتاجه المدينة اليوم هو "تعاون جدّيّ بين جميع ممثّليها لمعالجة أزماتها، لا إعادة إنتاج الممارسات نفسها التي أوصلتنا إلى هذا الواقع". في هذه العبارة يتجاوز البيان حدود العتب البروتوكوليّ، ليضع الاجتماع في خانة ممارسة سياسيّة أوسع، قوامها الاستئثار، والانتقاء، وتهميش الأصوات الناقدة.
ويذهب البيان أبعد من ذلك حين يربط ما جرى بالتجربة البلديّة الراهنة، معتبرًا أنّها "خير دليل على نتائج التسويات الهجينة ومنطق الاستئثار واستبعاد الأصوات الإصلاحيّة والناقدة". وبذلك، يصبح لقاء السراي، في قراءة منيمنة وخلف، امتداداً لمنطقٍ سياسيّ سبق أن حكم الانتخابات البلديّة، وأنتج مجلساً عاجزاً عن تلبية الحدّ الأدنى من تطلّعات أهل العاصمة.
منيمنة: لم نكن خارج الملفّ البيروتيّ
في حديثه إلى "المدن"، يضع النائب إبراهيم منيمنة ما حصل في سياقه المباشر. يقول إنّ المسألة بدأت بعد تنظيم فعاليّة "بيروت خالية من السلاح"، ثمّ عُقد اجتماع آخر تحت عنوان "نوّاب بيروت"، من دون دعوته وزميله ملحم خلف. عندها، وفق منيمنة، بدأ الناس يطرحون السؤال الطبيعيّ: "لماذا لم تُدعَوا؟"، كأنّ عدم الحضور يعني عدم الاهتمام بالقضيّة البيروتيّة أو بالملفّات التي تعني العاصمة.
ويضيف منيمنة أنّ السؤال الذي طُرح لاحقاً كان: "مع مَن ذهب فؤاد مخزومي؟ ومَن كان في الاجتماع؟". وتبيّن، وفق روايته، أنّ عدداً من نوّاب بيروت شاركوا، إلى جانب شخصيّات أخرى، وأنّ المشاركين هم تقريباً أنفسهم الذين التقوا في ملفّ البلديّة. هنا تكمن حساسيّة الاعتراض: ليس فقط في الاستبعاد، بل في إعادة تكوين الاصطفاف نفسه الذي سبق أن أنتج المسار البلديّ المختلف عليه.
ويؤكّد منيمنة أنّه لا يوجد أيّ تواصل حاليَّاً مع النوّاب الذين شاركوا في الاجتماع من دونهم، لافتاً إلى أنّهم كانوا يتابعون موضوع السلاح وغيره من الملفّات البيروتيّة ضمن مسار سياسيّ واضح. ويقول إنّهم عادوا إلى عقد اجتماعات في البلديّة، ثمّ عُقد اجتماع في المجلس لبحث موضوع السلاح وسواه، كما حصل لقاء مع رئيس الحكومة. لكنّ المفاجأة، بالنسبة إليه، كانت في أن يتصرّف بعض النوّاب وكأنّ بإمكانهم الانفراد بالقرار أو عقد اجتماعات منفردة تحت عنوان جامع.
بدر: لا احتكار لتمثيل العاصمة
النائب نبيل بدر دخل بدوره على خطّ الاعتراض، من زاوية أكثر حدّة تجاه المجلس البلديّ. فرأى أنّه "من المعيب أن يجتمع بعض نوّاب بيروت الذين يتصرّفون كأنّهم يحتكرون تمثيل العاصمة ويتحدّثون باسم جميع أبنائها"، معتبراً أنّ هؤلاء يجتمعون، في الحقيقة، "للتغطية على فشل المجلس البلديّ".
بالنسبة إلى بدر، المشكلة لا تبدأ من لقاء السراي، بل من اللحظة التي اجتمع فيها الفريق نفسه، وفق توصيفه، لإنتاج مجلس بلديّ قام على "تحالف هجين" ومحاصصات وتحالفات ظرفيّة، جمعت تناقضات سياسيّة بلا رؤية موحّدة أو مشروع متجانس للعاصمة. وهذا التشخيص يلتقي، ولو من موقع سياسيّ مختلف، مع طرح منيمنة وخلف حول التسويات الهجينة ومنطق الاستبعاد.
ويشدّد بدر على أنّ بيروت لا تحتاج إلى "بيانات إعلاميّة منمّقة أو اجتماعات لالتقاط الصور وتبادل المجاملات السياسيّة الزائفة"، بل إلى حلول فعليّة للفوضى، والأمن، والنظافة، والسير، وأزمة النزوح، وسائر الملفّات الحياتيّة الملحّة. أمّا الخلاصة عنده فهي أنّ العاصمة تحتاج إلى "رؤية واضحة وإدارة فاعلة تضع مصلحة المدينة وأهلها فوق كلّ اعتبار".
وضّاح صادق: مَن خلق المشكلة لا يجد الحلّ
من جهته، ذهب النائب وضّاح صادق إلى لبّ الأزمة البلديّة، معتبراً أنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في المجلس البلديّ نفسه، الذي "تكوّن بشكل هجين ليمثّل أحزاباً وشخصيّات سياسيّة وطائفيّة متناحرة"، وهذا ما انعكس شللاً كاملاً على عمله. فلا خطّة واضحة، ولا اجتماعات منتظمة، وإذا عُقدت اجتماعات فإنّها تتحوّل، وفق توصيفه، إلى ساحة لتصفية الحسابات بالصراخ وتبادل الاتّهامات.
ويطرح صادق حلَّاً جذريَّاً: استقالة المجلس البلديّ، وإعادة انتخاب مجلس جديد متجانس، على أن تُشكَّل لجنة مؤقّتة لإدارة شؤون البلديّة إلى حين إجراء الانتخابات. أمّا محاولة تعويم المجلس القائم، فيرى أنّها لن تؤدّي إلّا إلى مزيد من الأزمات التي تعاني منها العاصمة.
مخزومي: جدول زمنيّ ومطالب واضحة
في المقابل، قدّم النائب فؤاد مخزومي رواية مختلفة للّقاء. فكتب عبر "إكس" أنّ الاجتماع مع رئيس الحكومة نواف سلام جاء استكمالاً للقاء عُقد مع محافظ بيروت القاضي مروان عبود ورئيس المجلس البلدي إبراهيم زيدان، وبحضور وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار، وعدد من نوّاب العاصمة.
ووفق مخزومي، عُرضت أمام رئيس الحكومة سلّة من القضايا الملحّة، مع طلب وضع جدول زمنيّ واضح لتنفيذ الإجراءات المطلوبة ومتابعتها مع الجهات المعنيّة. وفي مقدّمة هذه القضايا، جعل بيروت آمنة وخالية من السلاح غير الشرعيّ، عبر التنفيذ الكامل والفوريّ لقرارات الحكومة وبسط سلطة الدولة وتعزيز حضور الجيش والقوى الأمنيّة.
كما شملت المطالب معالجة أوضاع العائلات المقيمة في الخيم ومراكز الإيواء غير المنظّمة على الواجهة البحريّة، ووضع خطّة إنسانيّة واجتماعيّة تؤمّن بدائل سكنيّة مناسبة، إضافة إلى إيجاد حلّ مستدام لأزمة النفايات، وتسريع الموافقات على العقود والمشاريع البلديّة، وملء الشواغر في بلديّة بيروت، وإزالة التعدّيات، وإنصاف فوج إطفاء بيروت عبر إقرار الترقيات المستحقّة لعناصره.
أزمة أعمق من لقاء
هكذا، تحوّل لقاء السراي من محاولة لإظهار متابعة نيابيّة لملفّات العاصمة إلى ترجمة لأزمة تمثيل وإدارة داخل البيت البيروتيّ نفسه. في العمق، تكشف هذه السجالات أنّ بيروت تدفع ثمن تراكُمين: تراكُم أزمات خدماتيّة وأمنيّة واجتماعيّة خانقة، وتراكُم منطق سياسيّ يتعامل مع العاصمة كساحة نفوذ لا كمدينة تحتاج إلى إدارة. وبين مَن يرفع شعار التعاون الشامل، ومَن يطالب بإسقاط المجلس البلديّ، ومَن يسعى إلى جدول زمنيّ حكوميّ للمعالجة.




