على مسافة 11 يومًا من موعد اللقاء المرتقب في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، تدخل الساحة اللبنانيّة مرحلةً حرجةً في حسابات الربح والخسارة. فالمعركة تحوّلت إلى سباقٍ محموم بين استراتيجيّتين متناقضتين: استراتيجيّة لبنان الرسميّ التي تتمسّك بالحلّ الدبلوماسيّ لإنقاذ ما تبقّى من كيان الدولة، واستراتيجيّة إسرائيل التي تقودها حكومة بنيامين نتنياهو، وتقوم على توظيف التفاوض كمنصّةٍ للمناورة وكسب الوقت، في انتظار تعديل الخرائط على الأرض.
وعلى رغم الضغوط العسكريّة والتحدّيات التي يتعرّض لها لبنان الرسميّ، برز اليوم تأكيدٌ جديد من الرئيس جوزاف عون على التمسّك الصارم بمسار الدبلوماسيّة والتفاوض كسبيلٍ وحيدٍ وأخير لإنقاذ البلد من منزلق الانهيار الشامل. وهذا التمسّك ينطلق من قراءةٍ واقعيّة لمواجهة الجموح الإسرائيليّ أوّلًا، ولتدارك أيّ صدامٍ داخليّ أو استدراجٍ للجيش نحو مآزق غير محسوبة، ما سيعني رصاصة الرحمة على الاستقرار اللبنانيّ. وفي هذا المعنى تحديدًا، يمكن اعتبار الحراك الدبلوماسيّ الذي يديره السفير الأميركيّ في بيروت، ميشال عيسى، لإيضاح البيان الثلاثيّ، بالتنسيق مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، مكمّلًا في تحقيق الهدف، لا مناقضًا لجهود رئيسَي الجمهوريّة والحكومة.
ولكن، في المقابل، تبدو المقاربة الإسرائيليّة مختلفة تمامًا في أهدافها التكتيكيّة. فنتنياهو يمارس عمليّة "تضليل دبلوماسيّ" مدروسة. وتشير المعطيات إلى أنّ تل أبيب تسرّب طروحات معيّنة في الكواليس حول "الترتيبات الأمنيّة التدريجيّة" و"المناطق النموذجيّة"، لا لرغبةٍ حقيقيّة في إبرام اتّفاق وشيك، بل لاتّخاذ هذه الأفكار "ملهاة" سياسيّة تمنح جيشها الوقت الكافي لإنجاز التوغّل البرّي جنوبًا. وفي أيّ حال، هو أعلن اليوم عن سعيٍ حقيقيّ إلى إيجاد طرقٍ ناجعة لتجنّب خطر المسيّرات.
هدف نتنياهو الأساسيّ في هذه المرحلة هو الضغط الأقصى لتحصيل تقدّم ملموس على الأرض، وتحديدًا التركيز العسكريّ المكثّف على محورَي النبطيّة وصور. وتدرك القيادة الإسرائيليّة أنّ السيطرة على هذين المحورين الاستراتيجيّين سيعني حكمًا تثبيت واقع "الحزام الأمنيّ الثاني" الممتدّ إلى جنوب نهر الزهراني، بعدما فرض الإسرائيليّون واقعًا عسكريًّا جنوب نهر الليطاني. ويرى نتنياهو، المستفيد من دعم إدارة ترامب والاقتناع الدوليّ بضرورة تقويض النفوذ الإقليميّ الإيرانيّ، أنّ الوقت يخدمه. لذلك، يمرّ الجنوب اللبنانيّ بأيّام حرجة، بين تمسّك لبنان الرسميّ بالدبلوماسيّة كقارب نجاة وحيد لإنقاذ الدولة، والمناورة الإسرائيليّة التي تستخدم التفاوض غطاءً لعمليّات قضم جديدة.
واشنطن بين التفاوض والميدان
لا تبدو الجولة الخامسة المرتقبة في واشنطن مجرّد محطة تفاوضيّة عاديّة، بل اختبارًا سياسيًّا وعسكريًّا مزدوجًا. فلبنان يذهب إليها محكومًا بثلاثة اعتبارات أساسيّة: وقف النار، تثبيت دور الجيش، ومنع تحويل الجنوب إلى مساحةٍ مفتوحة للتوغّل الإسرائيليّ الدائم. أمّا إسرائيل، فتتعامل مع الموعد الأميركيّ بوصفه هامشًا إضافيًّا لإعادة ترتيب الوقائع الميدانيّة قبل تثبيتها على الطاولة.
من هنا، اكتسبت الاتّصالات بين بعبدا وعين التينة أهميّةً مضاعفة. فاللقاء بين المعاون السياسيّ للرئيس نبيه برّي، النائب علي حسن خليل، ومستشار رئيس الجمهوريّة أندريه رحّال، لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل جزءًا من محاولة لبنانيّة لتوحيد القراءة قبل الدخول إلى مفاوضاتٍ يعرف الجميع أنّها لن تكون سهلة. ويُصرّ برّي، وفق المعطيات، على أنّ وقف إطلاق النار هو المدخل الإلزاميّ لأيّ بحثٍ لاحق، لأنّ أيّ تفاوضٍ تحت النار يمنح إسرائيل تفوّقًا معنويًّا وميدانيًّا، ويحوّل لبنان إلى طرفٍ يفاوض تحت ضغط النزف.
وتقول مصادر رسميّة إنّ العلاقة بين بعبدا وعين التينة "جيّدة جدًّا"، وإنّ التنسيق قائم في الملفّ التفاوضيّ. لكنّ الأهمّ سياسيًّا أنّ هذا التنسيق لا يستهدف إنتاج موقفٍ شكليّ، بل منع تعدّد الخطابات اللبنانيّة أمام واشنطن وتل أبيب. فكلّ ثغرةٍ داخليّة ستتحوّل، في الحساب الإسرائيليّ، إلى فرصةٍ لإضعاف السقف اللبنانيّ.
عون يرسم حدود الموقف اللبنانيّ
في بعبدا، ترأّس رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون اجتماعًا ضمّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ورئيس الوفد المفاوض السفير سيمون كرم، والضبّاط أعضاء الفريق العسكريّ. وقد خُصّص الاجتماع لتقييم جولتي واشنطن السابقتين في 29 أيّار و2 و3 حزيران، في البنتاغون ووزارة الخارجيّة الأميركيّة، مع الجانبَين الأميركيّ والإسرائيليّ.
أهمّيّة الاجتماع لا تكمن في طابعه التقنيّ فقط، بل في أنّه يعكس محاولة الرئاسة تحويل التفاوض إلى خطّة دولة، لا إلى ردّ فعلٍ ظرفيّ. فالرئيس عون زوّد الوفد بالتوجيهات المتعلّقة بالجولة المقبلة التي تبدأ في 22 حزيران، وسط تحضيرات عسكريّة وسياسيّة هدفها تثبيت برنامج تفاوض واضح. هنا، يحاول لبنان تفادي الوقوع في فخّ الغموض الإسرائيليّ، إذ إنّ تل أبيب، وفق القراءة اللبنانيّة، لا تقدّم خطّةً محدّدة، بل تطرح أفكارًا عامّة قابلة للتأويل، ثمّ تستثمر الغموض في الميدان.
وفي موازاة ذلك، جاءت مواقف عون لوكالة "رويترز" لتضع إطارًا سياسيًّا أوسع للموقف اللبنانيّ. قوله إنّ مستقبل لبنان "في أيدي اللبنانيّين، وليس بيد إيران أو إسرائيل"، لم يكن مجرّد إعلان سياديّ، بل رسالة مزدوجة: إلى الخارج بأنّ لبنان ليس ورقةً إيرانيّة، وإلى الداخل بأنّ الدولة لن تقبل أن تكون غطاءً لحروب الآخرين. كذلك، فإنّ تشديده على أنّ لبنان "لا يقبل أن تملي عليه إيران ما يجب فعله"، يضع الرئاسة في مواجهة مباشرة مع منطق الوصاية الإقليميّة، من دون أن يعني ذلك تبنّي السرديّة الإسرائيليّة.
الدبلوماسيّة كخيار اضطراريّ
يدرك عون أنّ خيار التفاوض سيتعرّض لحملات تشكيك وتخوين. لذلك، حرص على تقديمه كواجب دستوريّ وسياديّ، لا كتراجعٍ سياسيّ. فالرئيس يكرّر أنّ "لا حلّ عسكريًّا"، وأنّ الحروب لم تمنح لبنان يومًا مكاسب صافية، بل راكمت خسائر في البشر والحجر والمؤسّسات. وهذا الخطاب لا يخاطب الخارج وحده، بل يوجّه رسالة إلى الداخل اللبنانيّ، وخصوصًا إلى القوى التي لا تزال ترى في السلاح خارج الدولة عنصر توازن لا عبئًا استراتيجيًّا.
عندما يقول عون إنّ "الدولة تحمي الطوائف اللبنانيّة وليس العكس"، فهو يعيد تعريف المعادلة الداخليّة. فلبنان، في لحظة الخطر، لا يحتاج إلى طوائف تبحث عن حمايات خاصّة، بل إلى دولةٍ تستعيد احتكار القرار الأمنيّ والسياسيّ. بهذا المعنى، لا ينفصل التفاوض مع إسرائيل عن معركة إعادة بناء الدولة في الداخل. فكلّما تراجعت الدولة، تقدّمت الذرائع الإسرائيليّة. وكلّما تمدّدت القوى المسلّحة خارج القرار الرسميّ، صار لبنان أكثر قابلية للاستباحة.
السعوديّة تدخل من بوّابة الدولة والاقتصاد
في هذا التوقيت، تكتسب زيارة الموفد السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت دلالةً سياسيّة واقتصاديّة. فهي تأتي بعد قرار المملكة استئناف استقبال الصادرات اللبنانيّة، في خطوةٍ تتجاوز بعدها التجاريّ إلى رسالة دعمٍ للمؤسّسات الشرعيّة اللبنانيّة وسيادة لبنان ووحدة أراضيه ومسار الإصلاح.
الموقف السعوديّ يقدّم للبنان عنصر توازن مهمًّا. فالدعم العربيّ، وخصوصًا السعوديّ، يمنح الدولة هامشًا أوسع في مواجهة الابتزاز الإسرائيليّ من جهة، والارتهان الإقليميّ من جهة أخرى. كما أنّ إعادة فتح الباب أمام الصادرات اللبنانيّة تُشكّل إشارة ثقة مشروطة باستمرار الإصلاح وتثبيت منطق الدولة. وبالنسبة إلى عون، فإنّ شكر السعوديّة على رفع الحظر ليس مجرّد مجاملة، بل محاولة لإعادة وصل لبنان بعمقه العربيّ بعد سنواتٍ من القطيعة والشكوك.
إسرائيل تفاوض لتوسيع الهامش
في المقابل، يقدّم نتنياهو نموذجًا مختلفًا تمامًا. فهو لا يتعامل مع المفاوضات كمسار لإنهاء الحرب، بل كوسيلةٍ لإدارة الحرب بشروط أفضل. تصريحاته من نوف هجليل عن فرض الأمن في الجليل تكشف أنّ هدف حكومته ليس خفض التصعيد بقدر ما هو نقل التجربة الجنوبيّة إلى الشمال. فالأمن، في قاموس نتنياهو، لا يعني ترتيباتٍ متبادلة، بل فرض وقائع عسكريّة تسبق أيّ اتّفاق.
وهذا ما يفسّر الإصرار الإسرائيليّ على إبقاء الضغط قائمًا في الجنوب اللبنانيّ، مع تركيز خاصّ على محورَي النبطيّة وصور. فالسيطرة على هذين المحورين، أو الضغط عليهما بالنار والحركة، يمنح إسرائيل قدرةً على رسم حزامٍ أمنيّ أعمق من الليطاني، ويحوّل "الترتيبات المؤقّتة" إلى واقعٍ طويل الأمد. لذلك، تبدو فكرة "المناطق النموذجيّة" خطرة إذا لم تُضبط لبنانيًّا ودوليًّا، لأنّها قد تتحوّل من مدخلٍ لوقف التدهور إلى بوّابةٍ لتقسيم أمنيّ غير معلن.
الجيش بين الانتشار والاستدراج
يبقى الجيش اللبنانيّ في قلب المعادلة. فالمفاوضات، كما تُطرح، تقوم على عودة الجيش إلى مناطق التوتّر، وسحب المسلّحين، وتهيئة ظروف عودة النازحين وإطلاق إعادة الإعمار. لكنّ هذه المهمّة محفوفة بالمخاطر. فإذا انتشر الجيش من دون وقفٍ واضح للنار، تحوّل إلى هدفٍ أو شاهد عاجز. وإذا تأخّر انتشاره، استثمرت إسرائيل الفراغ لتبرير بقائها وتوغّلها.
لذلك، تحتاج الدولة إلى معادلة دقيقة: انتشار الجيش يجب أن يكون نتيجة وقف نار مضمون دوليًّا، لا بديلًا عنه. كما أنّ أيّ ترتيبات أمنيّة يجب أن تُصاغ تحت عنوان السيادة اللبنانيّة، لا تحت عنوان إدارة مناطق عازلة لمصلحة إسرائيل. وهنا تكمن أهمّيّة تمسّك عون بالنقاط المعروفة: الانسحاب الإسرائيليّ، وقف الاعتداءات، انتشار الجيش، عودة النازحين، ومعالجة ملفّ الأسرى.
المشهد اللبنانيّ يقف اليوم أمام سؤالٍ حاسم: هل تنجح الدولة في تحويل التفاوض إلى أداةٍ لوقف الحرب واستعادة السيادة، أم تنجح إسرائيل في تحويله إلى غطاءٍ لتوسيع السيطرة؟ بين هذين الاحتمالين تتحرّك كلّ الاتّصالات، من بعبدا إلى عين التينة، ومن واشنطن إلى الرياض.
نتنياهو يراهن على الوقت، وعلى فائض القوّة، وعلى تعب اللبنانيّين، وعلى الانقسام الداخليّ. أمّا عون، فيراهن على الدبلوماسيّة، وعلى الدعم العربيّ والدوليّ، وعلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة. وبين الرهانين، يقف الجنوب على حافة أيّامٍ شديدة الحساسيّة، حيث لا تكفي النوايا الحسنة، ولا تنفع الشعارات العالية. المطلوب موقف لبنانيّ موحّد، وخطّة تفاوضيّة صلبة، وضمانات دوليّة لا تسمح بتحويل "إعلان واشنطن" إلى نسخةٍ جديدة من الوقائع المفروضة بالنار.
فإذا كانت الحرب قد كشفت حدود السلاح خارج الدولة، فإنّ التفاوض سيكشف حدود الدولة نفسها: إمّا أن تكون قادرةً على حماية لبنان بقرارٍ واحد وسيادةٍ واحدة، وإمّا أن تبقى البلاد معلّقةً بين حروب الآخرين ومناورات نتنياهو على الخرائط.




