عندما يتغير الميزان: "المرتدون" وصناعة الذاكرة الانتقائية

مصطفى علّوشالخميس 2026/06/11
تظاهرة 8 آذار 2005 (Getty)
المراجعة الحقيقية تبدأ بالاعتراف لا بالإنكار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"يا وَيحَها خُلَّةً لَو أَنَّها صَدَقَت         ما وَعَدَت أَو لَو أَنَّ النُصحَ مَقبولُ

لَكِنَّها خُلَّةٌ قَد سيطَ مِن دَمِها            فَجعٌ وَوَلعٌ وَإِخلافٌ وَتَبديلُ

فَما تَدومُ عَلى حالٍ تَكونُ بِها          كَما تَلَوَّنُ في أَثوابِها الغولُ

وَما تَمَسَّكُ بِالوَصلِ الَّذي زَعَمَت    إِلّا كَما تُمسِكُ الماءَ الغَرابيلُ

كَانَت مَواعيدُ عُرقوبٍ لَها مَثَلاً      وَما مَواعيدُها إِلّا الأَباطيلُ" (كعب بن زهير)

 

في لبنان، لا تُقاس التحولات السياسية بحجم ما يتغير في القناعات بقدر ما تُقاس بحجم ما يتغير في موازين القوى. فقلّما شهد اللبنانيون انقلابًا سياسيًا لم يكن وراءه تبدل في مراكز النفوذ أو تبدل في موازين القوة الداخلية والإقليمية. لكن المشكلة ليست في تبدل المواقف بحد ذاته، فالمراجعة السياسية حق مشروع، بل ربما تكون ضرورة في بعض الأحيان. المشكلة تبدأ عندما يتحول تغيير الموقف إلى عملية محو منظمة للذاكرة، وعندما يحاول بعض السياسيين إقناع الناس بأنهم كانوا دائمًا حيث يقفون اليوم.

 

على مدى عقود، شكّل كل من حزب الله والنظام السوري ركيزتين أساسيتين في المشهد السياسي اللبناني. سواء اتفق اللبنانيون مع هذا الواقع أم اختلفوا معه، فقد كان الطرفان يمتلكان نفوذًا واسعًا مكّنهما من التأثير في تشكيل الحكومات، وإنتاج التسويات، وصناعة التوازنات، وترجيح كفة هذا الفريق أو ذاك في محطات مفصلية من تاريخ البلاد. خلال تلك المرحلة، لم يكن حزب الله معزولًا كما يحاول البعض تصويره اليوم، ولم يكن النظام السوري محاصرًا سياسيًا داخل لبنان. على العكس تمامًا، فقد أحاطت بهما شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء والمستفيدين من مختلف الطوائف والاتجاهات السياسية. بعض هؤلاء وصل إلى البرلمان، وبعضهم أصبح وزيرًا أو مديرًا عامًا أو زعيمًا محليًا بفضل التسويات التي أتاحتها تلك المرحلة. وبعضهم لم يتردد يومًا في الدفاع عن خيارات حزب الله الإقليمية أو عن الدور السوري في لبنان عندما كانت مصلحته السياسية تقتضي ذلك. كما أن الكثيرين منهم شارك في جرائم اغتيالات وفساد واسع أو غطوا وسكتوا عنها، لا بل دافعوا عنها بشكل سافر.

 

لكن السياسة اللبنانية تمتلك قدرة استثنائية على إعادة إنتاج الذاكرة. فبمجرد أن تغيرت الظروف الإقليمية، وتراجع النفوذ السوري، واهتزت البيئة السياسية التي كان يتحرك ضمنها حزب الله، بدأ كثير من المستفيدين السابقين عملية انتقال سريعة إلى الضفة الأخرى. وفجأة اكتشفوا فضائل السيادة، وتذكروا أهمية القرار الوطني المستقل، وراحوا يتحدثون عن فضائل التضامن العربي في وجه "الفرس" وأحياناً "المجوس". وأصبحوا من أشد المنتقدين للقوى التي كانوا بالأمس القريب جزءًا من منظومتها أو من المستفيدين من نفوذها.

لا أحد يعترض على حق أي سياسي في مراجعة مواقفه. فالسياسة ليست دينًا، والتحالفات ليست عقائد مقدسة. لكن المراجعة الحقيقية تبدأ بالاعتراف لا بالإنكار. تبدأ بالقول نعم، تحالفنا سابقًا مع هذه القوى لأننا اعتقدنا أنها تخدم مصالحنا أو مصالح البلاد، ثم اكتشفنا أن تقديرنا كان خاطئًا. أما أن يتحول المستفيد السابق إلى قاضٍ يصدر الأحكام على مرحلة كان أحد أبرز المشاركين فيها، فذلك يطرح أسئلة مشروعة حول صدقية هذا التحول وأسبابه الفعلية. وهذا يعني بالضرورة التخلي عن المواقع والمكاسب التي كسبوها بسبب تحالفاتهم وسكوتهم أو تآمرهم. لكن، بدلاً من ذلك، اللافت هو أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالابتعاد عن حلفائهم السابقين، بل يبالغون في هجائهم بطريقة توحي وكأنهم يحاولون محو آثار الماضي بالكامل. فكل ما كان مقبولًا بالأمس أصبح جريمة اليوم، وكل ما كان يُمدح بالأمس أصبح خيانة وطنية. وكأن التاريخ يبدأ من اللحظة التي قرر فيها هؤلاء تغيير مواقعهم السياسية.

 

الأمر نفسه ينطبق على العلاقة بالنظام السوري. فكم من سياسي لبناني أمضى سنوات طويلة في ظل الوصاية السورية أو تحت مظلة النفوذ السوري، واستفاد من تلك المرحلة سياسيًا وإداريًا وانتخابيًا، كما أوجد المبررات لوحشية نظام الأسد بحجة الهجمة الصهيونية والدفاع عن السيادة، وسكت عن عمليات تفجير إرهابية ثبت تورط نظام الأسد فيها، ثم خرج لاحقًا ليتحدث وكأنه كان في مقدمة المقاومين لها أو أنه كان أكثر المتضررين والمستهدفين من ذاك النظام. وكم من شخصية بنت نفوذها بفضل علاقاتها بدمشق ثم تحولت لاحقًا إلى أحد أبرز منظّري السيادة والاستقلال. المشكلة هنا ليست في نقد النظام السوري أو في انتقاد حزب الله. فالنقد حق مشروع، بل ضرورة في الحياة الديمقراطية. المشكلة هي في محاولة إعادة كتابة التاريخ بطريقة تجعل المستفيدين السابقين يظهرون كضحايا دائمين أو كمعارضين تاريخيين، بينما يعرف اللبنانيون جيدًا حجم التقاطعات والتحالفات والمصالح التي جمعتهم بتلك القوى طوال سنوات طويلة.

 

الأكثر إثارة للانتباه هو الحفاوة التي يستقبل بها بعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين هؤلاء "التائبين" الجدد. فبمجرد أن يغير السياسي اتجاهه، يصبح فجأة رمزًا للسيادة والعروبة والاستقلال، من دون أي مساءلة جدية لتاريخه السابق أو لموقعه في المنظومة التي يهاجمها اليوم. وكأن المطلوب ليس تقييم السلوك السياسي نفسه، بل فقط معرفة الجهة التي يهاجمها أو يدعمها في اللحظة الراهنة.

وهنا تكمن إحدى أعمق أزمات الحياة السياسية اللبنانية. فالمشكلة ليست فقط في السياسي الذي يبدل مواقفه وفق اتجاه الرياح، بل أيضًا في الثقافة السياسية التي تكافئ هذا السلوك عندما يخدم مصالحها، ثم تدينه عندما يصدر عن خصومها. فالانتهازية لا تصبح فضيلة لأنها انتقلت من محور إلى محور آخر، والتبعية لا تتحول إلى استقلال لمجرد أنها غيرت وجهتها.

 

لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة نتيجة ارتهان جزء من طبقته السياسية لمراكز القوى الخارجية، سواء كانت سورية أو إيرانية أو غيرهما. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس استبدال محور بآخر، ولا تحويل خصومات الأمس إلى صداقات دائمة أو صداقات الأمس إلى عداوات أبدية، بل بناء معيار سياسي واحد يُطبَّق على الجميع. فالعروبة ليست شعارًا يُرفع عندما تتغير التوازنات. والسيادة ليست موقفًا انتقائيًا تجاه بعض العواصم دون غيرها. والاستقلال لا يُقاس بمقدار الابتعاد عن جهة معينة مع التغاضي عن الارتهان لجهات أخرى. هذه القيم تكتسب معناها من ثباتها لا من قابليتها للاستخدام الموسمي.

ليست المشكلة في أن بعض السياسيين اللبنانيين ابتعدوا عن حزب الله أو انتقدوا إيران أو راجعوا علاقتهم بالنظام السوري. فذلك حقهم الكامل. المشكلة تكمن في محاولة تقديم هذا التحول كأنه ولادة جديدة تمحو كل ما سبقها، وفي استعداد بعض القوى للاحتفاء بهذا التحول من دون أي مراجعة للتاريخ القريب. إن الدول لا تُبنى على النسيان، بل على الذاكرة. ولا تُبنى على إعادة تدوير الخطابات، بل على المحاسبة. أما حين تتحول السياسة إلى فن القفز بين المراكب كلما تبدلت الرياح، فإن الأزمة لا تكون في المركب الذي غادره السياسي، بل في الثقافة التي تكافئه كلما نجح في الصعود إلى المركب التالي.

 

ولعلّ أكثر ما يثير الإحباط في هذا المشهد ليس انتقال بعض السياسيين من موقع إلى آخر، بل الموقع الذي يُمنح لهم بعد هذا الانتقال. فهناك لبنانيون دفعوا أثمانًا سياسية وشخصية ومهنية لمعارضتهم الوصاية السورية عندما كانت في أوج قوتها. وهناك من واجهوا سطوة السلاح وهيمنة حزب الله والنفوذ الإيراني عندما كان الاعتراض مكلفًا، وقد خسر بعضهم مواقعهم أو حريتهم أو أمنهم الشخصي وأحيانا حياتهم أو فرصهم السياسية بسبب تلك المواقف. هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم في آخر الصفوف، بينما يتصدر المشهد أشخاص أمضوا سنوات طويلة في الاستفادة من النظام الذي يهاجمونه الآن. يصبح المستفيد السابق نجم المهرجانات والندوات والاحتفالات، ويُستقبل بوصفه شاهدًا على مرحلة أو رمزًا لتحول سياسي، فيما يُترك أصحاب المواقف الثابتة على هامش المشهد وكأنهم مجرد تفصيل عابر في القصة.

إنها مفارقة قاسية في الحياة السياسية اللبنانية. فالذي دفع الثمن كاملًا لا ينال سوى الاعتراف المحدود، بينما الذي وصل متأخرًا إلى الموقف نفسه يحصد الأضواء والتكريم. كأن قيمة الموقف لا تُقاس بموعد اتخاذه أو بثمنه، بل بقدرته على الانسجام مع المزاج السياسي السائد في اللحظة الراهنة.

 

تستحضر هذه الظاهرة، ولو بصورة رمزية، قصة الابن الضال في الإنجيل. ففي الرواية الإنجيلية يعود الابن الذي غادر بيت أبيه وأهدر ميراثه، فيستقبله الأب بالفرح ويقيم له الوليمة. غير أن الأخ الذي بقي مخلصًا ومتعبًا في خدمة البيت يشعر بالمرارة، لأنه لم ينل الاحتفاء نفسه بالرغم من سنوات الالتزام الطويلة. وقد أرادت القصة الأصلية أن تُظهر سعة الرحمة وقبول التوبة. لكن السياسة ليست دينًا، والدولة ليست أبًا روحيًا، والعمل العام لا يقوم على الغفران وحده بل على المساءلة أيضًا. لذلك فإن الترحيب بأي مراجعة سياسية يبقى أمرًا صحيًا ومطلوبًا، لكن من دون تحويل التائبين الجدد إلى أبطال تاريخيين، ومن دون تجاهل أولئك الذين تمسكوا بمواقفهم عندما كان الثمن باهظًا. فالعدالة السياسية لا تعني معاقبة من غيّر رأيه، لكنها تقتضي أيضًا عدم محو الفارق بين من سبق إلى الموقف ودفع كلفته، ومن وصل إليه بعد أن تبدلت موازين القوى وأصبح الطريق إليه معبّدًا وآمنًا.

إن الأمم التي تفقد ذاكرتها تكافئ الوصول المتأخر أكثر مما تكافئ الثبات، وتحتفي بالتحول أكثر مما تحتفي بالشجاعة. أما المجتمعات التي تحترم تاريخها فتستطيع أن ترحب بالعائدين من دون أن تنسى الذين بقوا واقفين في مواقعهم عندما كان الوقوف مكلفًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث