ينطلق اليوم مونديال 2026، الحدث الرياضي الأكثر إثارة وشعبية في العالم. في نسخة قطر 2022، تابعه نحو خمسة مليارات شخص. والمناسبة التي تتكرر كل أربع سنوات، ابتدأت عام 1930 مع 13 منتخباً فقط، وباتت اليوم بنسخة متضخمة تضم 48 منتخباً، وتستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
"أتباع" كرة القدم أكثر عدداً من أي ديانة كبرى، الشغف والتعلق بها عابر للثقافات والهويات ولأي تصنيف سياسي أو جندري أو طبقي.. وهو ما حوّل "الفيفا" (الاتحاد الدولي لكرة القدم) أكثر المؤسسات ثراء، بعدما أضحت كرة القدم "السلعة" الأوسع انتشاراً. إذ من المتوقع أن يحقق مونديال 2026 وحده (39 يوماً) أرباحاً لـ"الفيفا" بنحو 6 مليارات.
ويبدو أن تسليع اللعبة واللاعبين والأندية والمشاهدة في الملاعب كما عبر التلفزيون ومنصات الإنترنت، وصل إلى ذروة جديدة في العقد الأخير. والاستثمار في كرة القدم بات يوازي الاستثمارات الأكثر ربحية في البورصات والصفقات الكبرى. القيمة السوقية للاعبي منتخب فرنسا مثلاً حوالى مليار ونصف المليار دولار. أما قيمة نادٍ أوروبي كريال مدريد فتبلغ نحو 9 مليار دولار. وفي مونديال 2026، يصل سعر تذكرة الملعب في المتوسط إلى أكثر من ألفين وخمسمئة دولار أميركي. هذا مع العلم، أن كرة القدم تاريخياً هي ابنة الطبقة العاملة، لاعبين ومشجعين.
هذا التحول رأيناه بداية في الملاعب الأوروبية، إذ بات السياح والأثرياء يستحوذون أكثر فأكثر على مقاعد الملاعب، وتتلاشى "جماهير" المشجعين المتحمسين والمتعصبين والمتحفزين والصاخبين، لتحل مكانهم كتل متعاظمة من "المتفرجين" المتأنقين المشغولين بكاميرات هواتفهم والسيلفي. كذلك، راحت هوية النوادي تتغير بالتدريج، من كونها نادياً لأبناء المدينة إلى "شركة" استثمارية كبرى لمساهمين ورأسماليين، الربح هو هدفهم الأول. وهذا ما جعل سوق الانتقالات وبيع اللاعبين وشرائهم، والتعاقد مع شركات الإعلانات أو الشركات الراعية وحقوق البث التلفزيوني وأسعار التذاكر، أكثر أهمية من اللعبة نفسها. واللاعب نفسه صار يخضع لمعايير التسويق والدعاية والإعلام (من ماركة حذائه إلى قصة شعره) بقدر خضوعه للتدريب.
ومن أجل المزيد من الربح، تضخمت جداول المباريات ومناسباتها المتكاثرة وبطولاتها، وتعاظمت مواعيد المباريات وتكثفت إلى حد الاستنزاف للاعبين. فالسمة الغالبة اليوم في ملاعب كرة القدم هي الإرهاق والإصابات التي تلاحق اللاعبين بوتيرة متصاعدة. وربما لهذا السبب منحت القوانين الجديدة للعبة إمكانية تبديل خمسة لاعبين أثناء المباراة، بعدما كانت ثلاثة لاعبين فقط. وأيضاً، توسع عدد المنتخبات المشاركة في المونديال إلى 48 منتخباً، بما يكثر عدد المباريات وساعات البث.. ودوماً على حساب مستوى البطولة، وللمزيد من الإرهاق للاعبين الذين أنهوا للتو موسم اللعب المديد في أنديتهم.
مع ذلك، لا مهرب من سحر المستديرة وميدانها والتسعين دقيقة إثارة. لا مهرب من فتنة التشجيع والمشاهدة، خصوصاً في بلادنا التعسة الغارقة في حروبها وعنفها وانهياراتها وكوارثها.
مع بداية الصيف، تشهد مدن العالم الكبرى كما بلداته الصغيرة، ما لا يُعد ويحصى من المهرجانات والكرنفالات والمناسبات الفلكلورية والرياضية والترفيهية والأعياد الموسمية.. بهجات وأفراح جماعية وظواهر تسلية ولعب وعطلات سياحية، فيما تربض ديارنا تحت القصف والفوضى والتعاسة والتشريد والقتل العشوائي والعنف بكل وجوهه. صيفنا كما في كل الفصول منذور للمزيد من البؤس والخراب...
وفي عز مصائبنا، نجلس لنتفرج على العالم وهو يحتفي بالحياة واللعب والمسرات الصغيرة. كم مرة حدث هذا؟
أذكر تماماً أطفال وشبان غزة وهم يجلسون بين الخرائب يشاهدون مباريات بطولة أمم أوروبا أو كلاسيكو ريال مدريد وبرشلونة. أذكر تماماً كيف شاهدنا مونديال 1982 والغارات تدك بيروت، كما أتذكر مقاتلي المعارضة السورية وهم يتابعون كرة القدم تحت القصف في ضواحي دمشق.
وعلى الأرجح، سنكون في لبنان مع هذا المونديال تحت القصف مجدداً.




