"أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مُستشهدًا"، تقول القصيدة التي كتبها الشاعر حسن العبد الله وغناها مرسيل خليفة، وشكّلت واحدة من أكثر الأعمال الفنية التي دغدغت عواطف الوجدان العربي عامة، واليساري خاصة، إبان صعود حركات المقاومة في السبعينيات والثمانينيات.
كُتبت القصيدة وغُنَّت في معرض استخدام اليسار -ووَرَثته- لكافة "المؤثرات" في خدمة حربٍ انخرط فيها، وكان من الضروري "رفدها" بالأرواح الكثيرة والتضحية بالمصائر والممتلكات فداءً لها. واستُعملت مثل غيرها، وكما استعمل غيرنا غيرها في أماكن كثيرة قريبة وبعيدة، من أجل شدّ أزر المقاتلين ورفاقهم، وخاصة عائلاتهم التي "أُرغِمت" على استبدال تقبّل الحياة (العادية) وحِداد الموت الحقيقيَين بالأشعار والأغاني، وتبريك العائدين في نعوش.
فباتت الوالدة (والعائلة) تنتظر ابنها الغائب عنها ليس لتغمره وتحضنه وتفرح بنجاحاته، كمعظم الأمهات، وإنما لتؤبّنه إلى الأبد على وقع الأغنية الجاهزة، مُعليَّةً قيَم "التضحية في سبيل القضية" على أية غصّة أو زفرة تذبح صدر أي كائن فَقَد وليده في عالم الإنسان والحيوان؛ أو هكذا نحب أن نظنّ بها في ظنّنا المعطوب.
في الخلاصة، اختبأت خلف الأغنية واحدة من أقسى عمليات "الهندسة الاجتماعية والأيديولوجية"؛ عملية أرادت تحويل الغريزة الإنسانية الأعمق والأصدق إلى ترسٍ في ماكينة حربية "خدمت" في وجه إسرائيل، ولكن أيضاً في مختلف الزواريب والأحياء، حيث اختلطت المبادئ والقيَم بالرذائل والآثام.
لن أناقش هنا "القضية" بذاتها وأحقيتها والموت في سبيلها. فلكلّ جندي على أي جبهة قضيته وقائده وعَلَمه. ولكلّ جندي رفاقه المتأهبين للرقص بنعشه إن عاد مستشهداً. إنما لكل جندي أيضاً والده ووالدته، اللذان على الأرجح، وبعد انتهاء الاحتفال وانصراف الجميع، سينتبهون إلى خسارتهم الحقيقية. وهي خسارة لهم وحدهم، بالرغم من كل المعزّين المتبارين في فن الخطابة والبلاغة.
صناعة فاخرة
لم تخترع الأيديولوجيا حِرفة "التضحية بالنفس من أجل الآخرين" فهي سابقة على أي وعي بشري، ولكنّها صقلَتها على مدى العصور بدقة وإتقان، وقدّمتها كتحفة فنيَّة خالية من العيوب وجاهزة للتذوق: التضحية في سبيل القضية.
قامت الجيوش والإمبراطوريات على هذه "التحفة" واستثمرت فيها، كما فعل أيضاً مناوؤها. لهذا السبب لم تكتفِ الإمبراطوريات القديمة بتجنيد الرجال، بل جنّدت الشعراء والمغنّين أيضاً. ولم تكتفِ الحركات الثورية والجهادية الحديثة بصناعة البنادق ورسم الخطط فحسب، بل صنعت معها الأغاني والرموز والأساطير. كان لا بد من تحويل الفاجعة إلى احتفال، والخسارة إلى انتصار، والنعش إلى منصّة خطابية لجعل الموت الفردي رخيصاً أمام بقاء "القضية" أو "الجماعة" أو حتى "القائد المُلهَم". فالدولة أو الثورة أو الحزب أو الأمة تحتاج دائماً إلى من يموت من أجلها، وإلى أمهات "جميلات" يتقبّلن ذلك، إن لم يكن بفرحٍ فبرضىً وتسليم.
في المجتمعات الغربية الحديثة، ومع صعود قيمة "الفردانية" وحقوق الإنسان بعد قرون من الحروب المدمرة، ضمرت هذه الحرفة إلى حدٍّ كبير. باتت الجيوش عبارة عن وظائف اختيارية تعتمد على الاحتراف والتكنولوجيا لحماية الفرد، لا التضحية به مجاناً، وأصبحت الحروب في معظم تلك البلدان أكثر صعوبة من الناحية السياسية والأخلاقية. فالأمهات هناك لا يُطلب منهن الاحتفال بجثامين أبنائهن، بل يُحاسبن الساسة إذا أرسلوا أبناءهن إلى حروبٍ غير ضرورية أو غير محسوبة بدقة.
أما في مجتمعاتنا، فلا تزال الجماعة تسحق الفرد، ولا تزال الأيديولوجيا قادرةً على تسويق الموت كأسمى درجات الوجود. وما زالت ثقافة التضحية المجانية تجد من يغذيها ويعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. وما زالت بعض القوى السياسية والعقائدية تنجح في إقناع جمهورها بأن الموت أجمل من الحياة، وأن صورة "الشهيد" على الحائط أهمّ وأبهى من حضوره حول مائدة عائلته!
توارث العدة
أجاد اليسار اللبناني توظيف هذه المؤثرات العاطفية في معاركه وعلى كافة الجبهات التي انخرط فيها بحماسة المؤمنين. وكانت "أجمل الأمهات" حاضرة في معارك الجنوب ضد الاحتلال، كما في معارك الشمال ضد "اليمين"، أو في معارك الحلفاء في الزواريب والأحياء. فكل قتيل شهيد، وكل شهيد لا بدَّ له من منصّة وتأبين وأغنية تنتهي بـ"صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم وفي يدنا يلمع الرعب.."(!)
لكن المأساة الحقيقية تكمن في أن "حزب الله" ورث هذه التركة الأيديولوجية من بيئة الجنوب نفسها، ولم يكتفِ بتبنيها صدئةً كما هي، بل أضفى عليها قداسة دينية وعقائدية صارمة عبر "عقيدة الاستشهاد والارتقاء".
فإذا كان اليساري يستخدم هذا المنطق لعزاء الأمهات والرفاق المفجوعين، إلا أنه لم يدر في خلده أن ينعي شهيده "سعيدًا"؛ وهو منطقٌ اكتسب لدى حزب الله شكلاً خاصاً مختلفاً ومكثّفاً. لقد بنى الحزب جزءاً أساسياً من شرعيته الشعبية وسلطته على ثقافة الاستشهاد، وتحول الشهيد إلى النموذج الأعلى للمواطن الشريف الصالح داخل البيئة الحزبية. فجرى إنتاج منظومة متكاملة من الرموز والدروس والخطابات والأغاني والاحتفالات والمناسبات التي تخلط الديني بالدنيوي، وتجعل الموت في سبيل المعركة ذروة المجد الإنساني.
استبدل الحزب مصطلحات "الرفيق" بـِ " الأخ المجاهد"، و"القضية" بـِ "التكليف الشرعي"، محوِّلاً البيئة التي أنجبت حسن العبد الله وقصيدته إلى خزان بشري لا ينضب لحروبٍ بعضها "للتحرير" وبعضها منعاً لسقوط نظام الأسد، وبعضها الآخر مساندةً لحماس، وآخرها ثأراً لمقتل المرشد في طهران.
في هذه العقيدة، لا يعود الموت خسارة أو مأساة أو حتى بطولة، بل يصبح ارتقاءً وسعادة وسبيلاً إلى جنان خلدٍ موعودة. تُدفع الأمهات دفعاً لتوزيع الحلوى في مآتم أبنائهن، ويُطالب الآباء بإعلان الفخر والاعتزاز بفقدان فلذات أكبادهم، في عملية تمويه دماغي جماعي لا تتوقف طالما الحرب قائمة والحاجة للوقود البشري قائمة.
والأخطر من ذلك أن عقيدة الاستشهاد، حين تتحول إلى ثقافة عامة، تغيّر نظرة المجتمع إلى الحياة نفسها. يصبح الموت مُقدّساً، فيما تبدو الرغبة في العيش وكأنها ضعف أو أنانية أو تخاذل وتراجع عن "الواجب". وتصبح المحافظة على البيت والأرض والأسرة أمراً أقل نبلاً من التضحية بها جميعاً في سبيل شعارات أكبر وأفخم.
لكن ماذا لو كانت المعادلة معكوسة؟ ماذا لو كانت الشجاعة الحقيقية هي حماية الحياة لا التفريط بها؟ ماذا لو كان الدفاع الحقيقي عن الجنوب هو أن يبقى الجنوب مأهولاً بأهله لا أن يتحول إلى بيوت مدمّرة وأرض مهجورة وساحة حرب دائمة؟ ماذا لو كانت البطولة في بناء المدارس والمصانع والجامعات والمزارع والمستشفيات أكثر منها في بناء المقابر؟
أمهاتنا الجميلات
أجمل الأمهات في الحقيقة هي التي تريد أن تطمئن على أبنائها وبناتها بالقرب منها، وأن تحافظ على بيتها دافئاً، وعلى قريتها آمنة، وعلى أرضها خضراء مثمرة، لا أن تجد نفسها فجأة، وبسبب قرار لا مصلحة لها فيه ولم يُستشر فيه أحد، مشرَّدة على قارعة الرصيف، نازحة في المدارس ومراكز الإيواء، تتجرّع مرارة الذل والتهجير في مناطق بعيدة عن رزقها وقد صار أثراً بعد عين.




