من الشيعة إلى الحكومة: إسرائيل ومنظومة ضغط طويلة على لبنان

ياسر مناعالأربعاء 2026/06/10
Image-1781080023.Jpg
تنظر إسرائيل إلى المحادثات المباشرة مع لبنان باعتبارها أداة ضغط مكملة للمسار العسكري (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

تضع الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023 القوة العسكرية الإسرائيلية أمام امتحان يتجاوز حجم الضرر الذي ألحقته بخصومها. فبعد كل حرب يبرز سؤال سياسي مباشر: كيف تتحول القوة إلى واقع مستقر؟ وكيف تمنع إسرائيل الطرف الآخر من ترميم قدراته بعد توقف النار؟ في الحالة اللبنانية يبدو السؤال أكثر تعقيدًا؛ لأن حزب الله لا يتحرك كتنظيم عسكري منفصل عن بيئته، فهو جزء من بنية سياسية وطائفية وإقليمية، كما أنه يرتبط بإيران ويعمل داخل دولة ضعيفة لا تملك قدرة كاملة على فرض قراراتها.

من هذه الزاوية، تتعامل مراكز التفكير الإسرائيلية مع لبنان كساحة تكشف حدود القوة الإسرائيلية بقدر ما تكشف إمكاناتها؛ فقد وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، وسيطرت على مواقع ذات قيمة عسكرية مثل قلعة شقيف، لكنها لم تحسم المواجهة وإنما أدخلتها في الوحل اللبناني وفق التعبير الإسرائيلي.

في الواقع، لا تتعامل هذه القراءات مع الإنجاز العسكري بوصفه نتيجة حاسمة بحد ذاته. فقد ردّت إيران بقصف إسرائيل بعد استهداف الضاحية، ولا يزال حزب الله يقاتل ويوقع خسائر، خصوصًا عبر الحوامات المفخخة، بينما لا تملك الحكومة اللبنانية القوة التي تمكّنها من فرض وقف النار أو إبعاد الحزب عن جنوب الليطاني.

 

محاولة تحويل الحرب إلى ضغط متعدد

تنظر إسرائيل إلى المحادثات المباشرة مع لبنان باعتبارها أداة ضغط مكمّلة للمسار العسكري. وهنا ترى أورنا مزراحي - من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي – أن التفاوض لا يفقد قيمته بسبب استمرار الحرب؛ لأن أهميته لا تتوقف عند إنتاج وقف نار سريع. إذ إن استمرار المفاوضات – من وجهة نظرها - يشكل عاملاً ضاغطاً على حزب الله سياسيًا وشعبيًا، لأنه يخالف روايته القائمة على رفض أي اتصال مع إسرائيل ويظهر في الوقت نفسه أن الدولة اللبنانية تبحث عن مسار آخر لا يطابق مسار الحزب.

ضمن هذا التصور، لا ترى مزراحي في ضعف الحكومة اللبنانية سببًا كافيًا لتعطيل التفاوض. على العكس، تجعل هذا الضعف نفسه سببًا لاستمرار المحادثات؛ لأنها تساعد على بناء درجة من الثقة بين إسرائيل ولبنان، وتكشف عن مصلحة مشتركة في الحد من نفوذ حزب الله وإيران. وتستند في ذلك إلى إصرار القيادة اللبنانية على المسار الدبلوماسي، كما ظهر في مقابلة الرئيس اللبناني مع شبكة CNN في 5 حزيران 2026، وتربط هذا الإصرار بمؤشرات تعاون ميداني، منها تجربة دخول الجيش اللبناني إلى مناطق يخليها الجيش الإسرائيلي، بدءًا من دبين في منطقة مرجعيون. 

من جانبه، يرى راز تسيمت - معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - أن الحزب لا يزال ركنًا استراتيجيًا في مفهوم الأمن الإيراني، وأن هذه العلاقة بينهما هي بنيوية يصعب فكها في هذه المرحلة. فإيران لا تريد التخلي عن الحزب، والحزب لا يملك بديلًا فعليًا عن الدعم الإيراني. وفي الوقت نفسه، يحدد تسيمت مجموعة عوامل تضغط على هذه العلاقة، ومنها: استمرار العمليات الإسرائيلية ضد الحزب، واستمرار المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، تصاعد النقد داخل لبنان ضد حزب الله وإيران، القيود التي تفرضها الحكومة اللبنانية على النشاط الإيراني، والتدهور الاقتصادي داخل إيران. من هنا يرى أن إسرائيل تستطيع استثمار هذه التحديات ضمن مسارات طويلة المدى تضعف استراتيجية الوكلاء الإيرانية وتقوّي الدولة اللبنانية وتحد من نفوذ إيران وحزب الله داخل لبنان.

تقوم القراءة الإسرائيلية على مزاوجة الضغط العسكري بالمسار السياسي، باعتبار أن أيًا منهما لا يكفي وحده لفرض النتيجة. فالهدف هو تطويق حزب الله ميدانيًا وسياسيًا واجتماعيًا وإقليميًا، عبر إضعاف قدراته، ودفع الدولة اللبنانية إلى تفاوض مباشر، وتوسيع النقد الداخلي له، وتقليص هامش الحركة الإيراني في لبنان. تراهن هذه الاستراتيجية على تراكم طويل يغيّر موقع الحزب داخل الدولة والمجتمع.

 

حدود الإنجاز وشروط النتيجة

يقرأ عيران ليرمان - من معهد القدس للاستراتيجية والأمن - التحرك الإسرائيلي في لبنان من خلال مسارين متلازمين: ضغط عسكري متصاعد على حزب الله وبنيته في الجنوب، وحوار مباشر مع الحكومة اللبنانية برعاية أميركية. ويرى أن هذين المسارين لا يحققان وحدهما الهدف الإسرائيلي المركزي المتمثل في تفكيك قوة الحزب ونزع سلاحه. فضعف الحكومة اللبنانية، ورفض نعيم قاسم لاتفاق واشنطن في 3 حزيران 2026 بشأن وقف النار وإبعاد الحزب إلى ما وراء الليطاني يجعلان الاتفاق محدود القدرة على تغيير الواقع.

ومن ثم ينقل ليرمان النقاش من مستوى الدولة اللبنانية إلى داخل البيئة الشيعية نفسها، فهو يدعو إلى مسار استخباري وسياسي طويل يضعف سيطرة حزب الله داخل الطائفة، عبر رصد الأصوات الشيعية المعارضة له ودعم بدائل سياسية وتوفير ضمانات أمنية بعد نزع سلاحه وربط إعمار الجنوب في منعه من استعادة حضوره العسكري خاصة جنوب الليطاني. 

ويرى أن ذلك يمكن أن يتحقق لأن قوة الحزب لا تستند إلى السلاح وحده، إذ تقوم أيضًا على شبكة خوف وتمثيل ومصالح وحماية داخل الطائفة الشيعية، وعلى ذاكرة لبنانية وسورية تجعل جزءًا من الجمهور الشيعي يرى في الحزب ضمانة أمنية أمام احتمالات الانتقام الداخلي أو التحولات الإقليمية المعادية.

في المستوى العسكري، يقدّم مائير بن شبات - رئيس مجلس الأمن القومي السابق والباحث في معهد مسغاف - السيطرة الإسرائيلية على قلعة شقيف كإنجاز عسكري ومعنوي؛ إذ يرى أنها تمنح الجيش الإسرائيلي قدرة أفضل على الرصد والنيران في جنوب لبنان وتساعده على ضرب بنى حزب الله ودفع قواته شمالًا وتقليص خطر النيران المباشرة والتسلل إلى إصبع الجليل. 

تقوم حجة بن شبات على أن قلعة شقيف لا تغيّر وحدها مسار المواجهة؛ فهو يستعيد تجربة تشرين الثاني 2024 حين قبل حزب الله - وفق تقديره - شروط وقف إطلاق النار بعد اجتماع أربعة عناصر ضغط، وهي: ضرب القيادة، وشل منظومات الاتصال والسيطرة، والمناورة البرية في الجنوب، واستهداف بيروت وعمق لبنان. لذلك، يدعو إلى ضرب الحزب في بيروت؛ لمنعه من فرض قواعد اشتباك جديدة، والحد من استخدام المسيّرات الرخيصة التي تفرض أثمانًا عالية على إسرائيل. كما ينتقد القيود الأميركية على العمل الإسرائيلي في بيروت ويرى أن ربط واشنطن بين وقف النار مع إيران والوضع في لبنان يمنح طهران وحزب الله هامشًا أوسع للمناورة.

في ذات السياق يرى عدي شوارتس ونوعا لازيمي - من معهد مسغاف – في تقدير موقف نشر يوم 4 حزيران 2026 أن لبنان يختبر الفارق بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية؛ فإسرائيل استهدفت حزب الله ووسّعت سيطرتها في الشمال ونفذت ضربات عميقة وعمليات توغل وضغطت على مناطق كانت تتمتع بحصانة نسبية. ومع ذلك، لم تحسم المعركة ضد الحزب وقد يستغل أي هدنة لإعادة البناء وتعديل أساليبه، وتحسين مواقعه.

لذلك، يحذّر التقدير من اتفاق يظهر كإنجاز سياسي ثم يتحول إلى قيد على إسرائيل من دون أن يفرض التزامات فعلية على حزب الله. ويربط الكاتبان هذا الخطر بضعف الحكومة اللبنانية وعجزها عن إلزام الحزب. ومن هذا المنطلق يدعوان إلى تثبيت واقع أمني جديد يقوم على خط دفاع قابل للحماية حتى الليطاني، وحرية عمل عسكرية ضد أي تهديد ومنع الحزب من ترميم قدراته.

 

هل إسرائيل جادة في وقف إطلاق النار مع لبنان؟

تكشف قراءات إسرائيلية متعددة أن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان بات أمرًا معقدًا في معادلة إقليمية أوسع متداخلة المصالح. إذ تنقل جيلي كوهين في كان 11، يوم 5 حزيران 2026، أن نتنياهو عرض داخل الكابينت موقفًا حذرًا ومزدوجًا، إذ قال إن إسرائيل لا ترى حتى الآن اتفاقًا مكتملًا مع لبنان؛ بسبب معارضة حزب الله وغياب تعليمات أمنية لتطبيقه، وفي الوقت نفسه فضّل استمرار المسار الدبلوماسي بسبب ضغط ترامب ومكانته كشريك استراتيجي. ومن المنظور الإسرائيلي، يبقى وقف إطلاق النار مشروطًا بنزع سلاح جنوب لبنان حتى الليطاني وإبقاء الشريط الأمني الذي سيطرت عليه إسرائيل والحفاظ على حرية العمل ضد ما توصف بالتهديدات الفورية. 

في هذا السياق، يرى نتنئيل شلوموفيتش في هآرتس، يوم 9 حزيران 2026، أن ترامب استخلص من "حرب اليوم الواحد" بين إسرائيل وإيران أن لبنان أصبح شرطًا ضروريًا لأي تقدم في المسار الأميركي مع طهران؛ لأن استمرار القتال مع حزب الله يعقّد المفاوضات مع إيران ويهدد الهدوء الإقليمي الذي يحتاجه.

وأما إفرات برينر فكتبت في القناة 14، يوم 4 حزيران 2026، أن الاتفاق كخطوة استراتيجية أميركية ضد إيران، تهدف إلى كسر معادلة "وحدة الساحات" وعزل طهران عبر دفع حزب الله إلى وقف النار والانسحاب من جنوب الليطاني وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة على مناطق تجريبية بدعم أميركي، غير أن هذا التصور يصطدم بانقسام لبناني عميق وبواقع ميداني هش. 

ويضيف تسفي برئيل في هآرتس، يوم 5 حزيران 2026، أن محاولة الحكومة اللبنانية إظهار استقلالها عن إيران وحزب الله تمثل تطورًا مهمًا، لكن إصرار إسرائيل على البقاء في الجنوب وغياب وضوح حول الانسحاب وتفكيك حزب الله يمنحان ذريعة لتعطيل المسار وإبقاء مستوطنات الشمال تحت نيران حزب الله. 

في الملخص، تكشف هذه القراءات مجتمعة أن التفكير الإسرائيلي في لبنان لا يقف عند حدود الضربة العسكرية، فهو يحاول تحويل الحرب إلى منظومة ضغط طويلة: ضغط على الحزب في الجنوب وبيروت، وضغط على الحكومة اللبنانية كي تنخرط في مسار تفاوضي مباشر، وضغط على البيئة الشيعية عبر البحث عن بدائل داخلية، وضغط على إيران عبر تقليص قدرتها على استخدام لبنان كورقة إقليمية.

 غير أن هذه المقاربة تحمل تناقضاً داخلياً أيضًا؛ فهي تراهن على دولة لبنانية ضعيفة كي تواجه حزبًا أقوى منها وتراهن على ضغط عسكري قد يوسّع دائرة التراص داخل بيئة الحزب بدل أن يفككها، وتراهن على تفاوض سياسي بينما تستمر الحرب في إنتاج وقائع جديدة على الأرض لا تخدم إسرائيل.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث