كشفت الرسالة التي وجّهها الرئيس الإسرائيليّ إسحاق هرتسوغ اليوم إلى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون والشعب اللبنانيّ، عن الفجوة العميقة بين هندسة "السلام الإسرائيليّ" ومفهوم "السيادة اللبنانيّة". فقد قال في الرسالة إنّه يحلم بزيارة بيروت لتحقيق السلام، لكنّه دعا إلى أن "يكون مستقبل لبنان في بيروت لا في طهران". أي إنّه طرح "السلام" كمشروع استراتيجيّ مؤجّل، لأنّ شرطه قيام الدولة اللبنانيّة بخطوة حاسمة هي "تحرير القرار اللبنانيّ من النفوذ الإيرانيّ وتفكيك الحالة العسكريّة لحزب الله". وتعكس الرسالة رغبة تل أبيب في استغلال لحظة الإنهاك العسكريّ الراهنة لفصل مؤسّسات الدولة اللبنانيّة عن خيارات طهران.
ولكن، في مقابل "حلم السلام" هذا، يتحرّك رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وفق أجندة "براغماتيّة وناريّة" مغايرة تمامًا، إذ يتركّز مشروعه الميدانيّ على توسيع رقعة "الخطّ الأصفر"، والسيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجيّة في الجنوب، وصولًا إلى نهر الزهراني، وقضم قلعة الشقيف والنبطيّة، ومحاصرة صور. وينادي نتنياهو بتثبيت الحزام الأمنيّ البرّيّ الممتدّ من البيّاضة إلى اليرموك، باعتباره "الضمانة الحقيقيّة الوحيدة لأمن إسرائيل"، وهو لا يبدي استعدادًا للتخلّي عن المسار العسكريّ من أجل وعود سياسيّة.
إنّها المناورة الإسرائيليّة داخل المشروع الواحد، أي بوجهين ولسانين. وأمام هذا المشروع، يحاول مشروع الدولة اللبنانيّة أن يولد عبر أركان الحكم الذين يتحرّكون بحثًا عن خطّة إنقاذ سياديّة ترتكز إلى "رفض الحرب التي تُخاض باسم لبنان وقرارها في الخارج"، وتأكيد بعبدا الحازم بوجه التدخّلات الإقليميّة.
ويتلخّص المشروع اللبنانيّ في حماية الكيان، وبسط سلطة الدولة الحصريّة، وحصر السلاح بيد الجيش اللبنانيّ، مستفيدًا من المساعدة اللوجستيّة الأميركيّة والوساطة التدريجيّة التي يقودها السفير ميشال عيسى مع الرئيس نبيه برّي لإحداث تغيير حقيقيّ يتطابق مع مندرجات "إعلان واشنطن". لكنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في عامل الوقت. فإسرائيل، في فترة التعقيدات، تستغلّ التفويض الأميركيّ وانشغال طهران بملفّات شائكة لتثبيت وقائع ميدانيّة قاسية جنوب الزهراني، تعمل من خلالها على فرض أمر واقع في المفاوضات.
بعبدا تحاول استعادة القرار
في هذا السياق، أعاد رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون التأكيد أنّ "الهدف من المفاوضات في واشنطن هو استعادة الدولة لوجودها، بحيث لا يبقى اللبنانيّون تابعين لأيّ كان، أكان من خلال سلطة وصاية، أو من خلال تفاوض أحدٍ باسمنا". وهذه العبارة لا تبدو تفصيلًا في خطاب رئاسيّ عابر، بل تشكّل عنوانًا لمرحلة تحاول فيها الدولة أن تنتزع حقّها في الكلام باسم لبنان، بعدما تحوّل القرار اللبنانيّ، لسنوات طويلة، إلى ساحة تقاطع بين الخارج والسلاح والفراغ المؤسّسيّ.
فحين يقول عون: "نحن أصحاب قرار، ولبنان دولة ذات سيادة"، فهو لا يوجّه رسالته إلى إسرائيل وحدها، بل إلى الداخل أيضًا، وتحديدًا إلى كلّ من يتعامل مع السيادة بوصفها تفصيلًا قابلًا للتعليق عند أوّل اشتباك إقليميّ. لذلك بدا تشديده على أنّه "ممنوع العودة إلى زمن الوصايات مهما كانت" محاولة لرسم سقف سياسيّ جديد، لا يرفض المساعدة الخارجيّة، بل يرفض تحويلها إلى وصاية مقنّعة أو تدخّل يلتفّ على المصلحة اللبنانيّة.
الدولة بين المفاوضات والحرب المفروضة
قرار المفاوضات الذي أعلن عون أنّه اتّخذه وسيُكمله "حتّى النهاية" يعكس انتقالًا صعبًا من منطق ردّات الفعل إلى منطق إدارة الأزمة. فالرئيس يدرك أنّ الحروب، في التجربة اللبنانيّة، لم تنتج إلّا خسارات مشتركة، وأنّ الدولة التي لا تفاوض باسم نفسها تترك الآخرين يفاوضون فوقها أو عنها. من هنا، لا تبدو المفاوضات ترفًا سياسيًّا، بل محاولة لتقليل الخسائر ومنع إسرائيل من تحويل الحرب إلى ترتيب دائم على الأرض.
غير أنّ التحدّي الأكبر يكمن في قدرة الدولة على تحويل هذا الموقف إلى ميزان قوّة داخليّ. فالمعركة ليست فقط على طاولة واشنطن، بل في الداخل اللبنانيّ، حيث يتقدّم السؤال الآتي: هل يستطيع لبنان أن يذهب إلى التفاوض بقرار واحد، أم يبقى أسير ازدواجيّة الدولة والسلاح؟
لقاء بعبدا مع المرجعيّات الروحيّة، برئاسة شيخ العقل لطائفة الموحّدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى، أضاف بعدًا داخليًّا إلى معركة السيادة. فتبنّي عون مضامين البيان الختاميّ للقمّة الروحيّة يعني أنّ الرئاسة تبحث عن شبكة أمان وطنيّة تتجاوز الحسابات الحزبيّة الضيّقة. الوحدة الوطنيّة هنا ليست شعارًا إنشائيًّا، بل شرط سياسيّ لمنع الانهيار، لأنّ أيّ تفاوض بلا حدّ أدنى من التماسك الداخليّ يتحوّل إلى ورقة ضعيفة في يد الخارج.
وفي الاتّجاه نفسه، جاءت مواقف النائب إبراهيم كنعان بعد لقائه رئيس الجمهوريّة لتؤكّد أنّ "لا خيار للبنان بين لبنان الساحة ولبنان الدولة". وهذه المقاربة تختصر جوهر الصراع الحاليّ: إمّا لبنان بوصفه دولة تملك قرار الحرب والسلم، وإمّا لبنان بوصفه ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
عين التينة والقناة المصريّة
في المقابل، تبدو عين التينة جزءًا من حركة الاتّصالات الرامية إلى إيجاد مخارج قابلة للحياة. فاستقبال الرئيس نبيه برّي السفير المصريّ علاء موسى، وحديث الأخير عن تعاطي برّي "بإيجابيّة كبيرة مع الأفكار المصريّة المطروحة"، يكشفان أنّ القاهرة تحاول فتح مسار موازٍ يخفّف حدّة الاشتباك، ويربط التسوية اللبنانيّة بإيقاع إقليميّ أوسع.
الأهمّ في كلام موسى أنّ ما سمعه من برّي "لا يبتعد عن مواقف الرئيسين جوزاف عون ونوّاف سلام". فإذا صحّ هذا التقاطع، فهو يعني أنّ ثمّة محاولة لإنتاج حدّ أدنى من التفاهم الرسميّ بين الرئاسات، ولو أنّ الاختبار الحقيقيّ يبقى في مدى قدرة هذا التفاهم على ضبط الميدان.
اجتماع مجلس الأمن الداخليّ المركزيّ برئاسة وزير الداخليّة أحمد الحجّار حمل دلالة واضحة: الدولة تحاول منع انتقال الحرب من الحدود إلى الداخل. فتعزيز الإجراءات الأمنيّة الاستباقيّة، ومواكبة مراسم عاشوراء، وضبط الحركة في بيروت ومداخلها، كلّها عناصر في معركة منع الفوضى. فإسرائيل تضغط عسكريًّا، والشارع يعيش توتّرًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وأيّ خلل أمنيّ داخليّ قد يتحوّل إلى ثغرة إضافيّة في جسد الدولة.
جعجع: لا وقف للمفاوضات تحت النار
في معراب، ذهب رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع إلى خلاصة حادّة: وقف المفاوضات يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع الحرب. فبالنسبة إليه، السلطة الشرعيّة هي رئيس الجمهوريّة والحكومة، وتخوينهما بسبب التفاوض يعني ضرب آخر إطار رسميّ قادر على مخاطبة الخارج باسم لبنان. في هذا المعنى، لا يدافع جعجع عن التفاوض بوصفه خيارًا مثاليًّا، بل بوصفه الخيار الأقلّ كلفة في مواجهة آلة عسكريّة إسرائيليّة لا تحتاج إلى ذرائع كثيرة كي توسّع عدوانها.
كما اعتبر جعجع أنّ الضربة الإيرانيّة لإسرائيل كانت دعائيّة ونفسيّة أكثر ممّا كانت عسكريّة، رابطًا ذلك برغبة طهران في منع انهيار معنويّ داخل بيئة حزب الله. وهذه القراءة تضع الحزب، في نظر خصومه، داخل معادلة إيرانيّة لا لبنانيّة، حيث يُستخدم الجنوب لتثبيت موقع طهران التفاوضيّ لا لحماية لبنان.
باريس: الدولة تفاوض والدبلوماسيّة هي الطريق
في باريس، قدّم وزير الخارجيّة يوسف رجّي أمام لجنة الشؤون الخارجيّة في البرلمان الفرنسيّ صورة الدولة التي تريد استعادة المبادرة. تأكيده أنّ المفاوضات "تُدار حصرًا من قِبل الدولة اللبنانيّة ولمصلحة لبنان وحده" جاء ردًّا مباشرًا على معادلة تعدّد المراجع. كما أنّ قوله إنّ المسار الدبلوماسيّ هو الخيار الوحيد الناجع يعكس اقتناعًا رسميًّا بأنّ العلاج العسكريّ استُنفد، وأنّ كلفته فاقت أيّ مكسب سياسيّ محتمل.
الموقف الفرنسيّ، كما ظهر من مداخلات النواب، يقوم على ثلاثيّة واضحة: دعم الجيش اللبنانيّ، نزع سلاح حزب الله، وإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ. وهذه الثلاثيّة تكشف أنّ المجتمع الدوليّ لا يفصل بين مسألة السيادة اللبنانيّة ومسألة الانسحاب الإسرائيليّ، لكنه يشترط قيام الدولة وحدها بوصفها المرجعيّة الأمنيّة والعسكريّة.
ميدانيًّا، جاء خطف عضو بلديّة كفرشوبا محمد حسن الحاج والعامل أحمد صلاح ذياب أثناء قيامهما بأعمال ضخّ المياه ليؤكّد أنّ إسرائيل لا تكتفي بالقصف، بل تمارس سلطة أمر واقع داخل الهامش الحدوديّ. فحادثة الخطف ليست تفصيلًا أمنيًّا، بل رسالة سياسيّة تقول إنّ الاحتلال قادر على تحويل الحياة اليوميّة، حتّى ضخّ المياه، إلى فعل خاضع للتحقيق والابتزاز.
وتزامن ذلك مع غارة إسرائيليّة استهدفت سيّارة في صيدا، ما أدّى إلى سقوط شهيدين، ومع استمرار الغارات على الجنوب، والإنذارات المتتالية لبلدات الغسّانيّة وحومين الفوقا وأنصاريّة، واستهداف صور والنبطيّة وحبّوش وكفررمّان وكفردونين. هكذا تتّسع الحرب من الحدود إلى المدن، ومن المواقع العسكريّة إلى الجغرافيا المدنيّة، في محاولة إسرائيليّة واضحة لدفع لبنان إلى القبول بتسوية تحت النار.
إيران وحزب الله: ربط لبنان بمعادلة الخارج
في المقابل، دعا حزب الله السلطة اللبنانيّة إلى "تصحيح العلاقة" مع إيران، معتبرًا الردّ الصاروخيّ الإيرانيّ على إسرائيل رسالة التزام أخلاقيّ وسياسيّ وميدانيّ تجاه لبنان. غير أنّ هذا الخطاب يعيد طرح السؤال نفسه: هل يحتاج لبنان إلى مظلّة إقليميّة كي يحمي نفسه، أم إلى دولة قادرة على منع تحويله إلى ورقة في صراع إيرانيّ، إسرائيليّ، أميركيّ؟
إعلان الحزب تنفيذ عمليّات ضدّ القوّات الإسرائيليّة يؤكّد أنّ الميدان لا يزال مفتوحًا، وأنّ التفاوض يسير على حافّة النار. لكنّ المشكلة أنّ كلّ عمليّة عسكريّة، مهما قُدّمت بوصفها ردًّا دفاعيًّا، تمنح إسرائيل فرصة إضافيّة لتوسيع بنك أهدافها، وتثبيت منطق المنطقة العازلة، وفرض شروطها لاحقًا على طاولة المفاوضات.
الصورة النهائيّة شديدة الوضوح: إسرائيل تقدّم خطاب سلام بلسان هرتسوغ، وتنفّذ سياسة قضم بيد نتنياهو. لبنان، في المقابل، يحاول أن ينتقل من موقع الساحة إلى موقع الدولة، لكنّه يواجه سباقًا قاسيًا مع الوقت والميدان والسلاح غير الشرعيّ والضغط الإسرائيليّ.
المعادلة الآن ليست بين الحرب والسلام فقط، بل بين سيادتين: سيادة لبنانيّة تريد أن تولد عبر المفاوضات والمؤسّسات والجيش، وسيادة إسرائيليّة بالأمر الواقع تريد أن ترسم جنوبًا جديدًا بالنار. وبينهما يقف لبنان أمام امتحانه الأخطر: إمّا أن يستعيد قراره كاملًا، أو يُدار مستقبله مرّة أخرى من خارج حدوده.




