تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية الواسعة في جنوب لبنان، مع تركيز متزايد على المناطق الواقعة شمال الليطاني ومحيط النبطية، فيما تبدو بيروت في هذه المرحلة خارج دائرة الاستهداف المباشر. غير أن التطورات الميدانية الأخيرة تكشف أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع المعركة الحالية باعتبارها فرصة زمنية محدودة لتوجيه أكبر ضربة ممكنة إلى القدرات العسكرية لـ"حزب الله"، قبل أن تفرض التطورات السياسية أو الضغوط الأميركية وقفاً للعمليات.
وفي هذا السياق، تحدثت مصادر عسكرية إسرائيلية عن تحقيق ما وصفته بـ"إنجازات استراتيجية" خلال الأيام الماضية، أبرزها السيطرة على مستودعات أسلحة ضخمة في محيط قلعة الشقيف، التي تحولت منذ بدء التوغل الإسرائيلي إلى إحدى أهم ساحات المواجهة في الجنوب.
مستودعات الشقيف
وبحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصادر ميدانية، عثرت القوات الإسرائيلية خلال عمليات تمشيط في القرى المحيطة بقلعة الشقيف على مخزن أسلحة ضخم قالت إنه يشكل أحد أهم مراكز الإمداد العسكرية التابعة لـ"حزب الله" في المنطقة.
وتزعم المصادر أن الموقع احتوى على عشرات الصواريخ المتطورة المضادة للطائرات والمخصصة لاستهداف المروحيات، إضافة إلى كميات كبيرة من الصواريخ وقاذفات الصواريخ المضادة للدروع وقذائف الهاون والـ"آر بي جي" ومواد حارقة.
وتعتبر القيادة العسكرية الإسرائيلية أن هذه المستودعات ليست مواقع معزولة، بل هي جزء من شبكة واسعة من مراكز التخزين والانتشار أنشأها الحزب على مدى سنوات. ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني قوله إن القوات الإسرائيلية عثرت على مخابئ ذخيرة في معظم القرى التي دخلتها داخل منطقة العمليات الحالية، زاعماً وجود معدات عسكرية داخل أبنية مدنية ومرافق مختلفة.
ويصف الجيش الإسرائيلي الموقع المكتشف قرب الشقيف بأنه كان مركزاً لوجستياً أساسياً يُفترض أن تستخدمه وحدات "حزب الله" لتزويد المقاتلين بالأسلحة خلال المعارك، معتبراً أن تدميره يشكل ضربة لقدرات الحزب العملياتية في المنطقة.
ما بعد الليطاني
في موازاة ذلك، تشير التصريحات الصادرة عن القادة الميدانيين الإسرائيليين إلى أن الجيش لا ينظر إلى المعركة الحالية باعتبارها عملية محدودة أو مرتبطة حصراً بالمفاوضات السياسية الجارية.
وتؤكد الأوساط العسكرية الإسرائيلية أن العمليات ستتواصل بغض النظر عن مسار الاتصالات الدبلوماسية، معتبرة أن المهمة لم تنته بعد. كما تتحدث عن تمركز القوات الإسرائيلية في نقاط استراتيجية تعتبرها "مراكز ثقل" لـ"حزب الله" شمال الليطاني وفي محيط النبطية.
وتعكس هذه التصريحات تحوّلاً في الخطاب الإسرائيلي، إذ لم يعد الليطاني يُقدَّم باعتباره الحد الأقصى للعمل العسكري، بل بات يُنظر إليه كمرحلة تم تجاوزها ميدانياً، في ظل استمرار التوغل في مناطق أبعد داخل الجنوب. وتؤكد المصادر العسكرية الإسرائيلية أن الأسابيع المقبلة لا تزال تحمل المزيد من العمليات، في إشارة إلى أن المؤسسة الأمنية لا ترى أن أهداف الحرب قد تحققت بعد.
المسيّرات... التهديد الأبرز
في المقابل، تعترف إسرائيل بأن طبيعة التهديدات التي تواجهها قواتها تغيّرت مع انتقال المعارك إلى مناطق أعمق داخل الجنوب.
ففي حين تراجع نسبياً خطر الصواريخ المضادة للدروع والمدفعية مقارنة بالمراحل الأولى من الحرب، برزت المسيّرات الانقضاضية كأحد أبرز أدوات "حزب الله" لإبطاء تقدم القوات الإسرائيلية واستنزافها.
وفي هذا الإطار، أعلنت قوات إسرائيلية العثور على مختبرات لتصنيع المسيّرات خلال عملياتها الأخيرة، مشيرة إلى أن إنتاج هذا النوع من الطائرات بات أكثر سهولة وانتشاراً مما كان عليه سابقاً.
ورغم حديث الجيش الإسرائيلي عن تدمير عدد من هذه المنشآت، إلا أن مصادره تعترف بأن القضاء الكامل على هذا التهديد يبدو مهمة معقدة، نظراً لإمكانية إعادة إنتاج هذه المسيّرات في مواقع متعددة وبإمكانات تقنية محدودة نسبياً.
حادثة التسلل والرد المؤجل
بالتوازي مع المعارك في الجنوب اللبناني، لا تزال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع تداعيات حادثة التسلل التي وقعت قرب مستوطنة مرغليوت، حيث تمكن مسلح من عبور الحدود والوصول إلى داخل الأراضي الإسرائيلية قبل أن يقتل بعد اشتباك مع قوة عسكرية.
وأثارت الحادثة تساؤلات داخل إسرائيل حول فعالية الإجراءات الأمنية على الحدود الشمالية، خصوصاً أن عملية التسلل وقعت في منطقة تخضع لمراقبة عسكرية مستمرة.
وحتى الآن، لم تحسم الحكومة الإسرائيلية طبيعة الرد على هذه العملية، رغم أن تل أبيب كانت قد أعلنت مراراً أنها لن تتسامح مع أي استهداف لبلدات الشمال أو أي خرق أمني عبر الحدود.
ضغط الوقت وهاجس واشنطن
إلى جانب الاعتبارات العسكرية، تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن عامل آخر يحكم وتيرة العمليات الحالية، يتمثل في القلق من احتمال تدخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض وقف للعمليات العسكرية في لبنان ضمن إطار أوسع من التفاهمات الإقليمية.
وبحسب تقرير للقناة الثانية عشرة الإسرائيلية (N12)، تعمل المؤسسة الأمنية على استغلال الوقت المتاح لتدمير أكبر قدر ممكن من البنية العسكرية لـ"حزب الله"، انطلاقاً من تقدير مفاده أن نافذة العمل الحالية قد لا تبقى مفتوحة لفترة طويلة.
ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية في ظل التوتر القائم بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الحرب، وحرص الإدارة الأميركية على منع توسع المواجهة الإقليمية في وقت تواصل فيه جهودها السياسية المرتبطة بإيران وملفات المنطقة الأخرى.
بين الردع والتسوية
وفي موازاة العمليات العسكرية، يواصل المسؤولون الإسرائيليون التأكيد أن هدفهم لا يقتصر على الرد على الهجمات الحالية، بل يشمل منع إيران و"حزب الله" من فرض قواعد اشتباك جديدة أو معادلات ردع مختلفة على الجبهة الشمالية.
وفي هذا السياق، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن المحاولة الإيرانية لتغيير الواقع القائم ستفشل، مؤكداً أن الجيش سيواصل تعميق ضرباته ضد "حزب الله" والعمل في كل مكان يعتبره مصدراً للتهديد.
وبينما تتواصل المعارك على الأرض، يبقى السؤال المطروح داخل إسرائيل حول ما إذا كانت التطورات الميدانية، سواء عبر هجمات المسيّرات أو الضغوط الأميركية، ستدفع نحو تصعيد إضافي، أم أنها ستسرّع الانتقال إلى مرحلة سياسية تفرض وقفاً للنار قبل تحقيق جميع الأهداف التي تتحدث عنها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.




