لبنان في لعبة "عضّ الأصابع": مأزق معادلات بين إسرائيل وإيران

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/06/09
Image-1781015603.Webp
الحادث الأمني في منطقة شمال سلسلة جبال رميم، قرب الحدود اللبنانية، كان خضة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

استقرّ المشهد العسكريّ والأمنيّ بين لبنان وإسرائيل في الساعات الأخيرة على قواعد اشتباك جديدة. فمع توقّف الضربات الصاروخيّة المتبادلة بين تل أبيب وطهران بطلب أميركيّ، عاد استفراد إسرائيل بالساحة اللبنانيّة. وجاءت قرارات "الكابينت" المصغّر وتطوّرات الميدان البرّيّ والحدود اليوم لتؤكّد أنّ جبهة الجنوب وبيروت دخلت مرحلة "عضّ أصابع" قاسية.

فقد أقرّ مجلس الوزراء الإسرائيليّ المصغّر إجراءً أمنيًّا استثنائيًّا يرفع سقف المواجهة، ويتمثّل في تكليف قيادة الجيش بالردّ الفوريّ والمباشر، باستهداف ضاحية بيروت الجنوبيّة عقب رصد أيّ صاروخ أو مسيّرة تُطلق من لبنان باتجاه مستوطنات الشمال، ومن دون الحاجة إلى العودة أو مراجعة المستوى السياسيّ. ويعكس هذا التفويض التلقائيّ تمسّكًا إسرائيليًّا مطلقًا بمعادلة "الضاحية مقابل المستوطنات"، مع إبداء تل أبيب استعدادها التامّ لفتح جولة مواجهة جديدة مع إيران، إن تطلّب الأمر ذلك، لقطع الطريق على أيّ محاولة لتغيير قواعد اللعبة الأمنيّة التي رسمتها بالنار في الجنوب.

ووفقًا لما نقلته القناة 12 الإسرائيليّة عن المؤسّسة الأمنيّة، فإنّ التقديرات العسكريّة الإسرائيليّة تعتبر أنّ لبنان عاد رسميًّا ليشكّل "ساحة القتال والجهد الرئيسيّ" للجيش الإسرائيليّ بعد التهدئة الأخيرة بين تل أبيب وطهران. وتهدف الغارات العنيفة والأحزمة الناريّة المكثّفة التي يشنّها سلاح الجوّ في الجنوب والبقاع إلى توجيه رسالة إلى القيادة الإيرانيّة مفادها: "إنّ التهديدات أو الضربات السابقة لن تمنع إسرائيل من مواصلة عمليّاتها لتفكيك بنية حزب الله". وتأتي هذه الاندفاعة لتؤكّد مجدّدًا وضع الجنوب خارج دائرة أيّ تفاهمات إقليميّة، حيث تركّز إسرائيل جهدها البرّيّ حاليًّا على إسقاط مدينة النبطيّة ومحاصرة صور ومخيّماتها وإفراغهما ديمغرافيًّا.

ووسط هذا المناخ، سُجّل اليوم حادث ميدانيّ بالغ الحساسيّة على الحدود البرّيّة المباشرة، كان يمكن أن يشكّل صاعق تفجير فوريّ لاشتباك مباشر. إذ أعلن الجيش الإسرائيليّ رصد شخص يحاول عبور السياج الحدوديّ من الأراضي اللبنانيّة باتجاه الداخل، وجرى إطلاق النار عليه وقتله. وتسبّبت هذه الحادثة الخاطفة في رفع منسوب الاستنفار الأمنيّ والعسكريّ إلى درجاته القصوى داخل مستوطنات الشمال الحدوديّة، تزامنًا مع تحرّكات برّيّة مكثّفة على طول الخطّ الأزرق. وهذا ما يثبت أنّ الأرض مهيّأة تمامًا لتدحرج النيران عند أوّل احتكاك.

وتضع هذه المعطيات المتسارعة لبنان أمام معضلة أمنيّة، إذا نفّذت إسرائيل تهديداتها، سواء بمأزق ضبط الحدود، أو مأزق التوغّل في قلب الجنوب، أو مأزق "الردّ التلقائيّ" على العاصمة بيروت وضاحيتها، مع ما يمكن أن يعنيه ذلك من تعقيدات إقليميّة إضافيّة، إذا دخلت إيران مجدّدًا على خطّ المواجهة.

 

من حادث رميم إلى اختبار قواعد الاشتباك

الحادث الأمنيّ في منطقة شمال سلسلة جبال رميم، قرب الحدود اللبنانيّة، كان خضّة. فالروايات الإسرائيليّة المتعدّدة، بين الحديث عن مسلّح واحد أو مسلّحين اثنين، وبين القول إنّ التسلّل حصل داخل "جيب إسرائيليّ" خلف السياج الحدوديّ داخل الأراضي اللبنانيّة، تكشف حجم الارتباك الذي يرافق أيّ احتكاك عند خطّ تماسّ هشّ ومفتوح على التأويل العسكريّ والسياسيّ.

فهيئة البثّ الإسرائيليّة تحدّثت عن اجتياز مسلّح للحدود، والقناة 12 أشارت إلى أعمال بحث عن مسلّح ثانٍ، فيما ذهب موقع "واللا" إلى القول إنّ القوّات الإسرائيليّة صفّت مسلّحَين بعد اجتيازهما الحدود من لبنان. أمّا الجيش الإسرائيليّ، فصاغ بيانه بلغة عمليّاتيّة حذرة، معلنًا تعرّض قوّاته لإطلاق نار في منطقة مرتفعات رميم، وردّها على مصدر النيران و"تحييد إرهابيّ"، من دون تسجيل إصابات في صفوفها.

الأهمّ في هذا التفصيل ليس عدد المهاجمين، بل أنّ الحادث وقع في لحظة سياسيّة وعسكريّة شديدة الحساسيّة. فإسرائيل، التي خرجت من جولة صاروخيّة مع إيران بتدخّل أميركيّ، عادت إلى لبنان بوصفه الساحة الأسهل لضبط الرسائل والأكثر قابلية لفرض معادلات أحاديّة. ومن هنا، فإنّ رميم تحوّلت فورًا إلى اختبار مزدوج: اختبار قدرة الجيش الإسرائيليّ على ضبط حدوده الشماليّة، واختبار قدرة لبنان على منع أيّ حدث موضعيّ من التحوّل إلى ذريعة لتوسيع النار.

 

التفويض الإسرائيليّ: إسقاط السياسة من قرار الحرب

قرار "الكابينت" منح الجيش الإسرائيليّ حقّ الردّ المباشر على بيروت وضاحيتها، من دون مراجعة سياسيّة مسبقة، يمثّل أخطر ما في التطوّرات الأخيرة. فهو لا يكتفي برفع سقف التهديد، بل ينقل القرار من مستوى التقدير السياسيّ إلى مستوى الاستجابة العسكريّة شبه الآليّة. وبذلك تصبح العاصمة اللبنانيّة رهينة قراءة ميدانيّة إسرائيليّة لأيّ صاروخ أو مسيّرة أو احتكاك حدوديّ.

هذه الصيغة تعني عمليًّا أنّ إسرائيل تريد فرض معادلة ردع لا تفاوض عليها: أيّ نار من لبنان تقابلها نار على الضاحية. وهي بذلك تحاول تحويل الضاحية الجنوبيّة إلى عنوان ثابت للمحاسبة، بصرف النظر عن طبيعة الحدث، وحجمه، والجهة التي تقف خلفه، أو الظروف التي أنتجته. الأخطر أنّ هذا التفويض يفتح الباب أمام أخطاء تقدير قاتلة، إذ يكفي التباس ميدانيّ واحد لتتحوّل بيروت إلى هدف، وتتحوّل الجبهة اللبنانيّة إلى مساحة انفجار إقليميّ.

 

واشنطن بين وقف النار وإعادة هندسة الجنوب

في المقابل، تتحرّك واشنطن على خطّ موازٍ، محاولةً تركيب معادلة تجمع بين وقف النار، وترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبنانيّ، ومسار التفاوض المباشر مع إسرائيل. زيارة السفير الأميركيّ ميشال عيسى إلى الرؤساء الثلاثة، وحديثه عن وقف شامل لإطلاق النار، عكسا رغبة أميركيّة في احتواء التصعيد، لكنّهما كشفا في الوقت نفسه حجم الشروط الميدانيّة الموضوعة على الطاولة.

فما يُسمّى "المنطقة التجريبيّة" أو "Yellow Zone" لا يبدو مجرّد إجراء تقنيّ، بل محاولة لاختبار نموذج جديد للجنوب: تفكيك تدريجيّ لمنشآت "حزب الله"، انتشار الجيش اللبنانيّ، عودة الأهالي، ثمّ انسحاب إسرائيليّ متدرّج. هنا تكمن العقدة. فواشنطن تريد تزامن الخطوات، وإسرائيل تريد ضمانات أمنيّة مسبقة، وبري و"حزب الله" يصرّان على وقف نار شامل وانسحاب إسرائيليّ أوّلًا.

بهذا المعنى، لا تدور المفاوضات حول وقف الحرب فقط، بل حول من يملك حقّ ترتيب اليوم التالي في الجنوب. هل يُدار الجنوب بمنطق الدولة والجيش، أم بمنطق الضمانات الأميركيّة، أم بمنطق الأمر الواقع الإسرائيليّ، أم بمعادلة المقاومة والردع؟ هذه هي العقدة الفعليّة التي تجعل كلّ ورقة تفاوض قابلة للانفجار عند أوّل غارة.

 

إيران في الخلفيّة: لبنان ورقة أم جبهة؟

بعد جولة الحرب السريعة بين إيران وإسرائيل، عاد الربط بين المسارين اللبنانيّ والإيرانيّ إلى الواجهة. طهران تقول إنّ لبنان وإيران يواجهان عدوًّا مشتركًا، و"حزب الله" يرى في الردّ الصاروخيّ الإيرانيّ رسالة التزام سياسيّ وميدانيّ تجاه لبنان. في المقابل، ترفض إسرائيل هذا الربط وتلوّح بأنّ أيّ محاولة إيرانيّة لجعل لبنان جزءًا من معادلة إقليميّة ستُقابل بقوّة.

هذا الاشتباك في المعنى لا يقلّ خطورة عن الاشتباك بالنار. فإيران تريد أن تقول إنّ لبنان ليس متروكًا، وإنّ أيّ اتفاق معها يجب أن يلحظ وقف النار في الجبهات، وخصوصًا لبنان. أمّا إسرائيل فتريد فصل الساحات، لتستفرد بالجنوب والضاحية، وتمنع طهران من تحويل لبنان إلى بند تفاوضيّ ضاغط. وبين الموقفين يقف لبنان الرسميّ أمام معضلة دقيقة: كيف يستفيد من أيّ مظلّة إقليميّة لوقف العدوان، من دون أن يظهر كأنّه مجرّد ورقة في مفاوضات الآخرين؟

 

بعبدا والسلاح: الدولة أمام امتحان التوقيت

في الداخل، بدت حركة قصر بعبدا محاولة لصوغ موقف لبنانيّ يوازن بين السيادة والواقعيّة. رئيس الجمهوريّة جوزاف عون وضع معادلة واضحة: انسحاب إسرائيل يفتح الباب أمام بسط سلطة الدولة، وإنهاء المظاهر المسلّحة، وسحب أيّ مبرّر لبقاء سلاح خارج سلاح الشرعيّة. لكنّه ربط ذلك بمقاربة شاملة، سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة واجتماعيّة، بما يعني أنّ ملفّ سلاح "حزب الله" لا يمكن فصله عن العدوان، والانسحاب، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين.

هذه المقاربة تُظهر أنّ الدولة تريد استعادة قرارها، لكنّها تدرك أنّ التوقيت هو جوهر الأزمة. فطرح السلاح تحت النار الإسرائيليّة يمنح الحزب حجّة البقاء، وتأجيله بلا أفق يمنح إسرائيل حجّة الاستمرار. لذلك تبدو الدولة مطالبة بمعادلة دقيقة: وقف النار أوّلًا، انسحاب إسرائيليّ مضمون، انتشار فعليّ للجيش، ثمّ مسار داخليّ جدّي لحصر السلاح.

 

لبنان بين نارين ومظلّة ناقصة

التصعيد الإسرائيليّ في الجنوب، والتهديد بضرب الضاحية، والغارات على صور والنبطيّة وصيدا ومحيطها، كلّها تؤكّد أنّ إسرائيل لا تتعامل مع لبنان كساحة تهدئة، بل كساحة ضغط. وفي المقابل، لا يملك لبنان ترف الانقسام بين من يرى إيران مظلّة حماية، ومن يعتبرها عبئًا تفاوضيًّا، ومن يراهن على واشنطن وحدها.

المشهد الآن ليس حربًا شاملة فقط، ولا تفاوضًا كاملًا فقط. إنّه مرحلة عضّ أصابع مفتوحة، تستخدم فيها إسرائيل النار لتحسين شروطها، وتستخدم واشنطن الدبلوماسيّة لضبط الانفجار، وتحاول إيران تثبيت حضورها في معادلة الردع، فيما يسعى لبنان الرسميّ إلى انتزاع وقف نار لا يتحوّل إلى وصاية أمنيّة جديدة.

الخطر الأكبر أنّ أيّ حادث حدوديّ، من نوع رميم، قد يمنح إسرائيل الذريعة التي تحتاجها لتفعيل التفويض الجديد. عندها لا تعود المسألة سؤالًا عن صاروخ عبر الحدود، بل عن بلد كامل عالق بين قرار حرب لا يملكه، وسلام لم تنضج شروطه بعد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث