أثارت قضية استدعاء وتوقيف المحامي محمد خضر مؤخرًا موجة من السجالات القانونية والإعلامية، إذ وجه بعض المحامين أصابع الاتهام نحو النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، معتبرين أن الإجراءات المتخذة انطوت على "مخالفة صريحة للقانون" وتجاوزًا للحصانات النقابية الممنوحة للمحامين بعدما استمعت "المعلومات" إلى خضر قبل سوقه إلى النيابة العامة التمييزية.
لكن التدقيق في تفاصيل الملف يكشف عن رواية قضائية مغايرة تمامًا، وتؤكد أن التحرك القضائي جاء متوافقًا مع الأصول القانونية المرعية الإجراء، ومعززًا بالتنسيق مع نقابة المحامين نفسها.
يقول مصدر قضائي لـ"المدن" إن السردية التي حاولت تصوير المحامي المعني كـ"ضحية" لتجاوز قضائي تفتقر إلى الدقة والموضوعية، ويوضح المصدر أن النيابة العامة التمييزية لم تتخذ قرار الإحضار إلا بعد استنفاذ الأساليب القانونية الطوعية، إذ إن المحامي محمد خضر قد استدعى مرتين متتاليتين للمثول أمام الجهات التحقيقية، إلا أنه تخلف عن الحضور في المرتين. الأمر الذي دفع النائب العام التمييزي وتطبيقًا للقوانين التي تسري على جميع المواطنين دون تمييز إلى اعطاء إشارة واضحة ومباشرة بإحضاره.
وفيما يخص التشكيك في الجهاز الأمني الذي تولى التحقيق والادعاءات التي واكبت عملية نقل الملف يشير المصدر القضائي إلى أن القضية كانت في عهدة مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بناءً على معطيات أولية، قبل أن يسحب القاضي الحاج الملف ويحيله إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، لمتابعة التحقيقات الفنية والقانونية، وهو إجراء يقع في صلب الصلاحيات القضائية عبر توزيع المهام الأمنية وفقًا لطبيعة الجرم.
كذلك نفت مصادر متابعة لـ"المدن" كل ما أشيع حول تعرض المحامي لأي ضغوط أو ممارسات غير قانونية أثناء التحقيق معه وتؤكد أن التحقيق جرى في أجواء سادها الاحترام التام للقوانين المرعية الإجراء، وبضمانة ومواكبة مباشرة من مفوض قصر عدل بيروت المحامي إيلي حشاش الذي حضر جلسة التحقيق للتأكد من صون المحامي وحقوقه المهنية والشخصية، ما يقطع الطريق على أي محاولةٍ لادعاء "التعسف" أو "التهويل الأمني".
جوهر القضية
أما في جوهر القضية وأسباب التحرك القضائي، تكشف المصادر لـ"المدن" أن التحقيق لم يكن استهدافًا سياسيًا أو كيديًا، بل تمحور بشكل مباشر حول منشور علني قام المحامي محمد خضر بنشره على وسائل التواصل الاجتماعيّ وتضمن عبارات أساءت بشكل مباشر لأهالي بلدة العيشية، مسقط رأس الرئيس جوزاف عون، بالإضافة إلى التجريح والتعرض لمقام رئيس الجمهورية.
وبناءً على ما أسفرت عنه التحقيقات والاستجوابات وتقديرًا للموقف القانوني أطلق سراح المحامي وترك بسند إقامة بعد انتهاء الإجراءات مباشرة وبعد نشره بيان اعتذار.
كما أكدت المصادر وفي معرض ردها على الاتهامات المتعلقة بتجاوز نقابة المحامين وحصانتها، أن نقيب المحامين عماد مارتينوس، كان على علمٍ تام بكل الخطوات القانونية والقضائية المتخذة منذ اللحظات الأولى، بل إنه أعطى موافقته الصريحة على مسار الأمور، وذلك انطلاقًا من رفضه المطلق للإساءة بمقام رئيس الجمهورية أو إثارة النعرات الطائفية والمناطقية.
وما يعزز هذا التنسيق والتناغم بين القضاء والنقابة هو البيان الذي أصدره النقيب مارتينوس يوم أمس الإثنين والذي شدد فيه بوضوح على أن "كل محامٍ يتجاوز أخلاقيات المهنة ومناقبيتها سيكون عرضة للمحاسبة والملاحقة، في إشارة واضحة لرفع الغطاء النقابي عن أي سلوك يخرج عن حدود العمل القانوني والحقوقي.
في المقابل، اعترض عدد من المحامين على مسار هذه القضية معتبرين أن خضر كان قد أكد لـ"المعلومات" موافقته على حضور التحقيق لكنه تفاجأ بإحضاره ليلًا، كما أنه حذف المنشور بعد تلقيه الاتصال منهم. أما الحجة القانونية الأبرز التي تسلح بها منتقدو الإجراء القضائي بحق المحامي محمد خضر ومفادها ضرورة الاستحصال على إذن ملاحقة مسبق من النقابة، فيدحضها المصدر القضائي مستندًا إلى النص القانوني الصريح، كما يوضح أن التحرك القضائي السريع على خلفية ارتكاب "جرم مشهود" أو ما يوازيه قانونًا في الجرائم الإلكترونية التي لم تتجاوز المدة الزمنية على وقوعها الـ24 ساعة. وفي حالات الجرم المشهود يسقط القانون شرط الاستحصال على إذن مسبق من النقابة ما يتيح للنيابة العامة والضابطة العدلية التحرك الفوري لتوقيف الفاعل ومنع تفاقم الجرم.
خلاصة قول المصدر أن الهجوم الإعلامي الذي استهدف القضاء والنيابة العامة التمييزية في هذه القضية لم يكن سوى محاولة للالتفاف على الوقائع القانونية الواضحة. فالملف لم يشهد تجاوزًا للصلاحيات، بل تطبيقًا حازمًا للقانون في مواجهة جرم لم يمر عليه الزمن وبتنسيق كامل مع المرجعية الكاملة للمحامين بعيدًا عن سياسة الإفلات من العقاب تحت ستار الحصانة النقابية.




