لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية في وارد قطع خطوط التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفق ما تؤكد مصادر دبلوماسية لـِ "المدن". ومن هذا المنطلق جاءت جولة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى على الرؤساء الثلاثة، والتي حملت في طياتها رسائل سياسية تتجاوز إطار اللقاءات البروتوكولية المعتادة، ولا سيما في محطة عين التينة.
وقبيل مغادرته لبنان إلى واشنطن للمشاركة في مناسبة عائلية تتزامن مع التحضيرات للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، حرص عيسى على استطلاع مواقف المسؤولين اللبنانيين حيال آخر التطورات. وبينما حملت لقاءاته مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام تأكيداً للمواقف الأميركية الثابتة تجاه الملف اللبناني، اكتسب لقاؤه مع الرئيس بري أهمية استثنائية، باعتبار الأخير يشكل قناة التواصل الأساسية بين حزب الله والإدارة الأميركية بصورة غير مباشرة.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تكثف جهودها للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، تمهيداً لمرحلة سياسية جديدة قد تفتح الباب أمام تفاهمات أوسع بين لبنان وإسرائيل. وتؤكد مصادر دبلوماسية أميركية مطلعة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تضع هدف التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل ضمن أولوياتها خلال السنوات المتبقية من ولايتها، وتعمل على تهيئة الظروف السياسية والأمنية اللازمة لتحقيق ذلك.
لقاء بري – عيسى
وفق أوساط عين التينة، لم يسفر اللقاء عن اختراق ملموس حتى الآن، فيما لا تزال الأنظار متجهة نحو مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وما قد ينتج عنها من انعكاسات على الساحة اللبنانية. إلا أن المصادر نفسها تؤكد أن الرئيس بري أبلغ السفير الأميركي اعتراضه على عدد من البنود الواردة في الورقة التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية، وفي مقدمها الحديث عن وقف إطلاق النار من جانب حزب الله فقط، من دون التزام إسرائيلي واضح بوقف العمليات العسكرية أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.
في المقابل، طرح عيسى مجموعة أفكار تستند إلى مبدأ “الخطوة مقابل خطوة”، وهو النهج الذي تعتمد عليه الإدارة الأميركية منذ انخراط الموفد الأميركي توم باراك في هذا الملف. وتكمن أهمية اللقاء أيضاً في إعادة تفعيل قنوات التواصل بين عين التينة والخارجية الأميركية، بعدما شهدت هذه العلاقة في مراحل سابقة الكثير من التباعد. وبينما يواصل بري التشديد على أولوية وقف إطلاق النار وإنهاء النزيف المستمر في الجنوب، تحاول واشنطن إيجاد صيغة توفيقية بين المطالب اللبنانية والهواجس الإسرائيلية.
ضمانات أميركية وطروحات قيد البحث
ومن بين الأفكار التي عرضها عيسى، تقديم ضمانات للرئيس بري بشأن عودة أبناء الجنوب إلى بلداتهم وقراهم، بالتوازي مع انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من المناطق التي لا يزال ينتشر فيها. وتقوم إحدى الصيغ المطروحة على انسحاب تدريجي لحزب الله من القرى الحدودية باتجاه شمال الليطاني، مقابل انتشار الجيش اللبناني داخل المنطقة العازلة وإقامة مناطق تجريبية تخضع للمتابعة والتقييم.
وبحسب التصور المطروح، يترافق ذلك مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، فيما يحتفظ الجيش اللبناني بمسؤولية الانتشار وضبط الأمن في المنطقة إلى حين بسط سلطته الكاملة وتنفيذ الترتيبات الأمنية المطلوبة. إلا أن هذا الطرح لا يزال في إطار النقاش، وينتظر مشاورات بين حزب الله والرئيس بري وسائر الجهات المعنية.
في موازاة ذلك، تبرز المبادرة المصرية التي حظيت بترحيب سعودي، والتي تقوم على فكرة "تجميد" سلاح حزب الله ضمن صيغة معينة بدلاً من سحبه أو تفكيكه فوراً. وتعتبر بعض الأوساط أن هذا الطرح قد يكون الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق في المرحلة الحالية، إلا أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن الجانب الأميركي لا يزال متحفظاً عليه ويرى أنه لا يحقق الأهداف المطلوبة.
دلالات تصريحات عيسى
أثارت تصريحات السفير الأميركي بعد لقائه الرئيس بري اهتماماً واسعاً، لا سيما أنه لم ينفِ وجود ترابط بين المسارين اللبناني والإيراني، وهذا ما اعتبره مراقبون مؤشراً إلى أن التطورات الإقليمية باتت تؤثر بشكل مباشر في مستقبل المفاوضات الجارية.
فمن الواضح أن إدارة ترامب تمارس ضغوطاً على إسرائيل، بالتوازي مع سعيها إلى التوصل لتفاهم أوسع مع إيران يعيد رسم التوازنات في المنطقة. وعندما سُئل عيسى عما إذا كانت واشنطن قد تنفتح مستقبلاً على التواصل مع حزب الله كما تفعل مع طهران، أجاب باقتضاب: "إذا الحزب بدّو"، في موقف قرأته الأوساط السياسية على أنه ترك للأبواب مفتوحة وعدم إقفال أي مسار محتمل للحوار في المستقبل.
وفي الوقت نفسه، نفى السفير الأميركي وجود أي تواصل مباشر بين الرئيس ترامب وحزب الله قائلاً: "مش على حد علمي". غير أن مصادر دبلوماسية عربية ترى أن هذه الإجابة لا تنفي وجود قنوات تواصل قد تكون جرت بعيداً عن المسار اللبناني التقليدي، خصوصاً فيما يتعلق بالتواصل الذي حصل بين موفد من حزب الله وادارة ترامب والتي تهدف إلى تسهيل أي تسوية محتملة ضمن "الحزمة الإيرانية" الأوسع.
وبانتظار الجولة الخامسة من المفاوضات، المتوقع عقدها خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران، من دون إعلان رسمي ونهائي عن موعدها، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة. فالمعطيات الحالية توحي بإمكانية الوصول إلى وقف لإطلاق النار خلال الأسابيع المقبلة، إذا ما تواصل الضغط الأميركي على إسرائيل، واستمرت المرونة التي يبديها الثنائي الشيعي عبر قنوات عربية ودولية سعياً للحصول على ضمانات ومكاسب إضافية ضمن أي اتفاق مرتقب.




