مئوية الدستور اللبناني والصخب الشعبوي

زياد الصائغالاثنين 2026/06/08
تظاهرة وسط بيروت وعلم لبنان (Getty)
كان الدستور مشروعاً سياسياً وحضارياً لدولةٍ حديثةٍ ناشئةٍ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مئويّتِه الأولى، يقفُ الدّستورُ اللّبنانيُّ أمامَ مفارقةٍ تكادُ تختصرُ أزمةَ لبنانَ كلّها. فبينما يزدادُ الحديثُ عنه في الخطاباتِ السّياسيّةِ والمنابرِ الإعلاميّةِ والمنتدياتِ العامّة، يتراجعُ حضورُه الفعليُّ في السّلوكِ السّياسيِّ والمؤسّساتيِّ إلى حدودٍ تجعلُ من هذا الحديثِ أقربَ إلى احتفالٍ لفظيٍّ منه إلى التزامٍ وطنيٍّ حقيقيّ. وكأنّ الدّستورَ تحوّلَ إلى مادّةٍ للاستهلاكِ السّياسيِّ والشّعبويِّ، فيما تُنتهكُ روحيّتُهُ وأحكامُهُ ومقاصدُهُ بصورةٍ شبهِ يوميّة. ليست مئويّةُ الدّستور مناسبةً احتفاليّةً فحسب، بل هي فرصةٌ للمراجعةِ والتّقييمِ والنّقد. فالفارقُ هائلٌ بين لبنانَ الدّستور ولبنانَ الممارسة، وبين الدّولةِ الّتي أرادها المؤسّسوُن، والدّولةِ الّتي أنتجتها عقودٌ من المحاصصاتِ، والتّسوياتِ الظّرفيّةِ، واختلالِ موازينِ السّلطةِ والسّيادة.

 

عندما وُضعَ الدّستورُ اللّبنانيُّ عامَ 1926، لم يكن مجرّدَ نصٍّ قانونيٍّ لتنظيمِ المؤسّسات، بل كان مشروعاً سياسيّاً وحضاريّاً لدولةٍ حديثةٍ ناشئةٍ في محيطٍ إقليميٍّ شديدِ التّقلّبات. وقد عكست فلسفتُهُ محاولةً متقدّمةً للتّوفيقِ بين التّعدّديّةِ المجتمعيّةِ، وبناءِ دولةٍ موحّدةٍ قائمةٍ على الحريّاتِ العامّةِ، والفصلِ بين السّلطاتِ وسيادةِ القانون. في هذا السّياق، برزَ دورُ ميشال شيحا بوصفِه أحدَ أبرزِ العقولِ الّتي أسهمت في صياغةِ الرّؤيةِ الفكريّةِ للبنانَ الكبيرِ ولدولتِه الدّستوريّة. لم ينظر شيحا إلى لبنانَ باعتبارِه تجمّعاً للطّوائف، بل مساحةً حضاريّةً للحرّيّةِ والتّنوّعِ والانفتاح. كان يؤمنُ شيحا بأنّ قوّةَ لبنانَ تكمنُ في تعدّديّتِه، شرطَ أن تنتظمَ هذه التّعدّديّةُ ضمن دولةٍ مواطنةٍ قويّةٍ وعادلةٍ تكونُ المرجعيّةَ النّهائيّةَ لجميعِ المواطنين/ات. فالتّعدّديّةُ في فلسفة الدستور اللبنانيّ لم تكن نقيضاً للدّولة، بل سبباً إضافيّاً لتعزيزِها وترسيخِ مؤسّساتِها. في مرحلةٍ لاحقة، أضافَ شارل مالك بُعداً فلسفيّاً وإنسانيّاً عميقاً لفكرةِ الدّولةِ الدّستوريّة. فالرّجلُ الّذي ساهمَ في صياغةِ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، لم يرَ في الدّستور مجرّدَ آليّةٍ لتنظيمِ الحكم، بل إطاراً لحمايةِ كرامةِ الإنسانِ وحريّتِه وحقوقِه الأساسيّة. لذلك ربطَ بين الشّرعيّةِ الدّستوريّةِ وبين قيمةِ الإنسانِ الحرّ، معتبراً أنّ الدّولةَ لا تُقاسُ بقوّتِها فحسب، بل بقدرتِها على صونِ الحرّيّاتِ والعدالةِ وسيادةِ القانون.

 

هكذا وُلدَ الدّستورُ اللّبنانيُّ من رحمِ مشروعٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ متقدّمٍ قياساً إلى بيئتِه وزمانِه. لكنّ المسافةَ بين تلك الرّوحِ التّأسيسيّةِ وبين الواقعِ الحاليِّ تبدو اليومَ شاسعةً إلى حدٍّ يدعو إلى القلق. وفي العقودِ الأخيرة، تحوّلَ الدّستورُ إلى مادّةٍ للتّفسيرِ الانتقائيِّ والاستعمالِ الظّرفيّ. تُستحضرُ بعضُ موادِّه عندما تخدمُ مصالحَ القوى السّياسيّة، وتُهملُ أو تُعطَّلُ عندما تتعارضُ مع هذه المصالح. أمّا الرّأيُ العامُّ فيُدفَعُ غالباً إلى نقاشاتٍ عقيمةٍ حول تفسيرِ مادّةٍ هنا أو صلاحيّةٍ هناك، فيما يغيبُ السّؤالُ الأساسيُّ: هل تُحترمُ الدّولةُ الدّستوريّةُ أصلاً؟

إنّ الصّخبَ الشّعبويَّ، الّذي يرافقُ الحديثَ عن الدّستور، يُخفي حقيقةً أكثرَ خطورة. فالأزمةُ اللّبنانيّةُ ليست أزمةَ نصوصٍ دستوريّة، بل أزمةُ عدم  احترامٍ للدّستور وانعدام تطبيقه. فكم من مرّةٍ رُفعت شعاراتُ الدّولةِ فيما جرى إضعافُ مؤسّساتِها؟ وكم من مرّةٍ جرى الحديثُ عن الشّرعيّةِ فيما كانت الوقائعُ السّياسيّةُ والأمنيّةُ تُنتَجُ خارجَ الشّرعيّة؟ وكم من مرّةٍ احتُفيَ بالدّستورِ فيما كانت ممارساتُ السّلطةِ تفرغُهُ من مضمونِه؟ إنّ أخطرَ ما يواجهُ لبنانَ اليومَ هو هذا الانفصالُ المتزايدُ بين النّصِّ والممارسة. فهناكَ من يتحدّثُ عن الدّستورِ يوميّاً لكنّه لا يتصرّفُ على أساسِه. وهناكَ من يدعو إلى تطويرِ النّظامِ السّياسيِّ فيما يرفضُ تطبيقَ أبسطِ قواعدِ النّظامِ القائم. وهناكَ من يرفعُ لواءَ الإصلاحِ فيما يشاركُ عمليّاً في تكريسِ أسبابِ الانهيار.

 

من هنا، فإنّ أيَّ مقاربةٍ جدّيّةٍ لمستقبلِ لبنانَ يجبُ أن تنطلقَ من حقيقةٍ بديهيّة مفادُها أنّه لا يمكنُ إصلاحُ ما لا يُطبَّق. فقبلَ الحديثِ عن تعديلِ الدّستورِ أو تطويرِ النّظامِ أو تفعيل توزيعِ الصّلاحيّات، ينبغي إعادةُ الاعتبارِ إلى تطبيقِ الدّستورِ نفسه. إذ لا معنى لأيِّ تطويرٍ للدستور إذا كانت الثّقافةُ السّياسيّةُ السّائدةُ تقومُ على تجاوزِ النّصوصِ القائمة.

لا شكَّ في أنّ الدّستورَ اللّبنانيَّ، بعد مئةِ عامٍ على إقرارِه، يحتاجُ إلى مراجعةٍ وطنيّةٍ هادئةٍ ومسؤولةٍ لمعالجةِ بعضِ الثّغراتِ والإشكاليّاتِ الّتي ظهرت بفعلِ التّجربة أو الّلاتجربة. كما أنّ اتّفاقَ الطّائفِ نفسه لا يزالُ يحتوي على بنودٍ إصلاحيّةٍ أساسيّةٍ لم تُنفَّذ حتّى اليوم. لكنّ هذا النّقاشَ المشروعَ يجبُ ألّا يتحوّلَ إلى وسيلةٍ للهروبِ من الأولويّاتِ الوطنيّةِ الأكثرِ إلحاحاً. فالمدخلُ الحقيقيُّ لأيِّ تطويرٍ للنّظامِ السّياسيِّ يبقى استعادةَ الدّولةِ لدورِها السّياديّ الكامل. إذ لا يمكنُ الحديثُ عن دولةٍ دستوريّةٍ مكتملةٍ في ظلِّ ازدواجيّةِ القرارِ والسّلطة. ولا يمكنُ بناءُ مؤسّساتٍ فعّالةٍ في ظلِّ وجودِ مراكزِ نفوذٍ تتجاوزُ المؤسّساتِ الشّرعيّة. ولا يمكنُ تكريسُ مبدأِ المساءلةِ في ظلِّ اختلالِ موازينِ السّيادة. من هنا، تصبحُ حصريّةُ السّلاحِ بيدِ الدّولةِ شرطاً تأسيسيّاً لا يمكنُ القفزُ فوقَه. فالدّستورُ يفترضُ وجودَ دولةٍ واحدةٍ وسلطةٍ شرعيّةٍ واحدةٍ وقرارٍ سياديٍّ واحد. وأيُّ واقعٍ موازٍ لهذه المعادلةِ يؤدّي حكماً إلى إضعافِ الدّستورِ وتعطيلِ فعاليّتِه. لذلك، فإنّ استعادةَ الدّولةِ لاحتكارِ وسائلِ القوّةِ الشّرعيّةِ وبسطَ سيادتِها بقواها الذّاتيّةِ على كاملِ الأراضي اللّبنانيّةِ ليست مطلباً سياسيّاً عابراً، بل جوهرُ فكرةِ الدّولةِ نفسها. السّيادةُ ليست شعاراً، بل شرطُ قيامِ المؤسّسات. والدّستورُ ليس وثيقةً أدبيّة، بل الإطارُ النّاظمُ لممارسةِ السّلطةِ في دولةٍ مواطنة سيّدةٍ حرّةٍ مستقلّة.

 

إنّ مئويّةَ الدّستورِ اللّبنانيِّ تدعونا إلى إعادةِ اكتشافِ فلسفتِه الأصليّة. فلسفةِ الدّولةِ الّتي تتّسعُ لجميعِ بناتِها وأبنائِها. فلسفةِ المؤسّساتِ الّتي تسمو فوق المصالحِ الفئويّة والانتماءات العابرة للحدود. فلسفةِ المواطنةِ الّتي تتقدّمُ على العصبيّات. وفلسفةِ الحرّيّةِ المسؤولةِ الّتي لا تنفصلُ عن سيادةِ القانون. بعد مئةِ عامٍ على ولادةِ الدّستور، لم يعد السّؤالُ كيف نكتبُ دستوراً جديداً أو نطوّره، بل كيف نعيدُ أوّلاً الحياةَ إلى الدّستورِ القائم. لم يعد التّحدّي إنتاجَ نصوصٍ إضافيّة، بل في استعادةَ الإرادةِ الوطنيّةِ لتطبيقِ النّصوصِ الموجودة.

بين لبنانَ الدّستور ولبنانَ الواقعِ فجوةٌ عميقة. وبين خطابِ الدّستور وممارسةِ اغتيالِه هوّةٌ واسعة. لكنّ الخروجَ من هذه الهوّةِ ممكنٌ إذا استعادَ اللّبنانيّون/ات إيمانَهم بالدّولةِ ومؤسّساتِها، وإذا تحوّلَ الدّستورُ من مادّةٍ للشّعبويّةِ والسّجالِ إلى مرجعيّةٍ للحوكمة الرّشيدة. عندها فقط، يمكنُ أن تتحوّلَ مئويّةُ الدّستورِ من مناسبةٍ لاستذكارِ الماضي إلى فرصةٍ حقيقيّةٍ لبناءِ مئويّتِه الثّانية على أسسِ السّيادةِ والدّولةِ والدّيموقراطيّةِ والمواطنة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث