ذكرت صحيفة "إسرائيل هيوم" أنّ إسرائيل رفضت مطلب إيران وقف إطلاق النار في مختلف أنحاء لبنان، وقرّرت مواصلة عمليات الجيش الإسرائيلي في الجنوب، على الرغم من قرار المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي وقف الضربات ضدّ إيران.
وبحسب الصحيفة، فإنّ إيران كانت قد أعلنت، في وقت سابق، أنّها ستوقف إطلاق النار باتجاه إسرائيل، ولن تستأنف هجماتها ما لم تُهاجم إسرائيل إيران أو لبنان. ويُعدّ هذا الإعلان بمثابة معادلة جديدة من الجانب الإيراني، بعدما كانت التحذيرات السابقة تقتصر على احتمال استهداف بيروت.
وجاء الإعلان الإيراني بعد 24 ساعة من التصعيد المكثّف بين إسرائيل وإيران، أطلقت خلالها طهران عددًا كبيرًا من الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيليّة، فيما نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات على أهداف داخل إيران.
بيان إيراني بمعادلة أوسع
ونقلت "إسرائيل هيوم" بيانًا صادرًا عن القيادة الإيرانيّة جاء فيه: "وفقًا للظروف السائدة على الأرض، تمّ إعلان وقف عمليات القوات المسلّحة. ومع ذلك، نؤكّد أنّه إذا استمرّت الأعمال العدوانيّة والاستفزازيّة، بما في ذلك في جنوب لبنان، فستُتَّخذ إجراءات أشدّ قسوةً وأكثر إيلامًا".
وبعد نقاش مطوّل حول البدائل المطروحة داخل المجلس الوزاري الأمني، تقرّر أن يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته التي يصفها بـ"تطهير المنطقة الأمنيّة" في جنوب لبنان، من القرى الشيعيّة التي يقول إنّها استُخدمت مخابئ لعناصر حزب الله.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف ستتعامل إسرائيل مع أي استمرار لإطلاق النار من جانب حزب الله باتجاه الأراضي الإسرائيليّة، في ظلّ مطالبة عدد من الوزراء بتوسيع نطاق العملية العسكريّة لتشمل الضاحية الجنوبيّة لبيروت.
"واللا": هل خضعت إسرائيل للمعادلة؟
في السياق نفسه، طرح موقع "واللا" الإسرائيلي سؤالًا عمّا إذا كانت إسرائيل قد خضعت أمام إيران وحزب الله، معتبرًا أنّ الاختبار الحقيقي يبدأ بعد هدوء القتال.
وبحسب الموقع، ففي الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات مع الولايات المتحدة خلف الكواليس، ينتظر الجيش الإسرائيلي قرارًا من المستوى السياسي بشأن الخطوات المقبلة تجاه إيران. وتحذّر مصادر أمنيّة من أنّ إنهاء جولة القتال، مع بقاء بيروت خارج بنك الأهداف الإسرائيلي، قد يُفسَّر على أنّه رضوخ للمعادلة التي تحاول طهران وحزب الله فرضها على إسرائيل.
ووفقًا لضباط في الجيش الإسرائيلي، لم تتلقَّ المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة حتى الآن إجابة واضحة بشأن الخطوات المقبلة ضدّ إيران، بينما تستمرّ المشاورات مع الولايات المتحدة بعيدًا عن الأضواء.
جاهزية إسرائيلية بانتظار القرار السياسي
يقول الجيش الإسرائيلي إنّه يعمل على تحديث خططه العملياتيّة، وتحديد الأهداف، ورفع مستوى الجاهزيّة الدفاعيّة والهجوميّة، بما في ذلك التنسيق مع الجيش الأميركي، بانتظار التعليمات النهائيّة من المستوى السياسي.
ويأتي ذلك في ظلّ تشاؤم يسود المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة حيال إمكان إنهاء الجولة الحالية مع إيران في هذه المرحلة، على الرغم من الضغوط الأميركيّة.
وبحسب تقرير "واللا"، فإنّ إيران وحزب الله حاولا فرض معادلة جديدة، قديمة، على إسرائيل، تقوم على إبقاء بيروت، التي تُعدّ المركز الحيوي لحزب الله، بما تضمّه من مقارّ قياديّة وغرف عمليات وبنى تحتيّة وخطوط إنتاج ومخابئ لقادته ومسؤوليه الميدانيين، بمنأى عن هجمات الجيش الإسرائيلي.
بيروت في قلب الاختبار الإسرائيلي
ترى مصادر أمنيّة إسرائيليّة أنّ إنهاء الجولة مع استمرار هذه الحصانة لبيروت يعني، عمليًّا، أنّ إيران نجحت في إخضاع إسرائيل لإرادتها. وأضافت هذه المصادر لموقع "واللا" أنّ إسرائيل لا تستطيع القبول بهذه المعادلة، خصوصًا أنّ بيروت تُعدّ، بحسب التوصيف الإسرائيلي، مركزًا لوجستيًّا لنقل الأسلحة والطائرات المسيّرة، إضافةً إلى كونها مركزًا لاتخاذ القرارات.
وعليه، تقدّر المصادر أنّ أي إنهاء للمواجهة مع إيران يتطلّب أوّلًا حسم مسألة ما إذا كانت حرية عمل الجيش الإسرائيلي في ما يتعلّق ببيروت ستبقى قائمة أم لا.
وخلال إحاطة عسكريّة، سُئل ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي عن الأسباب التي دفعت سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكريّة إلى استهداف منطقة الضاحية الجنوبيّة لبيروت أمس، بعد فترة طويلة من الامتناع عن استهدافها، وما الذي قد يدفع الجيش إلى تنفيذ هجمات مماثلة مستقبلًا.
وأوضح الضابط أنّ الجيش يرصد الفرص العملياتيّة ويعرضها على المستوى السياسي للمصادقة عليها، وعند الحصول على الضوء الأخضر تُنفّذ الضربة. وأضاف أنّ المستوى السياسي وافق أمس على العملية، ولذلك نُفّذت.
وبذلك، فإنّ المسؤولية باتت الآن في يد القيادة السياسيّة، التي سيتعيّن عليها أن تقرّر ما إذا كانت ستقبل بالمعادلة التي يسعى المحور الشيعي إلى فرضها، أم أنّها ستوافق على التهدئة في الساحة الإيرانيّة مع استئناف الهجمات ضدّ الضاحية الجنوبيّة، في وقت يواصل فيه الجنود الإسرائيليون مواجهة تهديدات معقّدة في جنوب لبنان والتعامل مع إطلاق الصواريخ نحو الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة.
الجيش الإسرائيلي: لن تكون هناك معادلة جديدة
وكان ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي قد قال، في وقت سابق، إنّ إدخال حزب الله في المعادلة يعكس، بحسب تقديره، عجز النظام الإيراني عن التوصّل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
وأضاف أنّ تدخّل إيران للدفاع عن حزب الله ومواصلة إطلاق التهديدات، إلى جانب خرق وقف إطلاق النار من خلال إطلاق النار باتجاه إسرائيل، يشير إلى أنّ طهران تتجنّب التوصّل إلى اتفاق.
وأكد الضابط أنّ الجيش الإسرائيلي يصرّ على الفصل بين حزب الله وإيران، قائلًا: "لن تكون هناك معادلة جديدة. حزب الله لم ينضمّ إلى الهجمات الليلة الماضية، لكنّنا نستعدّ لعمليات متزامنة، دفاعيّة وهجوميّة، ضدّ حزب الله وإيران".
جاهزية منذ نيسان
وأشار الضابط إلى أنّ قرار مهاجمة إيران جاء بعد دراسة مطوّلة وإعداد خطط تفصيليّة مسبقًا. وقال: "اعتمدنا هذا الخيار الذي دخل حيّز التنفيذ أمس. ومنذ اندلاع إطلاق النار في أوائل نيسان كنّا نعلم أنّ الحملة لم تنتهِ بعد، ولذلك حافظنا على جاهزية فوريّة في مجالي الدفاع والهجوم".
ولفت إلى أنّ هذا المستوى العالي من الجاهزيّة انعكس في قدرة سلاح الجو على تنفيذ ضرباته ضدّ إيران خلال فترة زمنيّة قصيرة جدًّا.
تنسيق وثيق مع واشنطن
وأكد الضابط أنّ جميع المنظومات العسكريّة جاهزة للتعامل مع التطورات، مع التركيز بصورة خاصة على منظومة الدفاع الجوي.
وأوضح أنّ هناك تنسيقًا كاملًا مع القيادة المركزيّة الأميركيّة "سنتكوم"، وأنّ رئيس الأركان الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، أجرى منذ أمس ثلاث محادثات مع قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة.
وحتى الآن، نُفّذت الهجمات ضدّ إيران بواسطة إسرائيل وحدها، من دون مشاركة أميركيّة مباشرة، لكنّ مصدرًا عسكريًّا إسرائيليًّا قال إنّ الولايات المتحدة تساعد في الجهود الدفاعيّة، بل واعترضت أمس أحد المقذوفات التي أُطلقت من إيران.
ونقل "واللا" عن المصدر قوله: "فرقنا موجودة في الولايات المتحدة، وهناك مستوى عالٍ جدًّا من الحوار والتنسيق. الأميركيون لم يُفاجأوا بما حدث على الإطلاق".
مواجهة مفتوحة على اختبار الضاحية والجنوب
في المحصّلة، تعكس التقارير الإسرائيليّة تباينًا بين مسار التهدئة مع إيران واستمرار العمليات في جنوب لبنان، وسط محاولة إسرائيليّة للفصل بين الجبهتين، في مقابل مسعى إيراني إلى توسيع معادلة الردّ لتشمل لبنان كله، لا الضاحية وحدها.
وبينما تصرّ إسرائيل على إبقاء حرية الحركة العسكريّة في الجنوب، وربما في بيروت، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة واشنطن على ضبط إيقاع التصعيد، واختبارًا لمدى استعداد إسرائيل وإيران وحزب الله للذهاب أبعد في تثبيت أو كسر المعادلات الجديدة.




