تحييد الضاحية.. والجنوب تحت النار: هل يَصدق "وعد عيسى"؟

مانشيت - المدنالاثنين 2026/06/08
Image-1780931227.Jpg
"الضاحية الجنوبية مقابل مستوطنات الشمال". (الإنترنت
حجم الخط
مشاركة عبر

لعبت واشنطن دورها كشرطيّ يدير الخلافات في العالم. فتقاطعت المصالح الكبرى، وطلب الرئيس دونالد ترامب من إسرائيل وإيران وقف الضربات الصاروخيّة المتبادلة بينهما. فأعلنت تل أبيب التوقّف عن تنفيذ مزيد من الهجمات في الداخل الإيراني بشرط وقف الصواريخ الإيرانيّة، وهو ما استجابت له طهران، ليعود المشهد الإقليمي إلى مربّع الانضباط بقرار أميركيّ مباشر.

لكنّ هذا التفاهم الدولي- الإقليمي الخاطف يكشف حقيقة قاسية، وهي أنّ تحييد العمق الإيراني وعمق إسرائيل، ووقف الغارات الإسرائيليّة على ضاحية بيروت الجنوبيّة، لم ينعكسا إيجابًا على جبهة جنوب لبنان، بل ربّما يتحوّلان إلى منصّة للاستفراد بها. ففي اللحظة التي دخل فيها التوافق الأميركي، الإيراني، الإسرائيلي حيّز التنفيذ لوقف الهجمات المتبادلة، صعّدت الطائرات والمدافع الإسرائيليّة غاراتها بشكل مكثّف وممنهج على قرى الجنوب. وهذا السلوك العسكريّ لم يكن عشوائيًّا. فقد أرادت إسرائيل، من خلال أحزمة النار الكثيفة، توجيه رسالة حاسمة لطهران وللمجتمع الدولي، مفادها أنّ جنوب الليطاني والزهراني ليس جزءًا من أيّ تفاهم أو تسوية إقليميّة، وأنّ مسار التوغّل البرّي منفصل تمامًا عن أيّ مسار آخر. وتواصل إسرائيل في الجنوب عمليّات الجرف والنسف والتهجير المنظّم للسكّان، مستكملةً هندسة "الحزام الأمني الدائم"، خصوصًا لإسقاط المدن الأساسيّة كالنبطيّة وتطويق صور. ولكن، في المقابل، أطلق حزب الله صواريخ جديدة على المستوطنات. فماذا بعد؟

إذًا، اتفاق إسرائيل، إيران، بوساطة أميركيّة، أعاد الجبهة إلى معادلة: "الضاحية الجنوبيّة مقابل مستوطنات الشمال"، وهي الصيغة التي تلبّي المصالح المشتركة لطرفَي النزاع الإقليميَّين، إذ نجحت تل أبيب في انتزاع هدوء أمنيّ لمدنها ومستوطناتها الشماليّة، وفي الوقت نفسه حافظت على تفويضها المفتوح لمواصلة التوغّل البرّي وقضم الأراضي في الجنوب، من دون الاضطرار لخوض مواجهة استنزاف شاملة في العاصمة بيروت. وهذا ما يحظى بقبول كامل من إدارة ترامب التي ترى في تحييد العاصمة والضاحية إنقاذًا للهيكل الدبلوماسي للدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها الرسميّة، فيما تمنح الضوء الأخضر لإسرائيل كي تنجز تفكيك البنية التحتيّة العسكريّة لحزب الله في المناطق الحدوديّة، كشرط إلزامي لتطبيق مندرجات "إعلان واشنطن" لاحقًا.

ويضع هذا التطوّر لبنان أمام واقع ميداني شديد التعقيد والاختلال. وفيما يتحدّث البعض عن إصرار إيراني على وقف العمليّات الإسرائيليّة جنوبًا، كما توقّفت في الضاحية، ثمّة مخاوف لدى فريق آخر في لبنان من أن تؤدّي استجابة إيران للطلب الأميركي بوقف النار، انطلاقًا من أولويّاتها السياسيّة والاقتصاديّة ومفاوضاتها مع البيت الأبيض، إلى بقاء الجنوب وحيدًا في مواجهة آلة حرب إسرائيليّة تمتلك تفوّقًا تكنولوجيًّا وناريًّا مطلقًا، وباتت متحرّرة من ضغوط الاشتباك الإقليمي بعد تحييد إيران وضبط جبهة باب المندب مجدّدًا. وإسرائيل ستستغلّ هذا الاستفراد الميداني المدعوم أميركيًّا والمقبول إيرانيًّا لتسريع عمليّات القضم البرّي وتثبيت نقاط تمركزها شمال الليطاني كأمر واقع، إذا لم يكن خاضعًا للتفاوض كما هي الضاحية الجنوبيّة. وكشفت مصادر متابعة لـ"المدن" أنّ الرئيس نبيه برّي طلب من السفير الأميركي ميشال عيسى ضرورة الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار ووقف عمليّات التدمير والتجريف في الجنوب. وقد سمع برّي من عيسى أنّ المساعي الأميركيّة لتثبيت وقف إطلاق النار مستمرّة، ومن الممكن أن تتبلور خلال الأيّام القليلة المقبلة. وكان برّي يسعى للحصول على توضيحات بشأن البيان الثلاثي الذي صدر. وقد أوضح عيسى أنّ ما جرى الاتفاق عليه في المفاوضات هو وقف كامل لإطلاق النار. ويطالب الأميركيون إيران بعدم تنفيذ أيّ ردّ على إسرائيل خلال الأيّام المقبلة، ردًّا على الضربات الإسرائيليّة في الجنوب، بانتظار مساعيهم لتحقيق وقف النار الكامل.

 

الضاحية مقابل الشمال: معادلة الردع الناقص

ما أعلنه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس لم يكن مجرّد موقف تعبويّ موجّه إلى الداخل الإسرائيلي، بل كان تثبيتًا سياسيًّا لمعادلة تريد تل أبيب فرضها على لبنان والمنطقة. قوله إنّ "الأمر نفسه ينطبق على حيّ الضاحية في بيروت كما ينطبق على البلدات الشماليّة"، وإنّ "أيّ هجوم على البلدات الشماليّة سيقابله هجوم على الضاحية"، يعني أنّ إسرائيل لم تعد تتعامل مع لبنان كجبهة واحدة، بل كخرائط ضغط منفصلة، لكلّ منها ثمنها وقواعدها وسقفها.

بهذا المعنى، تحاول إسرائيل أن تنتزع من التفاهم الأميركي، الإيراني هامشًا مزدوجًا: تهدئة مع إيران، وردع ضد حزب الله، وحريّة عمل في الجنوب. فهي لا تريد حربًا إقليميّة مفتوحة، ولا تريد في الوقت نفسه وقفًا فعليًّا للعمليّات داخل لبنان. لذلك يصبح الجنوب، في الحساب الإسرائيلي، منطقة استنزاف قابلة للاحتلال التدريجي، بينما تتحوّل الضاحية إلى ورقة ردع متبادلة، تُستخدم عند الحاجة ولا تُقفل نهائيًّا.

 

"خاتم الأنبياء": إدخال الجنوب في المساومة الكبرى

شكّل إعلان مقرّ "خاتم الأنبياء" تعليق العمليّات العسكريّة ضد إسرائيل تحوّلًا مهمًّا في رسم حدود الاشتباك. فالبيان لم يكتف بتثبيت معادلة الردّ على استهداف الضاحية، بل أضاف عبارة مفصليّة تتعلّق بجنوب لبنان، حين ربط استمرار الاعتداءات والفظائع هناك بإجراءات "أشدّ قسوة وسحقًا". وهذه الإضافة ليست تفصيلًا لغويًّا، بل إشارة سياسيّة وعسكريّة إلى أنّ إيران لا تريد إخراج الجنوب نهائيًّا من معادلة الضغط، حتّى وهي تستجيب لطلب واشنطن بوقف النار.

لكنّ المشكلة تكمن في طبيعة هذا الربط. فهل يعني أنّ طهران ستعود إلى ضرب إسرائيل إذا واصلت تل أبيب تدمير الجنوب؟ أم أنّ المقصود هو استخدام الجنوب كورقة تفاوض في المسار الأميركي، الإيراني، لا كجبهة تُدار وفق ضرورات لبنانيّة؟ هنا يظهر جوهر المأزق اللبناني: الجنوب حاضر في البيان الإيراني، لكنّه قد لا يكون حاضرًا كأولويّة لبنانيّة مستقلّة، بل كجزء من سلّة أكبر تشمل النووي، والعقوبات، وأمن إسرائيل، ودور إيران الإقليمي.

من هذه الزاوية، يبدو أنّ إيران فتحت الباب أمام معادلة جديدة عنوانها "الجنوب بعد الضاحية". غير أنّ هذه المعادلة لا تزال غامضة. فإمّا أن تتحوّل إلى حماية سياسيّة وميدانيّة للجنوب، وإمّا أن تبقى مجرّد تحذير تفاوضي يسمح لإسرائيل بمواصلة الضغط إلى حين نضوج الصفقة الكبرى.

 

واشنطن بين التهدئة والتفويض

الأداء الأميركي يكشف بدوره عن ازدواجيّة دقيقة. فواشنطن تريد منع توسّع الحرب، لكنّها لا تريد بالضرورة وقف كلّ الحرب. تريد ضبط إيران، وحماية إسرائيل، والحفاظ على مؤسّسات الدولة اللبنانيّة من الانهيار الكامل، لكنها لا تُظهر الحماسة نفسها لمنع إسرائيل من إعادة تشكيل الجنوب بالقوّة. لذلك تبدو الوساطة الأميركيّة كأنّها تفرّق بين ما يُهدّد الاستقرار الإقليمي الشامل وما يُعدّ، في نظرها، "معالجة أمنيّة" داخل المسرح اللبناني.

زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى بعبدا وعين التينة والسراي جاءت في هذا السياق. في بعبدا، تحدّث عن "الطريق الصحيح" وعن أهميّة اختيار الرئيس جوزاف عون مسار المفاوضات. وفي عين التينة، اختصر المعادلة بقوله: "إذا أوقف حزب الله هجومه على إسرائيل، فهي لن تستهدف الضاحية". أمّا في السراي، فشدّد الرئيس نواف سلام على أنّ "لا يفاوض أحد عن لبنان غير الدولة اللبنانيّة".

هذه المواقف الثلاثة تكشف التوازن الهشّ الذي تحاول واشنطن ترتيبه: رئاسة جمهوريّة تُمنح غطاءً دبلوماسيًّا، ورئاسة مجلس نوّاب تُستخدم كقناة مع حزب الله، وحكومة تؤكّد حصريّة التفاوض باسم الدولة. لكنّ هذا البناء السياسي يبقى ناقصًا ما لم يترافق مع وقف فعلي للنار في الجنوب. فالدولة التي تفاوض تحت النار لا تمتلك هامشًا حقيقيًّا، بل تتحرّك ضمن شروط يفرضها الميدان الإسرائيلي.

 

إسرائيل تفصل لبنان عن المسار الإيراني بالنار

التصعيد الإسرائيلي الواسع بعد إعلان "خاتم الأنبياء" بدا كأنّه ردّ مباشر على محاولة إدخال الجنوب في المعادلة. الغارات على برج الشمالي، والخرايب، وخربة الدوير، والمعشوق، وعربصاليم، ثمّ توسيع الاستهداف إلى بلدات في صور والنبطيّة وجزين، لا يمكن قراءتها كعمليّات عسكريّة منفصلة. إنّها رسالة بالنار تقول إنّ تل أبيب لن تقبل بأن يتحوّل جنوب لبنان إلى بند ملزم في التفاهم الأميركي، الإيراني.

إسرائيل تريد أن تقول لطهران: وقف النار بيننا وبينكم لا يشمل لبنان. وتريد أن تقول لواشنطن: التهدئة مع إيران لا تعني تقييد يد الجيش الإسرائيلي في الجنوب. وتريد أن تقول لحزب الله: الضاحية باتت تحت معادلة ردع، لكنّ الجنوب سيبقى ساحة مفتوحة. بهذا المعنى، لا تكمن خطورة المرحلة في حجم الغارات فقط، بل في وظيفتها السياسيّة. فهي لا تستهدف مواقع عسكريّة فحسب، بل ترسم حدود التفاوض المقبل وتفرض وقائع جغرافيّة قبل أن تُكتب أيّ تسوية.

 

حزب الله: فخّ الاستدراج

في المقابل، يدرك حزب الله أنّ أيّ ردّ واسع قد يمنح إسرائيل الذريعة التي تبحث عنها لتوسيع النار نحو الضاحية وبيروت. لذلك تأتي عمليّاته في الجنوب ضمن سقف محسوب: صواريخ على المستوطنات، مسيّرات على مواقع التوغّل، واستهدافات لقوات الاحتلال داخل المناطق المتقدّمة. لكنّ هذا السقف نفسه يطرح سؤالًا قاسيًا: هل يكفي الردّ المحدود لمنع القضم البرّي؟ وهل تستطيع المقاومة أن تُبقي الجنوب في دائرة الاشتباك من دون أن تجرّ الضاحية إلى النار؟

هذا هو الفخّ الذي تحاول إسرائيل نصبه. فهي تدفع حزب الله إمّا إلى الصمت أمام التدمير، وإمّا إلى الردّ بما يفتح باب التصعيد. وبين الخيارين، تسعى تل أبيب إلى تثبيت حزام أمنيّ جديد، قائم على تفريغ السكان، وتدمير البنية العمرانيّة، وتحويل القرى إلى مناطق عازلة، يصعب الرجوع إليها حتى لو توقّفت الحرب رسميًّا.

 

الدولة اللبنانيّة أمام امتحان السيادة

لبنان اليوم ليس أمام سؤال عسكري فقط، بل أمام سؤال سيادي عميق: من يفاوض؟ ومن يقرّر؟ ومن يضمن أن لا يتحوّل الجنوب إلى ملحق في صفقة إقليميّة؟ تأكيد نواف سلام أنّ الدولة وحدها تفاوض باسم لبنان هو موقف ضروري، لكنّه يحتاج إلى قوّة سياسيّة وميدانيّة تترجمه. كما أنّ مطالبة نبيه برّي بوقف شامل لإطلاق النار تعبّر عن إدراك واضح بأنّ وقف استهداف الضاحية وحده لا يحمي لبنان، بل قد يشرعن استنزاف الجنوب.

المطلوب لبنانيًّا ليس الاكتفاء بانتظار ما ستفعله واشنطن أو طهران، بل تحويل وقف النار الشامل إلى شرط سياسي لا تنازل عنه. فقبول معادلة "الضاحية مقابل الشمال" من دون وقف الحرب على الجنوب يعني عمليًّا الاعتراف بحق إسرائيل في إدارة احتلال منخفض الكلفة، طويل الأمد، تحت مظلّة تفاهمات كبرى.

 

الجنوب ليس هامشًا في الصفقة

ما يجري لا يشبه هدنة، بل إعادة توزيع لساحات النار. إيران أوقفت ضرباتها لأنّ أولويّاتها التفاوضيّة تفرض ذلك. إسرائيل أوقفت استهداف إيران لأنّ واشنطن طلبت ذلك. أمّا الجنوب اللبناني، فبقي بلا ضمانة واضحة، بين وعد أميركي بوقف كامل للنار، وتحذير إيراني غامض، وإصرار إسرائيلي على مواصلة العمليات "بكامل القوّة".

هنا تكمن الحقيقة السياسيّة الأشدّ خطورة: الضاحية دخلت في معادلة ردع، لكنّ الجنوب دخل في معادلة ابتزاز. وإذا لم يتحوّل الضغط الأميركي إلى قرار واضح يلزم إسرائيل بوقف التوغّل والتدمير والتهجير، فإنّ التفاهم الإقليمي لن يكون تسوية، بل غطاءً لإنتاج حزام أمني جديد على حساب لبنان.

وعليه، فإنّ الساعات والأيّام المقبلة لن تختبر فقط صدقيّة واشنطن في تثبيت وقف النار، بل ستختبر أيضًا قدرة لبنان الرسمي على منع تحويل جنوبه إلى ورقة تفاوض مستباحة. فالمعادلة الحاسمة لم تعد بين إيران وإسرائيل وحدهما، بل بين دولة لبنانيّة تريد استعادة قرارها، وإسرائيل تسعى إلى فرض جغرافيا جديدة بالقوّة، ووسيط أميركي يملك مفاتيح التهدئة، لكنّه لم يثبت بعد أنّه يريد استخدامها لحماية الجنوب كما استخدمها لحماية التفاهمات الكبرى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث