الجنوب بين الاحتلال والسيطرة والاشتباك: هذه هي خريطة الميدان

حسن فقيهالاثنين 2026/06/08
Image-1772898843
تريد إسرائيل الاحتفاظ بمناطق استراتيجية محددة(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعد المشهد الميداني في جنوب لبنان يُختصر بالغارات الجوية أو الاستهدافات المتفرقة، بل بات أقرب إلى إعادة رسم لخريطة النفوذ والسيطرة على الأرض. فمنذ توسع العمليات البرية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، تشكلت وقائع جديدة قسمت الجنوب إلى مناطق محتلة بالكامل، وأخرى واقعة تحت السيطرة النارية والعسكرية الإسرائيلية، وثالثة لا تزال تشهد مواجهات وعمليات كرّ وفرّ، فيما تحاول الدولة اللبنانية والجيش اللبناني استعادة حضورهما في بعض النقاط التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي أخيراً.

 

القطاع الغربي: احتلال مباشر وسيطرة نارية

في الشريط الحدودي الممتد من القطاع الغربي وصولاً إلى القطاع الشرقي، توجد عشرات القرى التي تعرضت لاحتلال مباشر أو لعمليات توغل متكررة، وأصبحت أجزاء واسعة منها شبه خالية من السكان نتيجة الدمار الكبير والخطر الأمني المستمر. وتتركز السيطرة الإسرائيلية الأشد في القرى المحاذية للحدود وفي التلال المشرفة التي تمنح أفضلية عسكرية وقدرة على المراقبة والرصد، وهو ما يجعل الاحتلال يتمسك بعدد من النقاط المرتفعة والاستراتيجية، حتى عندما ينسحب من بعض البلدات أو الطرقات.

في القطاع الغربي تحتلّ إسرائيل الناقورة، شمع، البياضة، علما الشعب، الضهيرة، يارين، البستان، مروحين، أم التوت، الزلوطية، شيحين، الجبين، طير حرفا والبطيشية، فيما تشرف بالنار على مجدل زون والمنصوري والقليلة والحنية.

وتجدر الإشارة إلى أن قرى مجدل زون والمنصوري والقليلة والحنية وغيرها من قرى القطاع الغربي تشهد حضوراً كبيراً للمقاومين. وبالتالي فإن أي محاولة تقدم إسرائيلية محتملة هناك ستصطدم بمواجهات واسعة. كما أن أي تقدم بري في هذا المحور سيمر بداية من مجدل زون، نظراً لارتفاعها الجغرافي مقارنة بالقرى المحيطة بها، ما يجعلها البوابة الأساسية نحو المنصوري والحنية والقليلة وسائر القرى الواقعة في العمق الغربي.

 

القطاع الأوسط: جبهة مفتوحة وكلفة مرتفعة

في القطاع الأوسط تحتل إسرائيل مارون الرأس، يارون، عيترون، عيتا الشعب، رامية، بيت ليف، القوزح، دبل، بنت جبيل، رشاف، وحداثا التي لا تزال تشهد مواجهات مستمرة.

وقد وصلت محاولات التقدم الإسرائيلية إلى بلدة حداثا، حيث دارت اشتباكات عنيفة، فيما يبدو أن أي تقدم جديد سيحتاج إلى المرور عبر حاريص ثم تبنين، وهي مناطق تمنح من يسيطر عليها إشرافاً ميدانياً واسعاً.

إلا أن قرى تبنين، شقرا، دوبيه، السلطانية، مجدل سلم، خربة سلم، حاريص، قبريخا وبرج قلاويه تشهد بدورها حضوراً كبيراً للمقاومين، وهذا ما يجعل أي عملية توغل إضافية مكلفة للغاية.

وكان آخر محاور التقدم في هذا القطاع يتمثل في الغندورية، حيث نصبت المقاومة كميناً لقوة إسرائيلية عند أطراف البلدة الشرقية، علماً بأن ما بعد الغندورية يمتد نحو فرون وبرج قلاويه، وصولاً إلى مشارف قرى قضاء صور، وهذا ما يعني أن أي تمدد إضافي سيكون واسع النطاق ويحتاج إلى قدرات كبيرة، وهو أمر لا يبدو أن جيش الاحتلال مستعد لخوضه في المدى المنظور بسبب الكلفة البشرية والعسكرية المرتفعة.

 

القطاع الشرقي: التقدم الأخطر نحو النبطية

يُعد القطاع الشرقي أكثر القطاعات التي تشهد تقدماً وتوغلاً إسرائيلياً، انطلاقاً من قرى قضاء مرجعيون وصولاً إلى تخوم النبطية.

وتحتل إسرائيل مركبا، حولا، ميس الجبل، بليدا، محيبيب، العديسة، كفركلا، الوزاني، الخيام، سردا، العمرة، دير سريان، الطيبة، رب ثلاثين والقنطرة، إضافة إلى عدد من قرى قضاء النبطية التي وصلت إليها عبر محور دير سريان.

فبعد الدخول إلى زوطر الشرقية، تقدم جيش الاحتلال باتجاه يحمر الشقيف وأرنون، ووصل إلى قلعة الشقيف، حيث التقط صوراً تذكارية في إطار الحرب النفسية التي يخوضها ضد بيئة حزب الله.

لكن السؤال يبقى: هل استقر الاحتلال فعلياً داخل القلعة؟

المعطيات الميدانية تشير إلى أن إسرائيل تسيطر على القلعة، لكنها تتجنب تمركز جنودها فيها بشكل دائم بسبب خطر الاستهداف، ما يعني أن القلعة أصبحت عملياً تحت السيطرة الإسرائيلية، حتى وإن لم يظهر فيها انتشار عسكري دائم.

 

ميفدون وتلة الصوان: لماذا يُعد التقدم خطيراً؟

تشير معلومات ميدانية إلى تقدم إسرائيلي باتجاه بلدة ميفدون، وهو تطور لا يمكن اعتباره مجرد توغل محدود، بل محاولة لتوسيع نطاق السيطرة من الشريط الحدودي نحو عمق منطقة النبطية.

انطلقت القوة الإسرائيلية من منطقة البرك الواقعة بين زوطر الشرقية وزوطر الغربية، وهي عقدة جغرافية تربط سهل الزوطرين بمحور ميفدون – قعقعية الجسر – النبطية.

ثم تمركزت القوات في تلتين ضمن منطقة الصوان جنوب ميفدون، وهو اختيار مدروس لأن هذه التلال تشرف نارياً وبصرياً على ميفدون، قعقعية الجسر، الزوطرين، وأجزاء من الطريق الرابط بين النبطية ومرجعيون.

وإذا ثبت هذا التقدم، فإن القوات الإسرائيلية تكون قد وصلت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة إلى تماس مباشر مع الحزام الجنوبي لمدينة النبطية، بعدما كانت العمليات تتركز في القطاع الحدودي ومرجعيون والخيام، أي أن خط التماس انتقل عملياً من محور كفركلا – العديسة – الخيام إلى محور الزوطرين – ميفدون – قعقعية الجسر، وهو تطور نوعي في عمق التوغل.

وتكتسب قعقعية الجسر أهمية خاصة لأنها تشكل عقدة مواصلات أساسية تربط النبطية بالجنوب الشرقي ومرجعيون ومنطقة الزهراني، ما يجعل الإشراف عليها من تلة الصوان عاملاً يسمح بمراقبة الحركة على عدد من المحاور الحيوية أو التأثير عليها.

 

تلة مدرار: مفتاح السيطرة على النبطية

وتتحدث معلومات ميدانية أيضاً عن إرسال الاحتلال آلية مسيّرة من ميفدون باتجاه منطقة مدرار لاستطلاع الواقع الميداني ومحاولة الوصول إلى تلة مدرار والسيطرة عليها.

وتُعد هذه التلة من أهم المرتفعات في المنطقة، إذ تمنح إشرافاً نارياً على عدد كبير من قرى النبطية، وربما تفوق أهميتها العسكرية مرتفع علي الطاهر.

وتقع تلة مدرار ضمن نطاق مرتفعات الشقيف والنبطية الجنوبية، وتشرف على عدد من المحاور الحيوية، فيما تسمح طبيعتها الجغرافية المرتفعة بمراقبة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأودية التي تشكل ممرات حركة طبيعية بين القرى.

أما إذا تحول التمركز الإسرائيلي في هذه المنطقة إلى نقطة ثبات دائمة، فإن ذلك يعني عملياً أن إسرائيل تحاول إنشاء حزام سيطرة جديد شمال الليطاني يمتد من الخيام ومرجعيون شرقاً نحو محيط النبطية غرباً.

وفي هذا السياق، لا يكمن الخطر الحقيقي في ميفدون نفسها، بل في تلة الصوان. فمن يسيطر على هذه التلة يمتلك أفضلية مراقبة على الزوطرين وقعقعية الجسر وميفدون، ويصبح على مسافة قصيرة من المدخل الجنوبي لمدينة النبطية.

 

السيطرة غير المباشرة ومناطق الاشتباك

أما المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة، فهي تلك التي لا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي بصورة دائمة، لكنه يمتلك القدرة على التحرك داخلها واستهداف أي نشاط فيها بواسطة الطائرات المسيّرة والمدفعية وسلاح الجو.

وتشمل هذه المساحة جزءاً كبيراً من القرى الواقعة جنوب الليطاني، حيث لا تزال العودة الطبيعية للسكان شبه مستحيلة بسبب استمرار الغارات وعمليات التجريف والاستهداف المتكرر.

في المقابل، لا تزال بعض المناطق تمثل ساحات اشتباك مفتوحة، خصوصاً في القطاع الأوسط وبعض المحاور الشرقية، ما يؤكد أن الجنوب لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار الميداني وأن خطوط التماس ما زالت قابلة للاشتعال في أي لحظة.

 

دبين وفتح طريق مرجعيون

ومن أبرز التطورات خلال الأيام الأخيرة التراجع الإسرائيلي من دبين. فبعد فترة من التوغل والتمركز انسحبت قوات الاحتلال من أجزاء من البلدة ومحيطها، ما سمح للجيش اللبناني بالدخول والانتشار التدريجي وفتح الطريق الحيوي الذي يربط مرجعيون بحاصبيا والبقاع.

ولا يقتصر معنى فتح طريق مرجعيون على الجانب اللوجستي فحسب، بل يحمل دلالات سياسية وعسكرية أوسع، إذ يشكل هذا الطريق شرياناً أساسياً يربط المنطقة الحدودية بعمقها اللبناني. وإعادة فتحه تعني كسر حالة العزل التي فرضتها العمليات العسكرية خلال الفترة الماضية.

مع ذلك، لا يعني هذا التطور انتهاء النفوذ العسكري الإسرائيلي أو توقف قدرته على التدخل والاستهداف. كما لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون إسرائيل تحاول توظيف الانسحاب من بعض القرى وتسليمها للجيش اللبناني كورقة ضغط سياسية بالتزامن مع المفاوضات الجارية.

 

بين التفاوض والميدان

سياسياً، يبدو أن إسرائيل تحاول الانتقال من مرحلة الاحتلال الواسع إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على الاحتفاظ بمناطق استراتيجية محددة، مع فرض سيطرة نارية وأمنية على مساحة أوسع من الجنوب.

وبذلك تسعى إلى إنشاء واقع ميداني يمنحها حرية الحركة ويحد من قدرة خصومها على إعادة بناء قدراتهم العسكرية جنوب الليطاني.

ولهذا يمكن القول إنَّ خريطة الجنوب اليوم تقوم على ثلاثة مستويات متداخلة: مناطق محتلة بشكل مباشر، ومناطق خاضعة للسيطرة النارية الإسرائيلية، ومناطق لا تزال تشهد مواجهات وتغيراً مستمراً في خطوط النفوذ.

وبين هذه المستويات تتحرك الدولة اللبنانية عبر المسار الدبلوماسي لمحاولة استعادة الأرض والحضور، فيما يحاول حزب الله الصمود لأطول فترة ممكنة وتكبيد إسرائيل خسائر ميدانية، بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الإقليمية والدولية.

أما اللبنانيون عامة، والجنوبيون خاصة، فينتظرون نهاية هذه المرحلة الثقيلة من تاريخهم، آملين بوقف شامل للحرب وانسحاب إسرائيلي كامل وعودة آمنة إلى قراهم، لكن دون خيار وحيد يرفضونه تماماً وهو...الاستسلام

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث