بعد استهداف إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت، نفذت اسرائيل تهديدها، في محاولة لتثبيت معادلة الردع التي أعلنتها، والقائمة على أن استهداف الضاحية سيقابله تدخل إيراني واستهداف لشمال إسرائيل، كما أعلن مقر "خاتم الأنبياء" الإيراني في اول تعليق له، أن عملية الليلة لم تكن سوى "إنذار"، محذراً من أنه إذا تكررت هذه الاعتداءات فسيكون الرد أوسع نطاقاً وسيشمل "جميع الأهداف الأميركية الصهيونية في المنطقة".
لم تمضِ ساعات على تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، "حزب الله" بالردّ على عمليّات الإطلاق التي سُجّلت صباح الأحد، حتّى أعلن الجيش الإسرائيلي بدء مهاجمة بنى تحتيّة تابعة للحزب في الضاحية الجنوبيّة لبيروت.
وكان نتنياهو قد قال، في افتتاح اجتماع مجلس الوزراء: "لن نسمح لحزب الله بإطلاق النّار على أراضينا أو مجتمعاتنا، وسنتصرّف وفقًا لذلك"، قبل أن يصدر، لاحقًا، بيان مشترك عنه وعن وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، يؤكّد شنّ غارة على مواقع في منطقة الضاحية الجنوبيّة لبيروت.
وجاء في البيان الإسرائيلي أنّ الغارة نُفّذت بتوجيهات من نتنياهو وكاتس، ردًّا على إطلاق نار من "حزب الله" باتجاه الأراضي الإسرائيليّة، في تطوّر يرفع مستوى التصعيد من الجنوب إلى قلب الضاحية، ويضع اتفاق وقف إطلاق النّار أمام اختبار بالغ الخطورة.
الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف بنى تحتيّة للحزب
أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أنّ الجيش يهاجم، في هذه الأثناء، بنى تحتيّة تابعة لـ"حزب الله" في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، من دون أن يقدّم، في المرحلة الأولى، تفاصيل إضافيّة عن طبيعة المواقع المستهدفة أو حجم الأضرار.
ويمثّل هذا الإعلان انتقالًا من التهديد السياسيّ إلى الفعل العسكريّ المباشر، بعد سلسلة تصريحات إسرائيليّة تحدّثت عن عدم السماح للحزب بمواصلة إطلاق النار باتجاه الأراضي الإسرائيليّة، وعن استعداد تل أبيب للتحرّك ضدّ ما تصفه بـ"التهديدات المتشكّلة".
ثلاثة صواريخ على تحويطة الغدير
ميدانيًّا، أفادت معلومات بأنّ الغارة الإسرائيليّة على الضاحية الجنوبيّة لبيروت نُفّذت بثلاثة صواريخ، واستهدفت شقّتين في منطقة نزلة الموقف، عند مفرق محطة الأيتام باتجاه تحويطة الغدير.
ولم تُعرف بعد الحصيلة النهائيّة للغارة، فيما يُنتظر صدور معطيات إضافيّة عن حجم الأضرار، وما إذا كانت الغارة قد أسفرت عن إصابات أو شهداء.
وتكتسب الغارة على الضاحية دلالة سياسيّة وميدانيّة خاصّة، كونها تأتي بعد مرحلة من التركيز الإسرائيليّ على جنوب لبنان، سواء عبر الغارات المكثّفة، أو عمليّات التوغّل، أو الحديث عن استهداف بنى تحت الأرض في مناطق حسّاسة، من قلعة الشقيف إلى أطراف النبطيّة.
وباستهداف الضاحية الجنوبيّة لبيروت، تكون إسرائيل قد وسّعت هامش عمليّاتها إلى منطقة ذات رمزيّة سياسيّة وأمنيّة كبرى بالنسبة إلى "حزب الله"، ما قد يفتح الباب أمام ردود متبادلة أوسع، ويدفع وقف إطلاق النّار إلى حافّة الانهيار.
اتفاق هشّ أمام منعطف خطير
وتأتي الغارة في لحظة شديدة الحساسيّة، بعدما أعلن نتنياهو، في وقت سابق، أنّ اتفاق وقف إطلاق النّار بين إسرائيل ولبنان لم يكتمل بعد بصيغته النهائيّة، مشيرًا إلى أنّ رفض "حزب الله" لبنوده يعني، من وجهة النظر الإسرائيليّة، عدم وجود اتفاق نافذ حتّى الآن.
وفي المقابل، يواصل "حزب الله" ربط أيّ تهدئة فعليّة بوقف الاعتداءات الإسرائيليّة والانسحاب من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، بينما تتصاعد العمليّات المتبادلة على امتداد الجبهة.
وبذلك، تدخل المواجهة مرحلة جديدة، عنوانها انتقال الضربات من الجنوب إلى الضاحية، وتراجع فرص ضبط التصعيد، في وقت تبدو فيه التفاهمات السياسيّة عاجزة عن احتواء إيقاع الميدان.
ورغم إعلان "حزب الله" رفضه اتفاق وقف إطلاق النّار في لبنان، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول إسرائيلي قوله إنّه "من المبكر نعي اتفاق وقف إطلاق النّار في لبنان"، في إشارة إلى أنّ تل أبيب لا تزال ترى هامشًا لاستمرار التفاهمات، رغم التوتّر السّياسيّ والميدانيّ القائم.
وبحسب المسؤول الإسرائيلي، فإنّ إعلان الحزب رفض الاتفاق لم يتحوّل، حتّى الآن، إلى قصف مباشر للبلدات الإسرائيليّة، إذ قال: "رغم إعلان حزب الله رفضه اتفاق وقف إطلاق النّار، إلا أنّه أوقف قصف بلداتنا".
وتعكس هذه القراءة محاولة إسرائيليّة للفصل بين الموقف السّياسيّ المعلن لـ"حزب الله"، وبين السلوك الميدانيّ الذي تراه تل أبيب مؤشّرًا إلى أنّ الاتفاق، على هشاشته، لم يفقد كلّ فرص الصّمود.
وفي سياق التطوّرات الميدانيّة، أفاد موقع "والا" العبريّ بأنّ الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل تنفيذ عمليّات توغّل برّيّة موضعيّة في أطراف مدينة النبطيّة، مستخدمًا أنواعًا مختلفة من الروبوتات لرصد العبوات الناسفة وكشف الخلايا المسلّحة في المنطقة.
خروقات متواصلة واتفاق هشّ
في المقابل، تتواصل العمليّات العسكريّة في جنوب لبنان، في ظلّ خروقات إسرائيليّة مستمرّة لاتفاق وقف إطلاق النّار الهشّ، السّاري منذ 17 نيسان/أبريل الماضي، إذ شهد الميدان، صباح الأحد، تبادلًا للقصف والعمليّات بين "حزب الله" وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحوّل الاتفاق إلى مجرّد هدنة عابرة، مع استمرار الضّربات المتبادلة، وتبادل الاتهامات بشأن المسؤوليّة عن الخروقات، وسط ترقّب داخليّ وإقليميّ لمسار الجبهة الجنوبيّة.
عمليّات لـ"حزب الله" في أكثر من محور
ميدانيًّا، أعلن "حزب الله" تنفيذ سلسلة هجمات استهدفت مواقع وتجمّعات لجيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقال الحزب إنّ عناصره استهدفوا تجمّعًا لآليّات وجنود الاحتلال عند الأطراف الجنوبيّة الشرقيّة لبلدة يحمر الشقيف، بقذائف المدفعيّة.
كما أعلن استهداف مقرّ قياديّ لجيش الاحتلال في بلدة النّاقورة، بواسطة مسيّرة من نوع "أبابيل"، إضافة إلى استهداف تجمّع لجنود الاحتلال عند الأطراف الجنوبيّة لبلدة حداثا، بمسيّرتين انقضاضيّتين.
إصابات إسرائيليّة ورصد أهداف جويّة
في الجانب الإسرائيلي، أفادت هيئة البثّ الإسرائيليّة، نقلًا عن جيش الاحتلال، بإصابة أربعة جنود احتياط بجروح، جرّاء هجوم بمسيّرة مفخّخة في جنوب لبنان.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي رصد هدف جوّي سقط بالقرب من قواته المتمركزة في جنوب لبنان، من دون وقوع إصابات، مشيرًا في بيان إلى أنّ التحقيق الأوّلي أظهر أنّ الإنذار الأخير فُعّل بعد رصد الهدف في الأجواء.
ارتفاع الخسائر الإسرائيليّة
وارتفعت حصيلة قتلى الجيش الإسرائيلي على الجبهة اللبنانيّة، بعد إعلان مقتل ضابط وجندي في معارك جنوب لبنان، إلى 32 قتيلًا من الجنود والضبّاط منذ 2 آذار/مارس الماضي، بينهم 16 قتيلًا منذ إعلان وقف إطلاق النّار في لبنان، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيليّة.
وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل ضابط من وحدة "إيغوز" وجندي من لواء "غفعاتي" خلال المعارك الدائرة في جنوب لبنان، في وقت تستمرّ فيه الاشتباكات والضّربات المتبادلة رغم إعلان وقف إطلاق النّار، وما رافقه من ترتيبات أمنيّة كان يُفترض أن تفتح الباب أمام خفض التّصعيد وانسحاب إسرائيلي تدريجيّ من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة.
وتأتي الحصيلة الجديدة بعد تقارير كانت قد أشارت إلى مقتل 30 جنديًّا وضابطًا إسرائيليًّا منذ اندلاع المواجهات على الجبهة اللبنانيّة في 2 آذار/مارس، قبل أن ترفع خسائر اليوم عدد القتلى العسكريّين إلى 32.
استنزاف ميدانيّ وكلفة سياسيّة
تعكس هذه الأرقام استمرار الاستنزاف الميدانيّ للجيش الإسرائيلي في الجنوب، على الرغم من الغارات المكثّفة والعمليّات البرّيّة التي تنفّذها قواته داخل الأراضي اللبنانيّة. كما تطرح تساؤلات إضافيّة حول قدرة اتفاق وقف النّار على الصّمود، في ظلّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من الجنوب، وتمسّك "حزب الله" بخيار المواجهة ما لم يكتمل الانسحاب.
وفي هذا السياق، قال وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إنّ الجنود الإسرائيليّين يواصلون العمل بقوّة في لبنان، مضيفًا أنّ "الثمن باهظ ومؤلم".




