لإعلان المبادئ الذي خرجت به جولة المفاوضات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل ما له وما عليه. فهو، من جهة، يفتح نافذة على احتمال وقف التدهور الميدانيّ في الجنوب، ويضع الدولة اللّبنانيّة، نظريًّا، في قلب أيّ ترتيبات أمنيّة مقبلة. لكنّه، من جهة أخرى، يثير أسئلة ثقيلة حول طبيعته، وحدوده، والجهة القادرة فعلًا على إلزام الأطراف بمندرجاته، ولا سيّما في ظلّ استمرار الاحتلال الإسرائيليّ لأراضٍ لبنانيّة، وبقاء سلاح "حزب الله" خارج سلطة الدولة وقرارها.
الجيش في دائرة اختبار لا تنسجم مع السيادة
وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ العميد المتقاعد حسن جوني أنّ فكرة "المناطق التجريبيّة" تُطرح للمرّة الأولى، وهي سابقة لا تزال غامضة من حيث آليّة التنفيذ ومعايير اختيار المنطقة المعنيّة. ويوضح أنّ المقصود، على الأرجح، هو اختبار عمليّة انسحاب من منطقة متاخمة لوجود الاحتلال الإسرائيلي، على أن يتولّى الجيش اللبناني الانتشار فيها وإثبات قدرته على ضبطها ومنع أيّ وجود مسلّح خارج إطار الدولة.
ويشير جوني إلى أنّ الهدف الفعلي من هذه الآليّة هو التحقّق من قدرة الجيش على بسط سلطته الكاملة، والتأكّد من تفكيك أيّ بنى تحتيّة عسكريّة لـ"حزب الله"، غير أنّ آليّة تقييم نجاح التجربة لا تزال غير واضحة. وبرأيه، فإنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في أنّ هذا الطرح يضع الجيش اللبناني في موقع الاختبار الدائم، وهو أمر لا ينسجم مع طبيعة دوره ولا مع مقتضيات السيادة اللبنانيّة.
ويضيف أنّ ظروف التفاوض وموازين القوى قد تفرض هذا النوع من الطروحات، بحيث يجري اختيار منطقة محدّدة أولًا ثم الانتقال إلى مناطق أخرى لاحقًا. ومن المتوقّع أن تكون هذه المناطق متاخمة لمواقع الاحتلال، وربّما تشمل مواقع ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ليحلّ الجيش اللبناني مكانه، في إطار اختبار عملي لمدى قدرته على فرض السيطرة وسحب السلاح غير الشرعي منها.
ويحذّر جوني من أنّ الجانب الإسرائيلي قد يسعى، من خلال هذه الآليّة، إلى فتح قناة تواصل أمنيّة وتنسيقيّة مع الجيش اللبناني، بما قد يقود تدريجيًّا إلى شكل من أشكال التعاون غير المتوازن بين الجيشين، وهو أمر لا ينسجم مع مهمّة الجيش اللبناني ولا مع مبادئ السيادة الوطنيّة. كما يرجّح أن تلعب لجنة المراقبة أو ما يُعرف بـ"الميكانيزم" دورًا أساسيًّا في هذا الملف، مع بقاء الدور الأميركي الأكثر تأثيرًا ضمن هذه الآليّة.
التشابه مع أوسلو والفارق اللبنانيّ
في لبنان، برزت أصوات متعدّدة، لا تصدر بالضرورة عن مواقع سياسيّة متحالفة أو متطابقة، حذّرت من هذا الإعلان. ولعلّ أبرز الحجج التي سيقت في هذا المجال تمحورت حول نقاط التشابه بينه وبين اتفاقيّة أوسلو، وتحديدًا اتفاق "غزّة، أريحا" عام 1994 بين السّلطة الفلسطينيّة وإسرائيل. فالصياغات، كما يقول أصحاب هذا الرأي، تكاد تلامس حدّ التطابق في بعض المواضع، ولا سيّما لجهة اعتماد مبدأ السيطرة التدريجيّة على مناطق محدودة، قبل الانتقال إلى مراحل أوسع.
في الحالة الفلسطينيّة، جرى اختبار السلطة الفلسطينيّة في أجزاء من الضفّة الغربيّة وغزّة، على قاعدة الأمن أوّلًا، والسّياسة لاحقًا. وفي الحالة اللبنانيّة، يبدو أنّ الطرح يسير في اتّجاه مشابه، أي اختيار منطقة محدّدة في الجنوب بوصفها "منطقة تجريبيّة"، يُفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيليّ أو يخفّف تمركزه فيها، في مقابل بسط الجيش اللّبنانيّ سلطته عليها، ومنع أيّ وجود مسلّح لـ"حزب الله" فيها.
أيّ إنّه، وفي كلا المسارين، تبدو الولايات المتّحدة الوسيط الأبرز، بل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مجريات التفاوض. وفي كلاهما أيضًا، يبدأ المسار بشرط أمني واضح، وقف إطلاق النار، والتزام الطرف المحلّي بضبط الأرض ومنع أيّ عمل عسكري أو أمني ضدّ إسرائيل.
لكنّ التشابه لا يلغي الفوارق الجوهريّة. ففي أوسلو، كان الاتفاق بين منظّمة التحرير الفلسطينيّة وإسرائيل، مع اعتراف دوليّ واضح بالمسار وبأطرافه. أمّا في لبنان، فالصورة أكثر تعقيدًا. الاتفاق، أو إعلان المبادئ، يتمّ باسم الدولة اللبنانيّة، لكنّ الطرف المسلّح الفعلي في الجنوب، أي "حزب الله"، لا يملك شرعيّة تفاوضيّة مباشرة، ولا هو طرف معلن في هذا المسار. وهذا ما يطرح سؤالًا أساسيًّا، هل تستطيع الدولة أن تلتزم بما لا تملك وحدها أدوات تنفيذه؟ وهل يمكن إلزام "حزب الله" باتفاق لم يكن طرفًا مباشرًا فيه، فيما هو المعني الأوّل عمليًّا بملف السلاح والانتشار والبنى العسكريّة؟
التجربة التاريخيّة لاتفاق أوسلو لا تشجّع كثيرين على التفاؤل. فقد انتهى المسار السّياسيّ إلى فشل واضح، بالتزامن مع توسّع الاستيطان، وتآكل فكرة الدولة الفلسطينيّة، وانهيار الثقة بين الطرفين. لذلك، لا تبدو المخاوف اللبنانيّة مجرّد قلق نظري، بل تستند إلى ذاكرة سياسيّة قاسية، ترى أنّ إسرائيل تستخدم المراحل الانتقاليّة لإدارة الوقت، لا لصناعة الحلول النهائيّة.
توازن القوى وحقيقة المأزق اللبناني
مع ذلك، فإنّ أضعف ما في بعض الحجج الرافضة لهذا الإعلان أنّها تتجاهل توازن القوى القائم. فإسرائيل تحتلّ اليوم أراضي لبنانيّة لم تعد ضئيلة، واحتمال توسّع رقعة الاحتلال يبقى قائمًا ما دام الاشتباك مفتوحًا، وما دامت قواعده غير مضبوطة سياسيًّا وأمنيًّا.
واقعيًّا، لا تستطيع السلطة اللبنانيّة أن تذهب إلى تفاوض قويّ وهي عاجزة عن حصر السلاح بيدها. كما أنّ ضعفها الداخلي لا يؤدّي إلّا إلى إضعاف موقع لبنان التفاوضي، ويدفع الإسرائيليّين إلى رفع سقف شروطهم وممارسة مزيد من الابتزاز. وفي المقابل، لا يملك أحد قدرة فعليّة على الضغط على إسرائيل سوى حليفها الوثيق، الولايات المتّحدة، وهذا ما يجعل الدور الأميركي حاسمًا، لا لكونه نزيهًا بالضرورة، بل لأنّه الوحيد القادر على التأثير في القرار الإسرائيلي.
هنا تتقدّم فكرة "المناطق التجريبيّة" بوصفها جوهر الاختبار المقبل. فالطرح لا يتعلّق بمنطقة جغرافيّة فحسب، بل بطبيعة الدولة اللبنانيّة نفسها، وبمدى قدرة الجيش على التحوّل من قوّة انتشار إلى سلطة سياديّة كاملة في الجنوب.
إسلام آباد تدخل المشهد
على الرغم من تركّز الاهتمام على واشنطن، برزت إسلام آباد في الآونة الأخيرة كإحدى محطات الاتصالات المرتبطة بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية والترتيبات الأمنية الخاصة بجنوب لبنان.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان أهمية خاصة، إذ جاءت بدعوة من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي يُنظر إليه بوصفه لاعبًا مؤثرًا في ملفات إقليمية تتصل بالحوار بين واشنطن وطهران.
وبحسب المعلومات، أرادت باكستان الاطلاع على الوضع الأمني في الجنوب، ودور الجيش اللبناني في أي اتفاق محتمل، إضافة إلى التحديات التي واجهها خلال المفاوضات مع إسرائيل.
وقبل زيارته باكستان، التقى العماد هيكل رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، حيث تناول البحث المفاوضات الجارية والوضع الميداني في الجنوب، ولا سيما بند "المناطق التجريبية". وبحسب مصادر مطّلعة، أبدى بري اهتمامًا خاصًا بهذا الطرح، خشية أن يضع الجيش في موقع الاختبار الأمني تحت ضغوط إسرائيلية وأميركية، بدل أن يمارس دوره السيادي الكامل. (راجع "المدن")
سياسة المحو وحدود التسوية
ما يزيد من قتامة المشهد أنّ إسرائيل تتعامل مع الجنوب، كأرضٍ سائبة، فقد أعلنت، أكثر من مرّة، أنّها تتّبع في جنوب لبنان سياسة شبيهة بما فعلته في غزّة، أي سياسة تقوم على محو الجغرافيا لتغيير الديموغرافيا، أو على الأقلّ لإنتاج وقائع ميدانيّة تجعل عودة السكان وإعادة الإعمار والحياة الطبيعيّة مشروطة بإرادتها الأمنيّة.
لذلك، لا تبدو "المناطق التجريبيّة" تفصيلًا تقنيًّا في مسار تفاوضي عابر، بل عنوانًا لمرحلة كاملة. وبين فخّ أوسلو واحتمال الضرورة اللبنانيّة، يقف لبنان أمام خيار هو الأشد صعوبة. رفض الطرح بالكامل قد يترك الأرض مفتوحة أمام الاحتلال والتصعيد، وقبوله بلا ضمانات قد يحوّل الجيش إلى أداة اختبار في يد الآخرين.




