مجموعة من صُوْر أطلقت نداء مدينتها، وجماعة من النبطية لاقت صور بندائها الخاص. اكتسب كل نداء معناه من انتمائه إلى أرض منكوبة معلومة، ومن صدوره عن أنفس مكلومة ومقتلعة، اجتمعت على إرادة رفض واقع الحال. كل نداء قال "لا" احتجاجية عالية على طريقته، فلم تخذله العبارة، ولا تاهت عن تصويبه الإشارة. الوضوح الهادف جاء بمثابة صرخة شدّت الانتباه، فما انتقص من زخمها استنساب، ولا أربك وضوحها اختيار.
على جادة الصرختين الجنوبيتين انتماءً، العموميتين وطنياً، تفرض الحالة اللبنانية الخطيرة ملاقاة كل صوت خصوصي، بأصوات خصوصية جادة، مثلما تقتضي ذات الحالة نقل كل لبناني خاص، إلى اللبنانية العامة. لذلك، وفي هذا السياق، يصير السؤال: ماذا عن نداء لبنان، كل لبنان؟ بديهي أن يخاطب النداء مرجعيَّات رسمية وشعبية ودينية، وبديهي أن يرفع الاستجابة له إلى مقام المسؤولية.
لعلها لحظة للتذكير بالقول المأثور: "كل مواطنٍ خفير"، إذن ماذا عن المسؤول عندما يكون خفيراً؟
عليه، ومن ضمن المواقع العمومية الوطنية، من المقصود بنداء لبنان في هذه الفترة العصيبة، وما الفقرة الخاصة بكل مسؤولٍ يقصده من ضمن هذا النداء؟
1- رئاسة الجمهورية:
ما زالت كلمة الجمهورية إشارة إلى "تكثيف" حاصل تراكم زمني واجتماعي في السيرة اللبنانية، وما زالت موقعاً تُجّمعُ الأهليّات اللبنانية على صيانة حصانته، في وقت هدوئها وفي أوقات صخبها.
رئيس الجمهورية بما هو رأس "التسوية" الكيانية، مسؤول عن رفع شعار إنقاذ لبنان، وعن السعي الجاد لدى كل المحافل الدولية لجعل الإنقاذ واقعاً حقيقياً في عموم الجمهورية.
يحظى الرئيس في هذا المجال، بدعم لبناني شامل لا ينال منه تفاوت بنوده، ولا أساليب تنفيذها.
إلى ذلك، وتأسيساً على ما هو معلوم من أحوال الواقع اللبناني، تواجه كل رئيس جمهورية مسؤولية خاصة طابعها "أهلي"، لذلك فالرئيس بمقدار ما يحرص على الحفاظ على التوازن بين الأهليات، طلباً لتحقيق توازنها واتِّزانها، فإنه يحرص أيضاً، مباشرة أو مداورة، على التوازن ضمن "الأهلية" التي ينتمي إليها، فمنها المنطلق، وإليها "المصير". فَهم هذه المعادلة، أساسي في كل سلوك حيال رئاسة الجمهورية، والحرص على بقائها في مركز صياغة التوازن السياسي والأهلي، سلاح "الرئيس" الأهم في عملية إدارة السياسة الوطنية. تشتدُّ الحاجة إلى ميزان التوازن الحسّاس، في هذه اللحظة الحرجة، من إدارة البلد في مواجهة الآلة العدوانية الإسرائيلية، وفي مواجهة ما ينجم عنها من سياسات ومن تداعيات، ومن اجتهادات نحا أصحابها منحى التجاوز على "حقوق" الجمهورية.
2- رئيس المجلس النيابي:
تقع على عاتق الرئيس بري مهمة أساسية مزدوجة: حفظ دور المؤسسة، والانخراط الفعّال في انتشال "الشيعية" مما هي فيه من مخاطر جسيمة. مجدداً، يجب تأكيد التمييز بين "حركة المحرومين" التي يقودها الأخ "أبو مصطفى"، وبين تنظيم حزب الله وامتداده، المقاومة الإسلامية في لبنان.
يلحظ التمييز ما هو مهم وجدّي لجهة منطلقات التأسيس، فحركة المحرومين نشأت كحركة شعبية لم ينتقص منها طابع شيعيتها الذي غلب عليها، والحركة التي بنت "أمل" كذراع قتالي، حافظت على انتمائها "الدولتي"، ودافعت عنه، وحافظت على إعطاء صفة وطنية عامة لاسمها ولمطالبها، بصفتها حركة تدافع عن كل المحرومين في لبنان.
لم يكن ذلك في أصل نشأة حزب الله ومقاومته، بل إن الحزب قام على مهمة عسكرية محدَّدة، واتخذ له مكاناً "موضعيّاً" عبّر عنه باسم "المقاومة الإسلامية في لبنان"، وهذا يختلف عن اسم المقاومة الإسلامية اللبنانية. وجه الاختلاف أن الاسم الأول يحدد مكان فعله موضعيّاً، لكنه لا ينتمي إليه كفضاء عام.
تأسيساً على ذلك، وانطلاقاً من واقع الحال، الرئيس بري مطالب بتقدّم سياسات الإنقاذ ومطالب بتعزيز الانسجام والتنسيق مع رئيس الجمهورية، ومع رئيس الحكومة معزَّزاً بحيثياته العديدة، التي تجعله في الصف الإنقاذي الأمامي مع زملائه من المسؤولين.
استطراد لا بدَّ منه: ومخالفة للسجال الدائر حول الشيعة والشيعية، وحول الثنائي الشيعي أو الوطني، لن تؤخذ الشيعية إلا من داخلها، ولن يُصوّب اتجاه "الشيعة" إلاّ من داخلها، هذه العمليّة، إذا أريد لها النجاح، تتطلَّب دخول الرئيس برّي على خطوط انطلاقها وخطوط سيرها، أما ما سوى ذلك فلا يتعدى "مناوشة" خارجية، لم تترجم إلى وزن شعبي مؤثر على أرض الواقع.
هنا، ومن موقع الرئاسة "الأولى" شيعياً، على دولة "الرئيس" أن يطالب حليفه بصنفٍ من "كفى"، وعليه أن يخاطب زملاءه الرؤساء بمطالعة تشرح كيفيّة الوصول إلى نقطة تضع حدّاً للعمل القتالي الذي اتَّخذ من الجنوب مسرحاً له، ثم امتدت النار إلى أرجاء لبنان.
هل ذلك ممكن؟ على الرئيس النبيه أن يجيب، بصراحة وأن يتجه بجوابه إلى الشيعة ككتلة حلَّت بها الكارثة، وإلى اللبنانيين كشركاء في تحمل كلفة الخسائر الماديّة والبشريّة.
3- حزب الله:
مخاطبة الحزب لا تبدأ من نقطة نقاشه في روايته السياسية، ولا من نقطة افتراضاته التي باتت معروفة من قبل اللبنانيين.
نقطة الانطلاق البديلة تبدأ من واقع النتائج على الأرض، ومن حقيقة فوات زمن الخطاب السياسي الذي ما زال الحزب يلقيه على اللبنانيين. على الأرض، وفي الميدان الذي يعطي "الحزب" الكلمة له، خسر اللبنانيون التحرير الذي أحرزوه، وعادوا إلى زمن احتلال جديد.
تمهيد المخاطبة السياسية: ليس مقبولاً، أو لنقل إنه مرفوض اتباع سياسة قطيعة مع الحزب، ومرفوض انقطاع التواصل معه. خلف الاتصال والتواصل تذكير بأن الحزب تسكنه هواجس كتلة أهلية كبرى، وهو إذ يعتمد القتال ممرّاً إلى حماية مصالحها، فإنما يعطي لمعركته عنواناً بات مكشوفاً هو عنوان: وجود الشيعة في "الكيان"، وعلى أيّ شكلٍ، أي على أي وزنٍ سيرسو هذا الوجود.
إذن هو نقاش عمومي بقدر ما هو خاص، فالأهلية الطائفية أو المذهبية، تجمع في ساحتها هواجس أبنائها المختلفين على كل شيء، المتوافقين على أن يظلّوا متوافقين إن اقتربوا، وإن ابتعدوا عن جادة "الانسجام" المشترك العام. نذكّر أن "النشاز" الأهلي أمر مألوف في لبنان، وأن التعايش معه، وطول الأناة على إزعاجه، أمران مألوفان أيضاً.
نذهب إلى لبّ الموضوع: ما الخلاف مع حزب الله؟ نبدأ بنفي عناوين يسوقها في خطابه. لا خلاف على أطماع "الشيطان الأكبر"، الذي هو الولايات المتحدة، ولا على أطماع "الاستكبار العالمي" الذي هو الغرب عموماً، لكننا نختلف تعريف "الرجعية العربية"، التي هي كل من يخالف "الحزب" من بلاد الخليج العربي. والأكيد الأول والأخير الذي يتقدم على ما عداه، هو الموقف من العدو الإسرائيلي، الذي لا عدوّ سواه، للأمة العربية حسب تعريف الوطنيين العرب، قوميين وماركسيين، وهو اللأمتان الإسلامية والعربية، حسب منطوق حزب الله، وحسب تعريف بعضٍ من التيارات الإسلامية؟ مجدَّداً: أين الخلاف؟ في الراهن الذي طغت مصائبه على كل المصائب الأخرى، الخلاف مع الحزب يدور حول أمرين أساسيين: الأول: كيفية إدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي، والثاني: الخروج من تحت عباءة الالتحاق المقفل بالمرجعية الإيرانية، وتوسيع مساحة الحزب اللبنانية، أي توسيع وجهة تغليب مصلحة اللبنانيين جميعاً في حماية كيانهم ووجودهم، وترجمة ذلك في سياسات الحزب اليومية والمرحلية.
ماذا يعني ذلك؟ يعني عدم إلقاء وطنٍ بكامله في دوامة نار الصراعات الإقليمية، أي بعبارة وطنية سائرة: "عدم تحميل لبنان فوق طاقته"، وإيجاد توازن ما بين مساحة الحزب الإيرانية ومساحته اللبنانية. هل هذا ممكن سياسيّاً وعمليّاً؟ الجواب عند الحزب، هذا لأننا نعتقد أن ذلك قيد الإمكان، وأن في ذلك مصلحة للمرجعية الإيرانية إذا احتكمت إلى بُعْدِ السياسة الاستراتيجية، ومصلحة للكيانية اللبنانية التي لم يذهب أبناؤها إلى وضع الدولة الإيرانية في موقع العداء.
خارج الوجهة العامة هذه، على الحزب أن يقرّر كيف يعقد مع دولته، وكيف يحتمي بمظلَّة شرعيتها، وكيف يعيد اندراجه في المسيرة الدولتية الحصينة بتسوياتها التوافقية.
خلاصة أخيرة:
إذا كانت السلطة التنفيذية، رئاسة وحكومة، معنية بجمع قدرات الإنقاذ، والسعي في سبيلها على أبواب العواصم، فإن على السلطة التشريعية أن تكون تنفيذية في مضمار استعادة الشيعة والشيعية إلى الدولة الراعية، وإلى جانب أولئك، وبتنسيق وتفاهم تامّين، على حزب الله أن يكون رافد قوة لإعادة تثبيت الكيان، لا سيلاً يزعزع أساس بنيانه.
نداء لبنان، مسؤولية كل اللبنانيين، وفي طليعتهم "الطرف الآخر" الذي يناصب حزب الله القطيعة والاتهام، وفوق كل "بنيان" النداء، مظلَّة روحية فاهمة، تعيد التأسيس لأخلاق الخلاف، ولرفعة الاختلاف، ولصفاء الكلمة، بعد أن صارت الشتيمة لغة لا ينجو منها عددٌ ممن يرتدون زيّ الدين، وهم من مقاصد الدين العليا، براء.




