رسالة استهداف الجيش لها أبعادها.. التصعيد يحرج موقف الدولة

مانشيت - المدنالسبت 2026/06/06
الجيش اللبناني (Getty)
لا تملك إيران ترف خسارة الورقة اللبنانية في ذروة التفاوض مع واشنطن. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يَعُد لبنان تفصيلًا جانبيًّا في الصراع الإقليميّ، ولا مجرّد ساحة تتلقّى ارتدادات التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ. ما يجري اليوم يضعه في موقع العقدة الميدانيّة والسياسيّة معًا، حيث يتقاطع ضغط إسرائيل العسكريّ، ومحاولة الدولة اللبنانيّة استعادة قرارها عبر الجيش والمؤسّسات. في هذا السياق، تأتي زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى إسلام آباد، تلبيةً لدعوة من قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير، كجزء من حركة إقليميّة أبعد من الطابع العسكريّ البروتوكوليّ. فالملفّ المطروح لا ينفصل عن الجنوب، ولا عن المفاوضات العسكريّة التي جرت في البنتاغون مع وفد إسرائيليّ، ولا عن مستقبل دور الجيش اللبنانيّ في أيّ ترتيبات أمنيّة مقبلة.

 

غير أنّ إسرائيل اختارت، قبل ساعات من الزيارة، أن ترسل رسالة بالنار. استهداف آليّة للجيش اللبنانيّ على طريق الخردلي، كفرتبنيت، لم يكن حادثًا عابرًا في توقيت عاديّ، بل ضربة سياسيّة بقدر ما هو اعتداء عسكريّ. فالجيش، الذي يُراد له دوليًّا أن يكون أداة تنفيذ أيّ تفاهم في الجنوب، وُضع عمليًّا تحت النار، في إشارة إلى أنّ تل أبيب لا تفصل بين الضغط على "حزب الله" والضغط على المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة نفسها وعلى الدولة رغم مضيها في خيار التفاوض المباشر.

 

الجيش في قلب الاشتباك السياسيّ

أعلنت قيادة الجيش "استشهاد عدد من العسكريّين، بينهم ضابط، بغارة عدوانيّة همجيّة إسرائيليّة استهدفت آليّة عسكريّة على طريق الخردلي، النبطيّة، في ظلّ تواصل الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان وشعبه". ولاحقًا، نعت القيادة العميد الشهيد وسام صبره، والنقيب الشهيد إيلي الخوري، والجندي الشهيد حسين عبد العلي غزال.

الأهمّ في البيان لم يكن النعي وحده، بل توصيف الاعتداء بوصفه جزءًا من محاولة لإفشال المساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة. هذا التوصيف يعكس إدراكًا داخل المؤسّسة العسكريّة بأنّ استهداف الجيش يهدف إلى دفعه نحو موقع مستحيل: إمّا الاصطدام بـ"حزب الله" تحت ضغط الخارج، وإمّا الظهور عاجزًا أمام استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة.

من هنا، لا يمكن فصل جولة هيكل إلى عين التينة، قبل سفره إلى إسلام آباد، عن هذا المناخ. فاستيضاح رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بشأن ما ورد في إعلان المبادئ حول "المناطق التجريبيّة" ودور الجيش، يدلّ على أنّ المؤسّسة العسكريّة تحاول قراءة ما يُراد منها سياسيًّا قبل أن تتحوّل إلى واجهة تنفيذ أمنيّ لاتّفاق غير مكتمل.

وقد أثار الاعتداء الإسرائيليّ على دوريّة الجيش اللبنانيّ موجة إدانة رسميّة وسياسيّة واسعة، عكست محاولة لبنانيّة لتثبيت موقع المؤسّسة العسكريّة كخطّ أحمر وطنيّ، لا كساحة اختبار لقواعد الاشتباك. فقد دان رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون الاستهداف بأشدّ العبارات، معتبرًا أنّه انتهاك صارخ للسيادة اللبنانيّة وللقوانين والأعراف الدوليّة، ويأتي في سياق تصعيد يهدّد الاستقرار في الجنوب رغم الجهود المبذولة لوقف الاعتداءات.

 بدوره، أكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، في اتّصال مع قائد الجيش، أنّ الجريمة "ليست خطأً أو شبهة كما تحاول إسرائيل تبريرها"، فيما وصف رئيس الحكومة نوّاف سلام استهداف الضبّاط والعسكريّين بأنّه "جريمة موصوفة واستهداف للبنان وكلّ اللبنانيّين". كما دانت دولة قطر الاعتداء، وعدّته تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا سافرًا لسيادة لبنان وخرقًا واضحًا لقواعد القانون الدوليّ، داعيةً المجتمع الدوليّ إلى إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها وتنفيذ القرار 1701 بكامل بنوده. سياسيًّا، تُظهر هذه الإدانات أنّ استهداف الجيش لم يُقرأ كحادث ميدانيّ معزول، بل كرسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانيّة في لحظة تفاوض حسّاسة، وكضغط على المؤسّسة الوحيدة التي يُراد لها أن تكون ضمانة أيّ تسوية أمنيّة مقبلة.

 

اتّفاق غير متّفق عليه

أثبت التصعيد الإسرائيليّ أنّ إعلان المبادئ المتعلّق بوقف إطلاق النار لا يزال أقرب إلى ورقة تفاوضيّة منه إلى مسار تنفيذيّ. رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو قال بوضوح إنّه "لا اتّفاق حاليًّا" مع لبنان، وإنّ الترتيب لم يكتمل بعد. هذه العبارة تكفي لنزع الطابع الحاسم عن كلّ ما أُعلن في واشنطن، وتكشف أنّ إسرائيل تتعامل مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لتحسين شروط الميدان، لا لوقف الحرب فورًا.

في المقابل، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ إيال زامير لوزراء "الكابينت" إنّ المستوى السياسيّ مطالب بتحديد مسار المرحلة المقبلة، مؤكّدًا أنّ الجيش مستعدّ لتوسيع القتال إذا تقرّر ذلك. ونُقل عنه أيضًا أنّ التوصّل إلى وقف إطلاق نار بالشروط المقبولة إسرائيليًّا اليوم أفضل من التوصّل إليه بعد شهر بالشروط نفسها. هذه المقاربة تعني أنّ إسرائيل تريد اتّفاقًا على قياس مكاسبها، لا تسوية متوازنة تحفظ السيادة اللبنانيّة.

الأخطر أنّ زامير أبلغ رؤساء السلطات المحليّة أنّ الجيش الإسرائيليّ غير عازم على الانسحاب من الأراضي التي سيطر عليها في لبنان قريبًا، ما يحوّل أيّ تفاوض إلى نقاش تحت الاحتلال الجزئيّ، ويمنح تل أبيب قدرة على ابتزاز الدولة اللبنانيّة ميدانيًّا وسياسيًّا.

 

واشنطن تعرض المفاوضات كقرار لبنانيّ مستقلّ

في المقلب الأميركيّ، حاول السفير الأميركيّ في لبنان، ميشال عيسى، تقديم مفاوضات واشنطن بوصفها لحظة لبنانيّة مستقلّة لا تسوية مفروضة من الخارج. وقال إنّ الوفد اللبنانيّ أمضى "3 أو 4 أيّام في واشنطن من أجل التوصّل إلى مفاوضات جيّدة للبنان"، معتبرًا أنّ "لبنان، للمرّة الأولى في تاريخه، يقرّر مصيره بنفسه، من دون تدخّل أحد". هذا الكلام لا يخلو من رسالة سياسيّة مزدوجة: فمن جهة، يريد تثبيت شرعيّة الوفد اللبنانيّ في مواجهة الاعتراضات الداخليّة، ولا سيّما اعتراض "حزب الله"، ومن جهة ثانية، يحاول نزع صفة الإملاء الأميركيّ عن إعلان المبادئ، عبر تصويره كنتاج قرار لبنانيّ حرّ. لكنّ الإشكاليّة تبقى في الفارق بين الشكل والمضمون؛ فالمفاوضات جرت في واشنطن، وتحت سقف أميركيّ واضح، وفي ظلّ ضغط إسرائيليّ ميدانيّ متواصل، ما يجعل الحديث عن قرار لبنانيّ كامل الاستقلال موضع اختبار لا مسلّمة نهائيّة.

وأضاف عيسى أنّ المفاوضات "كانت مهمّة جدًّا، لأنّ اللبنانيّين هم من قرّروا ما يريدون فعله، من دون أن يكون أحد خلفهم أو يضغط عليهم". وردًّا على سؤال عمّا إذا كانت ستصل إلى نتيجة، قال: "بالتأكيد سنصل إلى نتيجة، ويجب أن نصل إليها بسرعة". وفي معرض ردّه على رفض الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم للاتّفاق، اكتفى بالقول: "نعيم قاسم يقرّر كما يريد، ونحن نقرّر أيضًا، فلكلّ طرف حساباته في هذا البلد". سياسيًّا، تبدو هذه العبارة الأكثر دلالة في كلامه، إذ تعكس اعترافًا ضمنيًّا بأنّ القرار اللبنانيّ لا يزال موزّعًا بين الدولة والحزب والخارج، وأنّ واشنطن، رغم حديثها عن استقلال القرار اللبنانيّ، تدير معركة تثبيت مرجعيّة الدولة في وجه مرجعيّات الأمر الواقع.

 

عون يواجه طهران: معركة السيادة تبدأ بالكلام

في موازاة التصعيد الإسرائيليّ، رفع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون سقف المواجهة السياسيّة مع إيران. كلامه لشبكة "سي إن إن" بأنّ "إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع الولايات المتّحدة" لم يكن مجرّد موقف عابر، بل إعلان تموضع رسميّ جديد. الرسالة الأوضح جاءت في قوله للمسؤولين الإيرانيّين والحرس الثوريّ: "لبنان ليس بلدكم، بل بلدنا. أنتم لا تحاولون مساعدتنا، والشعب اللبنانيّ وحده يدفع الثمن من أجل مصالحكم الخاصّة. مصالحنا لا تتطابق مع مصالحكم".

هذه اللغة تقطع مع أدبيّات المسايرة التي حكمت علاقة الدولة الرسميّة بالنفوذ الإيرانيّ في لبنان. وهي تقول، بطريقة مباشرة، إنّ مشكلة لبنان ليست فقط في العدوان الإسرائيليّ، بل أيضًا في مصادرة قراره الأمنيّ والسياسيّ. غير أنّ هذا الموقف لا يصبح سياسة إلّا إذا تُرجم في مؤسّسات الدولة، بدءًا من الحكومة، مرورًا بالجيش، وصولًا إلى التفاوض باسم لبنان لا باسم توازنات الأمر الواقع.

ردّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ عباس عراقجي جاء هجوميًّا، إذ كتب أنّ من يسمع كلام عون قد يظنّ أنّ إيران هي التي تحتلّ خُمس لبنان، وتُهجّر ربع اللبنانيّين، وتقصف البلاد يوميًّا. وأضاف: "لو كان لبنان ورقة مساومة في يد إيران، لكان قد تمّ التوصّل إلى اتّفاق منذ زمن طويل"، داعيًا عون إلى إنقاذ لبنان من "عدوّه الحقيقيّ، إسرائيل".

هذا الردّ يعكس جوهر المشكلة. فإيران تريد حصر النقاش في إسرائيل، بينما يحاول عون نقل النقاش إلى سؤال القرار اللبنانيّ. لا تناقض بين إدانة الاحتلال الإسرائيليّ ورفض تحويل لبنان إلى ورقة إقليميّة. بل إنّ استعادة السيادة تقتضي الاثنين معًا.

 

"حزب الله": دعم الجيش أم محاصرته سياسيًّا؟

بيان "حزب الله" بعد استهداف الجيش دان الاعتداء، وأعلن الوقوف إلى جانب المؤسّسة العسكريّة. لكنّه في الوقت نفسه ربط الجريمة بما سمّاه "تنازلات السلطة المجانيّة" و"استسلامها الكامل لشروط العدوّ في واشنطن". هذا الربط يكشف أنّ الحزب لا ينظر إلى الاعتداء فقط كعدوان إسرائيليّ، بل كفرصة لإعادة مهاجمة مسار التفاوض الرسميّ.

 

القليعات: الدولة تبحث عن رئة إنمائيّة

وسط هذا المشهد الأمنيّ، حمل افتتاح مسار إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات رسالة مختلفة. وصول رئيس الحكومة نوّاف سلام على متن الرحلة الافتتاحيّة إلى المطار لم يكن حدثًا إنمائيًّا منفصلًا عن السياسة، بل محاولة لإظهار أنّ الدولة لا تزال قادرة على إنتاج مشروع خارج منطق الحرب.

قال سلام إنّ الدولة لا تتخلّى عن واجبها في تثبيت حقّ لبنان في أرضه وسيادته وأمن أبنائه، ولا تهمل مسؤوليّتها في الإنماء والعدالة الاجتماعيّة. وربط الجنوب بعكّار والبقاع، معتبرًا أنّ لبنان لا يستقرّ إذا بقي الجنوب مهدّدًا، ولا يتعافى إذا بقيت عكّار مهمّشة والبقاع محرومًا.

هذا الربط سياسيّ بامتياز. فالدولة التي تطلب احتكار السلاح والقرار مطالبة أيضًا بإثبات حضورها في التنمية. عكّار، التي تسجّل أعلى معدّلات الفقر، وتملك مشاركة اقتصاديّة متدنّية وبطالة مرتفعة، تحتاج إلى أكثر من خطاب تضامنيّ. تشغيل القليعات قد يفتح بابًا لتحويل الشمال إلى عقدة نقل وشحن وخدمات، خصوصًا مع قربه من الحدود السوريّة ومرفأ طرابلس.

 

لبنان اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: جيش يُستهدف إسرائيليًّا ويُضغط عليه دوليًّا، رئاسة ترفع خطاب السيادة بوجه إيران، حكومة تحاول فتح مسار إنمائيّ في الشمال، و"حزب الله" يرفض أن يكون التفاوض مدخلًا لتقليص نفوذه العسكريّ. وبين هذه العناصر، تتحرّك واشنطن وتل أبيب وطهران كأنّ البلد مساحة تفاوض لا دولة مكتملة السيادة.

ففي لحظة واحدة، بدا لبنان معلّقًا بين آليّة عسكريّة محترقة في الجنوب وطائرة مدنيّة تهبط في الشمال. بين الصورتين تختصر الدولة سؤالها الأكبر: هل تبقى ساحة تتلقّى الرسائل، أم تبدأ أخيرًا بامتلاك حقّ الردّ السياسيّ؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث