تزداد المشهدية اللبنانية تعقيداً مع كل تطور إقليمي جديد، فيما يبدو الجنوب اللبناني مرة جديدة ساحة لتقاطع الحسابات الدولية والإقليمية. فبعد الجولة الرابعة من المفاوضات الأميركية – الإسرائيلية والبيان الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، والذي حظي بموافقة الجانب اللبناني الرسمي، برز موقف معارض من حزب الله الذي أعلن رفضه الواضح لمضمون البيان وللمسار التفاوضي برمته. وتؤكد مصادر في حزب الله لـ"المدن" أن ما صدر عن المفاوضات "لا يعني الحزب"، مشددة على أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب سيقابله استمرار الرد من جانب الحزب، بمعزل عن أي تفاهمات أو تفاوض يجري في مكان آخر.
وفي موازاة ذلك، يترقب الداخل اللبناني موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من نتائج المفاوضات. وتشير أجواء عين التينة إلى أن بري لا يبدو مقتنعاً بالكامل بما تم التوصل إليه، لكنه يسعى إلى احتواء التوتر السياسي القائم وتغليب مصلحة البلاد في هذه المرحلة الحساسة وأن التشاورات مستمرة.
المفاوضات بين النتائج والمفاعيل
تقول مصادر مطلعة على أجواء عين التينة إن موقف بري من بيان الخارجية الأميركية لا يبتعد كثيراً عن التحفظات التي عبّر عنها حزب الله، إلا أنه يفضّل التعامل مع الوقائع السياسية بمرونة لمنع مزيد من الانقسام الداخلي والمشاورات بين الرؤساء الثلاثة وحزب الله مستمرة. وتضيف مصادر سياسية مطلعة لـ"المدن" أن بري أبدى استياءً من بعض الإشارات التي وردت خلال كلام رئيس الجمهورية مع الصحافيين، ولا سيما ما يتعلق بالحديث عن أن أي اتفاق مقبل بين لبنان وإسرائيل سيكون مختلفاً عن اتفاق عام 2024، وهو ما فُهم لدى بعض الأوساط السياسية على أنه محاولة للذم بالاتفاق الذي أبرمه بري.
وفي موازاة المسار السياسي، كثّف بري تحركاته عبر قنوات عربية عدة، ولا سيما القطرية، سعياً إلى تهدئة الوضع في الجنوب ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع. كما تشير معلومات دبلوماسية عربية إلى وجود مساعٍ سعودية موازية دعماً للاستقرار اللبناني وهو ما يعمل عليه الأمير يزيد بن فرحان والذي هو على تواصل دائم برئيس المجلس. وفي هذا السياق، شهدت الدوحة سلسلة لقاءات شارك فيها المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، إلى جانب أحد موفدي حزب الله، حيث جرى التواصل مع الجانب الأميركي والإدارة الأميركية. وتؤكد مصادر دبلوماسية عربية لـ"المدن" أن بري طلب من الدوحة لعب دور أكثر فاعلية لاحتواء التصعيد المتسارع في الجنوب اللبناني.
بين التطبيق والواقع
وترى مصادر سياسية مطلعة على أجواء المفاوضات أن التواصل الذي جرى بين الإدارة الأميركية وحزب الله عبر وسطاء قطريين أعطى المفاوضات بُعداً مختلفاً، وأعاد التأكيد على أن أي تفاهم فعلي يحتاج إلى التعامل مع الجهة القادرة على التأثير المباشر في الميدان.
وبحسب هذه المصادر، فإن الحكومة اللبنانية تجد نفسها في موقع تفاوضي محدود، فيما يمتلك الحزب القدرة على التنفيذ أو التعطيل على الأرض، بحكم حضوره العسكري والشعبي في الجنوب والبقاع.
أما مصادر دبلوماسية عربية ترى أن جوهر المشهد يتجاوز الساحة اللبنانية، معتبرين أن المفاوضات الحقيقية تبقى بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يشكل لبنان إحدى الأوراق المطروحة ضمن هذا الصراع الإقليمي. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى الساحة اللبنانية باعتبارها جبهة أساسية مرتبطة مباشرة بأمنها الاستراتيجي.
لودريان في بيروت… حضور بلا تأثير
في خضم هذه التطورات، حط الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان في بيروت، إلا أن زيارته لم تستقطب الاهتمام الذي رافق زياراته السابقة، نظراً إلى هيمنة الملف الأمني والتفاوضي على المشهد اللبناني.
وتشير مصادر دبلوماسية لـ"المدن" إلى أن باريس تحاول في هذه المرحلة تثبيت موقع لها في أي ترتيبات مقبلة تخص لبنان، بعدما كانت قد سعت سابقاً إلى الانخراط في المفاوضات السياسية بين لبنان وإسرائيل قبل اندلاع المواجهة الإقليمية الأخيرة. إلا أن هذا المسعى اصطدم برفض إسرائيلي أولاً، وبموقف أميركي فضّل إبقاء المفاوضات ضمن إطار محدود بعيداً عن أي شراكة فرنسية مباشرة.
ويبرز في خلفية زيارة لودريان ملف آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمستقبل قوات اليونيفيل والدور الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولايتها الحالية. كما ناقش الموفد الفرنسي ملف دعم الجيش اللبناني والخطة الفرنسية في هذا المجال، في ظل مساعٍ سابقة قادتها باريس لحشد دعم دولي للمؤسسة العسكرية اللبنانية قبل أن تطيح التطورات الإقليمية بهذه الجهود.
ورغم أن الطروحات الفرنسية لا تزال تحظى بتقدير عدد من الأطراف اللبنانية والدولية، فإن مصادر متابعة ترى أن القرار الفعلي في هذه المرحلة يبقى بيد الولايات المتحدة، التي تتولى إدارة الملف اللبناني – الإسرائيلي سياسياً وأمنياً، فيما تكتفي باريس بمحاولة الحفاظ على موطئ قدم في اي تسوية مقبلة.




