التحول الأبرز والأكثر خطورة لم يأتِ من الميدان هذه المرة، بل من قلب مؤسسات الدولة اللبنانية، حيث شهدت الساعات الأخيرة انتفاضة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة لرأسي السلطة التنفيذية بوجه النفوذ الإيراني. فأمام انهيار اتفاق وقف النار والانسداد الدبلوماسي، خرجت الدولة اللبنانية عن صمتها التاريخي لترفع الغطاء السياسي والسيادي عن الأجندة الإقليمية التي تحكم قرار الحرب. وللمرة الأولى منذ اندلاع المواجهة، أطلق رئيسا الجمهورية والحكومة مواقف علنية حاسمة ومباشرة تنتقد وتستهدف دور الحرس الثوري الإيراني في لبنان.
فقد جاء موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون صارماً وحازماً في تحديد الهوية السيادية للبلد، إذ قال بوضوح إن "هذا بلدنا وليس بلدهم"، في إشارة مباشرة ورفض قاطع لمحاولات طهران استخدام الساحة اللبنانية كورقة مناورة وإمداد إقليمي على حساب جغرافيا ودماء اللبنانيين.
وبالتناغم مع الرئاسة الأولى، أطلق رئيس الحكومة نواف سلام موقفاً يضع حداً لسياسة "المساكنة" مع القرار المصادر، حيث أعلن صراحة: "نرفض الحرب التي تُخاض باسمنا، وقرارها في الخارج". وهذا التصريح يمثل إعلاناً رسمياً من السلطة التنفيذية بنزع الشرعية اللبنانية عن "جبهة الإسناد" ومعادلات الردع التي يخوضها حزب الله.
ويواجه لبنان اليوم المأزق الأشد خطورة في تاريخه الحديث. والتطور الدراماتيكي الحقيقي هو أن المواقف المستجدة للرئيسين عون وسلام قد نقلت الأزمة من "عجز رسمي" إلى ملامح "مواجهة سيادية داخلية- إقليمية مكشوفة". وتسمية الأمور بمسمياتها واستهداف الحرس الثوري الإيراني من أعلى هرم الشرعية اللبنانية، يعني أن الدولة قررت التخلي عن "الخطاب القديم" والالتحام المباشر مع خيارات المجتمع الدولي وواشنطن. وهذه الانتفاضة الرسمية، رداً على مواقف الحزب طهران تضع البلد أمام مربع التحدي الكبير. فإما أن تؤدي هذه المواقف إلى اقتناع الحزب بالترتيبات الأمنية وحصر السلاح بيد الجيش، وإما أنها ستهدد باحتقان أكبر.
في هذا الوقت، تستغل إسرائيل التشرذم الداخلي لتستكمل مشروعها. وبدأت الحرب الإسرائيلية في الجنوب تكشف سقفاً جديداً للعمليات، يؤكد الطموحات التوسعية التي تتجاوز حدود لبنان لتشمل سوريا أيضاً. وفيما تستمر الغارات الكثيفة في الجنوب، وتصدر إنذارات الإخلاء الجديدة وكأن اتفاق وقف النار لم يولد أساساً، جاءت التسريبات الحساسة التي نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية اليوم لتضع لبنان الرسمي و"حزب الله" أمام الواقع الأقسى: إسرائيل لا تنوي الانسحاب من جنوب لبنان في المستقبل المنظور، والجنوب مقبل على تطورات ديموغرافية وجغرافية دراماتيكية. وفي أي حال، هي توضح رؤية نتنياهو الجيوسياسية التي تربط أمن إسرائيل بمنطقة أمنية واحدة في لبنان وسوريا.
فقد كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي، في اجتماعه الأخير مع رؤساء البلديات في الشمال، عن الحدود الجغرافية الحقيقية للحزام الأمني الذي يصنعه اليوم بالحديد والنار. إذ لم تعد الحدود مرتبطة بـ"الخط الأزرق" أو بقعة جنوب الليطاني، بل تتم وفق صياغة مفهوم إقليمي موحد يربط الجبهتين اللبنانية والسورية معاً.
وأعلن نتنياهو أن "المنطقة العازلة" ومناطق الفصل باتت تمتد من رأس البياضة على الساحل الجنوبي اللبناني، وصولاً إلى سلسلة جبال الشيخ واليرموك داخل الأراضي السورية. ويمثل هذا الحزام العابر للحدود الدولية "تغييراً جوهرياً" استقر عليه الكابينت الإسرائيلي لإنشاء "أحزمة أمنية" دائمة. وتبرر تل أبيب هذا التمدد بذريعة استخبارية تفيد بأن إيران ما زالت تسعى للدفع بخطط تهدف إلى اجتياح الأراضي الإسرائيلية عبر أذرعها.
وفي مؤشر عملي على رغبة إسرائيل في محو معالم الجغرافيا وتثبيت وقائع يصعب تغييرها، أبلغ نتنياهو المسؤولين المحليين بأن الجيش الإسرائيلي يعتزم تدمير ما وصفه بـ"الحصن الذي يهدد مستوطنة المطلة وسكان الشمال"، قاصداً قلعة الشقيف ومحيطها. وهذا القرار الخطير بالتفجير يثبت أن إسرائيل لا تكتفي بالسيطرة النارية، بل تعمد إلى جرف وتفكيك كل نقطة ارتكاز استراتيجية كانت يستخدمها حزب الله على مدى عقود. وتلتقي تصريحات نتنياهو مع ما نقلته "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي رفيع المستوى أكد صراحة أن "إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني". وفي المقابل، يتخبط لبنان في مأزق العجز عن اعتماد أي سبيل آخر، سوى المفاوضات لتجنب الأسوأ الحتمي.
عون وسلام في مواجهة إيران
وجاءت مواقف الرئيس عون لتكرس هذا التحول الرسمي. ففي مقابلة مع شبكة CNN، اتهم إيران باستخدام لبنان ورقة ضغط في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن مصالح اللبنانيين لا تتطابق مع مصالح طهران، وأن الشعب اللبناني يدفع ثمن حسابات إقليمية لا علاقة له بها. كما دعا الحرس الثوري الإيراني إلى أن يدرك أن لبنان دولة مستقلة وليس ساحة نفوذ، معتبراً أن اللبنانيين سئموا الحرب بين إسرائيل وحزب الله وأن التفاوض هو الطريق الوحيد المتبقي للخروج من الأزمة.
ولم يكتف عون بانتقاد إيران، بل وجه رسائل مباشرة إلى حزب الله، معتبراً أن الأمين العام للحزب نعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني، وأن الحل لا يمكن أن يكون إلا عبر الحوار والتفاوض. كما كشف أن لبنان حقق تقدماً في المفاوضات الجارية، معتبراً أن الاتفاق المطروح يمكن أن يشكل مدخلاً إلى سلام عادل ودائم إذا توافرت الإرادة السياسية لإنجازه.
وبالتوازي، رفع رئيس الحكومة نواف سلام سقف خطابه السياسي، مؤكداً أن الجنوب وأهله يدفعون ثمن قرار لم يتخذوه وحرب ليست حربهم. وقال إن لبنان لا يجوز أن يبقى ساحة لحروب الآخرين ولا صندوق بريد لرسائلهم، وإن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة اللبنانية وحدها. وانتقد سلام موقف الحرس الثوري الإيراني الرافض للتفاهم الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية وعربية، معتبراً أن ذلك يؤكد مجدداً أن الحرب لا تخاض من أجل اللبنانيين بل على أرضهم وعلى حسابهم.
بري يرفض وجنبلاط يحذر
في المقابل، رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري الصيغة التي خرجت من واشنطن، معتبراً أنها تتضمن شروطاً تتجاوز وقف إطلاق النار. ودعا إلى وقف شامل وغير مشروط للنار وانسحاب إسرائيلي متزامن مع انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني، رافضاً البنود التي تتحدث عن مناطق نموذجية أو ترتيبات انتقالية غامضة.
كما دخل وليد جنبلاط على خط النقاش، محذراً من تكرار تجربة أوسلو في أي مسار تفاوضي جديد. واعتبر أن المطلوب تحديد الإطار النهائي للمفاوضات وعدم الوقوع في عملية تفاوض مفتوحة قد تنتهي بتكريس وقائع دائمة في الجنوب على غرار ما حصل في الأراضي الفلسطينية.
انقسام داخل الكابينت الإسرائيلي
وفي موازاة هذا الاشتباك السياسي، كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن تباينات داخل الكابينت الإسرائيلي. وأكد نتنياهو أنه لا يوجد اتفاق حالياً بسبب رفض حزب الله له، فيما دعا إيتمار بن غفير إلى توسيع العمليات العسكرية ونقل المعركة إلى الضاحية الجنوبية، وطالبت أوريت ستروك بتغيير الحدود والتحرك وفق هذه الرؤية. في المقابل، رأى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن وقف إطلاق النار بالشروط الحالية قد يشكل إنجازاً كبيراً لإسرائيل.
الميدان يشتعل جنوباً
ميدانياً، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته البرية والجوية، زاعماً مهاجمة أكثر من 650 هدفاً تابعاً لحزب الله خلال الأسبوع الماضي. في المقابل، أعلن الحزب استهداف دبابة ميركافا في محيط قلعة الشقيف بمسيّرة انقضاضية، واستهداف تجمعات للجنود والآليات في محيط القلعة وزوطر الشرقية، إضافة إلى إحراق آلية عسكرية في القنطرة.
وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن "حدث أمني صعب" في جنوب لبنان، وعن اعتراضات صاروخية في سماء الجليل من دون إنذارات مسبقة، فيما تداولت مواقع عبرية معلومات عن وقوع قوة إسرائيلية في كمين خلال المعارك الدائرة في محيط مناطق التوغل.
وتواصلت الغارات الإسرائيلية على كفرا وكونين ومليخ والنبطية الفوقا وكفررمان وميفدون والريحان والمجادل والبابلية والسكسكية والصرفند ووادي النميرية وكوثرية السياد ومحيط زبدين وشوكين. كما استهدفت غارة إسرائيلية دراجة نارية بين بلدتي طيردبا ومعركة ما أدى إلى إصابة شخص. وأسفرت غارات على عدشيت عن سقوط ثلاثة قتلى، فيما أصدر الجيش الإسرائيلي سلسلة إنذارات إخلاء جديدة شملت عدداً من بلدات الزهراني وصيدا.
دعم سعودي للبنان
وفي خضم هذه التطورات، بحث الرئيس عون خلال اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأوضاع في لبنان والمنطقة، وشكره على دعم المملكة للبنان ومساعيها لخفض التصعيد. كما طلب إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، فوعد ولي العهد بإعطاء توجيهاته في هذا الشأن، مجدداً تأكيد وقوف المملكة إلى جانب لبنان وسيادته واستقلاله.
وبين تصعيد رسمي غير مسبوق بوجه إيران، وتمسك حزب الله برفض ورقة النيات، وإصرار إسرائيل على توسيع مشروعها الأمني والبقاء جنوب الليطاني، تبدو البلاد أمام مرحلة مفصلية قد تحدد شكل التسوية المقبلة وهوية القرار اللبناني في مرحلة ما بعد الحرب.




