وضعت الجولة الرّابعة من مفاوضات واشنطن السّياسيّة والميدانيّة الاستقرار الدّاخلي في لبنان على مشرحة التّفتّت. فمع خروج رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ليعلن تفاصيل مسوّدة الاتّفاق الشّامل، جاء الرّدّ الصّاعق والأعنف من الأمين العام لـ"حزب الله"، الشّيخ نعيم قاسم، ليرفض نتائج هذا المسار الدّبلوماسي جملةً وتفصيلًا. وهذا التّضارب الحادّ بين منطق "الدّولة" السّاعية إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنطق "المقاومة" المتمسّكة بخيار المواجهة حتّى الرّمق الأخير، يفتح البلد على كارثة مزدوجة: عسكريّة وأمنيّة لا ترحم من الخارج، وانفجار سياسي واجتماعي محتوم من الدّاخل.
رسمت مواقف بعبدا ملامح المعركة الدّبلوماسيّة الشّرسة التي خاضها الوفد اللّبناني، برئاسة السّفير سيمون كرم، في أروقة الخارجيّة الأميركيّة. فقد كشف رئيس الجمهوريّة أنّ المفاوضات كانت على شفا الانهيار الكامل، وأنّ الوفد اللّبناني أوقف التّفاوض بالفعل نتيجة الشّروط القاسية، لولا التّدخّل المباشر من وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو لإنقاذ المسار الدّبلوماسي. كما اقترح لبنان صيغة "المناطق التّجريبيّة الأولى" لاختبار نوايا الانسحاب ووقف النّار، محدّدًا زوطر وشقيف أرنون نقاطَ انطلاق جغرافيّة أولى لانتشار الجيش اللّبناني.
لكنّ الرّئيس عون وجّه تحذيرًا شديد اللّهجة ومبطّنًا إلى الدّاخل والخارج، بالقول إنّ أيّ طرف لا يلتزم بهذا الاتّفاق سيتحمّل المسؤوليّة الكاملة عن العواقب، معتبرًا أنّ ما حقّقته البعثة اللّبنانيّة يمثّل أقصى جهد ممكن لحماية كيان الدّولة من زلزال تدميري شامل. ولقي هذا الموقف دعم رئيس الحكومة نوّاف سلام، الذي شرح الخيارات المتاحة للبنان الرّسمي، مؤكّدًا أنّ التّفاوض يبقى الخيار الأفضل، وأنّ الهدف يبقى انسحاب إسرائيل وعودة الأهالي إلى قراهم.
في المقابل، نسف خطاب الشّيخ نعيم قاسم مندرجات "إعلان واشنطن"، واصفًا إيّاه بـ"المهزلة والمذلّة والمخزية"، التي تهدف إلى نيلِ بالسّياسة ما عجز الاحتلال عن أخذه بالحرب، معلنًا الثّبات على حزمة من اللّاءات والمنطلقات الصّارمة. فقد اعتبر قاسم أنّ جعل "نزع سلاح المقاومة" منطلقًا لأيّ اتّفاق هو بمثابة إعدام لقوّة لبنان، وخريطة طريق لإبادة واستعباد الشّعب، ومؤامرة لإحداث فتنة داخليّة لمصلحة "مشروع إسرائيل الكبرى". ورفض الحزب معادلة "الضّاحية مقابل الشّمال" كهدنة دائمة إذا كانت تعني إخلاء المقاومين ساحة الجنوب تحت الضّغط، مؤكّدًا: "ما دام الاحتلال موجودًا فالمقاومة مستمرّة"، ومتوعدًا بجعل المستوطنات غير آمنة ردًّا على قصف القرى، انطلاقًا من "المقاومة الحسينيّة الثّابتة". وطالب الحزب بوقف شامل وغير مجزّأ للعدوان، برًّا وبحرًا وجوًّا، والانسحاب الكامل، وعودة النّازحين، رافضًا أيّ ربط بين وجود السّلاح وبين وقف الحرب، ومعتبرًا القرارات السّياديّة والتّرتيبات الاقتصاديّة والاجتماعيّة شأنًا داخليًّا محضًا لا يحقّ للوسيط الأميركي التّدخّل فيه.
هذا الشّرخ العمودي الجسيم يضع لبنان أمام معادلة قاتلة، مع التّركيز على دعم طهران المطلق لموقف "حزب الله". وهذه المعادلة تقوم على خطرين أساسيّين:
أوّلًا: إنّ رفض الحزب مندرجات اتّفاق واشنطن سيكون الذّريعة الذّهبيّة لحكومة بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس للانقضاض مجدّدًا على "صفقة تحييد الضّاحية"، واستئناف العمليّات العسكريّة الجويّة والبرّيّة بلا أيّ ضوابط أو خطوط حمر في الجنوب وأيّ مكان في لبنان. وبتفويض ودعم أميركي كامل هذه المرّة، ستستكمل الجرّافات والدبّابات الإسرائيليّة قضم الجغرافيا شمال اللّيطاني وابتلاعها حتّى نهر الزّهراني، تحت شعار "تفكيك تهديد المسيّرات بالقوّة".
ثانيًا: يمثّل هجوم الحزب الحادّ على السّلطة السّياسيّة، وتحميلها مسؤوليّة "الانقسام الدّاخلي والخروج عن الإجماع الوطني والدّستور"، إعلانًا صريحًا بنهاية "المساكنة" بين الدّولة والحزب. وإذا أصرّت الحكومة على المضي قدمًا في التزامات واشنطن من دون غطائه، فإنّ البلاد تتّجه بسرعة نحو تصادم أمني وسياسي داخلي قد يهدّد الاستقرار بشدّة.
الشّرعيّة الرّسميّة تبدو عاجزة عن فرض خياراتها "الإنقاذيّة"، و"حزب الله" يرفض الرّضوخ لمنطق موازين القوى الدّوليّة، متّكلًا على ما بقي من ترسانته. ودعوة الحزب المسؤولين إلى "إيقاف مهزلة المفاوضات" والعودة إلى الحوار الدّاخلي تحت سقف السّلاح، يقابلها جدار أعمى من الإصرار الأميركي - الإسرائيلي على نزع هذا السّلاح. أي إنّ الجسور الأخيرة تنقطع. وإذا لم تحدث معجزة تعيد ضبط التّوازن داخليًّا، فإنّ لبنان سيجد نفسه أمام معركة تصفية نهائيّة تقودها إسرائيل بالنّار لابتلاع الأرض، وتستكمل في الداخل باحتقان خطِر.
واشنطن لا تمنح هدنة بل تفتح امتحان السّيادة
ما خرج من واشنطن لا يشبه، في جوهره، وقف إطلاق نار تقليديًّا. إنّه أقرب إلى إطار سياسي، أمني، سيادي، يضع لبنان كلّه أمام سؤال واحد: من يقرّر الحرب والسّلم؟ فالاتّفاق المشروط بتوقّف "حزب الله" الكامل عن إطلاق النّار، وإخلاء منطقة جنوب اللّيطاني من عناصره، لا يهدف فقط إلى إسكات المدافع، بل إلى إعادة تعريف وظيفة الدّولة وحدودها وسلطتها.
هنا تكمن خطورة اللّحظة. فواشنطن لا تتعامل مع الجنوب بوصفه جبهة عسكريّة فحسب، بل بوصفه المساحة التي ستُختبر فيها قدرة الدّولة اللّبنانيّة على استعادة احتكارها للسّلاح. أمّا إسرائيل فتتعامل مع الاتّفاق كفرصة لانتزاع مكسب استراتيجي لم تستطع تثبيته بالكامل بالنّار: إخراج الحزب من جنوب اللّيطاني، ومنع عودته، وربط أيّ انسحاب لاحق بمدى قدرة الجيش اللّبناني على ملء الفراغ.
بهذا المعنى، لا تبدو "المناطق التّجريبيّة" تفصيلًا تقنيًّا. إنّها عنوان المرحلة المقبلة. فإذا نجح انتشار الجيش في زوطر والشّقيف ودبين وبلاط، سيُصار إلى توسيع النّموذج. وإذا تعثّر، ستقول إسرائيل إنّ لبنان غير قادر على ضبط أرضه، وستجد في ذلك حجّة لاستمرار احتلالها وتمديد عمليّاتها شمالًا.
الدّولة بين خيارين أحلاهما مرّ
رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام قدّما التّفاوض بوصفه الخيار الأقلّ كلفة. وهذه ليست مبالغة سياسيّة. فلبنان الرسمي يعرف أنّ الذّهاب إلى مجلس الأمن قد يغرق في الفيتوهات، وأنّ المحاكم الدّوليّة لا توقف غارة ولا تعيد نازحًا، وأنّ الاكتفاء بالشّكوى الدّبلوماسيّة لن يردع إسرائيل إذا اعتبرت أنّ يدها طليقة.
لكنّ المشكلة أنّ "الخيار الأقلّ كلفة" قد يتحوّل إلى الخيار الأكثر انفجارًا داخليًّا إذا لم يحظَ بتسوية لبنانيّة. فالدّولة لا تستطيع أن توقّع باسم لبنان في واشنطن، ثم تعجز عن تنفيذ ما التزمت به في الجنوب. كما أنّها لا تستطيع مطالبة الجيش بالانتشار الحصري في منطقة ما، فيما قرار الحرب والرّدّ لا يزال خارج المؤسّسات.
من هنا، فإنّ كلام سلام عن أنّ حصر السّلاح ليس شرطًا خارجيًّا بل التزام لبناني سابق، يستعيد صلب الأزمة المؤجّلة منذ عام 2000، ثم عام 2005، ثم بعد حرب 2006. كلّ مرّة كان لبنان يخرج من منعطف كبير، كان يؤجّل السؤال الأصعب: متى تصبح الدّولة وحدها صاحبة القرار الأمني؟ اليوم لم يعد التأجيل مجانيًّا.
حزب الله يقرأ الاتّفاق كفخّ سياسي
في المقابل، لا يرى "حزب الله" في إعلان واشنطن هدنة، بل محاولة لتصفية موقعه ودوره. الحزب يقرأ الاشتراطات الأميركيّة، الإسرائيليّة على أنّها نقلٌ للمعركة من الميدان إلى السّياسة، ومن الحدود إلى الدّاخل. لذلك جاء خطاب نعيم قاسم حادًّا، ليس لأنّ الحزب يرفض وقف النّار مبدئيًّا، بل لأنّه يرفض وقفه وفق معادلة تُخرجه من الجنوب وتضع سلاحه على طاولة التّفكيك.
الحزب يعتبر أنّ أيّ ربط بين وقف العدوان ونزع السّلاح يعني إعطاء إسرائيل حقًّا سياسيًّا في ابتزاز لبنان. وهو يربط استمرار المقاومة باستمرار الاحتلال، ويرفض أن تصبح العودة إلى القرى، أو الإعمار، أو تحرير الأسرى، أثمانًا مشروطة بتسليم السّلاح. هذه القراءة تعبّر عن منطق مقاوم تقليدي، لكنّها تصطدم هذه المرّة بميزان قوى إقليمي ودولي أكثر قسوة، وبداخل لبناني مُنهك لم يعد قادرًا على دفع أكلاف الحرب المفتوحة.
الأخطر أنّ الحزب لا يكتفي برفض المضمون، بل يطعن في شرعيّة المسار نفسه، واصفًا المفاوضات بـ"المهزلة". وهذا يعني أنّ الخلاف لم يعد على بند أو صياغة، بل على من يملك حقّ تمثيل لبنان في لحظة الحرب.
إيران تدخل على خطّ الرّبط بين الجبهات
الموقف الإيراني يزيد المشهد تعقيدًا. فطهران، عبر تصريحات وزير خارجيتها عباس عراقجي والحرس الثوري، تصرّ على ربط الجبهة اللّبنانيّة بسياق إقليمي أوسع، وترفض فصل لبنان عن ملفّاتها مع واشنطن وتل أبيب. في المقابل، يريد دونالد ترامب فصل مضيق هرمز عن لبنان، أي منع إيران من استخدام السّاحة اللّبنانيّة ورقةً تفاوضيّة في ملفّات أكبر.
هكذا يجد لبنان نفسه مجدّدًا بين مشروعين: مشروع أميركي، إسرائيلي يريد انتزاع سلاح الحزب تحت عنوان السّيادة، ومشروع إيراني يريد تثبيت السّلاح تحت عنوان منع إسرائيل من فرض شروطها. وبين المشروعين تضيع الدّولة، ويُدفع الجنوب إلى دور المختبر، وتُدفع الطّوائف إلى حافة اصطفاف جديد.
الميدان يفاوض بالدم
المفارقة القاسية أنّ الحديث عن وقف إطلاق النّار تزامن مع غارات ومسيّرات وإنذارات وعمليّات عسكريّة. إسرائيل واصلت القصف، وحذّرت السكّان من التوجّه جنوب الزّهراني، فيما أعلن "حزب الله" استهداف مواقع وتجمّعات إسرائيليّة بالصّواريخ والمسيّرات. هذا التّزامن ليس تفصيلًا، بل رسالة من الطرفين: لا أحد يفاوض من موقع صمت.
إسرائيل تريد تثبيت أنّ وقف النّار لن يمنعها من "حرّيّة العمل" إذا اعتبرت أنّ التّهديد قائم. والحزب يريد القول إنّه لم يُهزم، وإنّ أيّ اتّفاق يتجاهله لن يمرّ على الأرض. أمّا الجيش اللّبناني، الذي بدأ الانتشار في دبين وبلاط، فيتحرّك بين نارين: مطلوب منه أن يثبت قدرة الدّولة، وممنوع عليه أن يتحوّل إلى طرف في صدام داخلي.
لبنان أمام ساعة الحقيقة
لم يعد لبنان أمام تسوية حدوديّة فقط، بل أمام إعادة صياغة نظام الأمن الوطني. فإمّا أن تنجح الدّولة في تحويل وقف النّار إلى مسار سيادي متدرّج يحفظ الجنوب ويمنع الفتنة، وإمّا أن يتحوّل الاتّفاق إلى شرارة مواجهة مزدوجة: إسرائيلية من الخارج، ولبنانيّة من الدّاخل.
واشنطن وضعت الورقة على الطّاولة. إسرائيل تنتظر ذريعة الانقضاض أو فرصة تثبيت المكسب. إيران ترفض فصل الجبهات. "حزب الله" يرفض تحويل السّلاح إلى شرط إذعان. والدّولة تحاول، بقدرات محدودة، شراء وقتٍ لم يعد متاحًا.
إنّها ليست هدنة فقط. إنّها لحظة فرز كبرى بين دولة تريد أن تولد متأخّرة، وسلاح يرفض أن يُحال إلى التقاعد، وبلد لم يعد يحتمل أن يبقى معلّقًا بينهما.




