الدولة اللبنانية وتلعثم القرار بين تهديد الداخل وضغط الخارج

مصطفى علّوشالخميس 2026/06/04
GettyImages-1225455375.jpg
تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تناقض يكاد يكون قاتلاً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"هيدا من بيت الفرفور يا عالم ذنبه مغفور  لو قال النحلة دبور ما تقله إلا تربيان"

(فيليمون وهبي)

 

قد يكون فيليمون وهبي من أعظم الفنانين الذين مروا على لبنان، بالرغم من أنه بقي شبه مغمور كموسيقي عبقري تحت عباءة الرحابنة البراقة. فهذا الفنان بالفطرة كان يلحن أجمل الأغاني ويفرض على المسرح نكهته الخاصة واصفًا نفسه "نعوم الهبيلة"، فيما كان ينطق بالحكمة في مسرحية جبال الصوان. أذكره اليوم لأن صوته بقي يرن في خاطري ليعلو فوق ضجيج الصواريخ وسفالة التهديدات وخيانة من تولوا المسؤوليات.

 

أما بعد، يقف لبنان اليوم أمام واحد من أكثر المآزق تعقيداً منذ نهاية الحرب الأهلية. فالدولة التي تعاني أصلاً من الانهيار المالي، والتفكك الإداري، والشلل السياسي، تجد نفسها أمام معادلة تكاد تكون مستحيلة إذ كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تحافظ على هيبتها وشرعيتها فيما تتعرض شخصيات رسمية وعسكرية لتهديدات مباشرة من جهة حزبية تمتلك قوة تفوق قدرة الدولة نفسها، وفي الوقت ذاته تواجه المؤسسة العسكرية والأمنية خطر العقوبات الخارجية التي قد تصيب كبار ضباطها وتضعها في مواجهة المجتمع الدولي؟ المعضلة لا تتعلق فقط بحزب الله أو بالعقوبات الأميركية بصورة منفصلة، بل بالترابط بين الأمرين. فكل منهما يضغط على الدولة من زاوية مختلفة، فيما تبدو السلطة الرسمية عاجزة عن اتخاذ موقف واضح أو ممارسة صلاحياتها الطبيعية، خوفاً من الانفجار الداخلي أو العزل الخارجي.

في الأسابيع الأخيرة، تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي الذي تضمّن تهديدات مباشرة أو غير مباشرة بحق الجيش اللبناني وبعض أركان الدولة على خلفية ملفات أمنية وسياسية حساسة. الأخطر أن هذه التهديدات صدرت عن مسؤولين أو نواب أو شخصيات مرتبطة بحزب الله بصورة علنية، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تحرك قضائي فعلي، لا عبر مذكرات توقيف، ولا عبر استدعاءات، ولا حتى عبر طلبات رفع حصانة نيابية.

 

وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات الدولة اللبنانية في انهيار مبدأ احتكار الشرعية القانونية. فالدولة التي لا تستطيع تطبيق قوانينها على القوى الأكثر نفوذاً تتحول تدريجياً إلى دولة انتقائية، تطبق القانون على الضعفاء وتتردد أمام الأقوياء. وهذا التردد لا يبقى مجرد تفصيل قضائي، بل يتحول إلى رسالة سياسية وأمنية خطيرة مفادها أن ميزان القوة بات يتقدم على النص الدستوري.

السلطة اللبنانية تعرف جيداً حساسية أي مواجهة مباشرة مع حزب الله. فالجيش نفسه يدرك أن أي صدام داخلي ستكون له تداعيات كارثية على السلم الأهلي وعلى تماسك المؤسسة العسكرية. ولذلك تتجنب الدولة غالباً الذهاب نحو التصعيد، حتى عندما تتعرض هيبتها المباشرة للاهتزاز. لكن المشكلة أن الامتناع المستمر عن استخدام أدوات الدولة القانونية يؤدي مع الوقت إلى تآكل مفهوم الدولة نفسه. فحين يصبح التهديد العلني لمؤسسات رسمية أمراً يمر بلا محاسبة، فإن ذلك يخلق انطباعاً بأن السلطة الفعلية انتقلت من المؤسسات الدستورية إلى موازين القوى الميدانية.

 

هذا الواقع يضع الجيش اللبناني في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، يُطلب منه أن يبقى المؤسسة الوطنية الجامعة، الضامنة للاستقرار الداخلي، ومن جهة أخرى يجد نفسه محاصراً بين ضغوط داخلية مرتبطة بحزب الله وضغوط خارجية مرتبطة بالعقوبات والسياسات الأميركية.فالولايات المتحدة، التي تُعد الداعم الأكبر للجيش اللبناني منذ سنوات، بدأت ترسل إشارات أكثر تشدداً تجاه بعض الشخصيات الأمنية والعسكرية اللبنانية تحت عناوين متعددة، تتعلق بالفساد أو بتسهيل أنشطة مرتبطة بحزب الله أو بعدم اتخاذ إجراءات كافية في ملفات معينة. وحتى عندما لا تكون العقوبات قد صدرت فعلياً بعد، فإن مجرد التداول بإمكانية فرضها يكفي لإدخال الدولة اللبنانية في حالة ارتباك.

المعضلة هنا شديدة التعقيد، فإذا تعاملت الدولة اللبنانية مع العقوبات الأميركية وكأنها ملزمة بالكامل، فإنها تظهر بمظهر السلطة الخاضعة للقرار الخارجي. وإذا تجاهلتها بالكامل، فإنها تخاطر بتوتير علاقتها مع الدولة الأكثر تأثيراً في دعم الجيش والقطاع المصرفي والمؤسسات الدولية. والأخطر هو أن أي عقوبات قد تطال ضباطاً كباراً في الجيش أو القوى الأمنية لا تضرب أشخاصاً فقط، بل تضرب صورة المؤسسة نفسها. فالجيش اللبناني يقوم منذ سنوات على معادلة دقيقة تقوم على الدعم الخارجي والثقة الداخلية. وأي اهتزاز كبير في أحد هذين العنصرين يهدد تماسك المؤسسة في لحظة شديدة الهشاشة اقتصادياً وسياسياً.

 

هكذا تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تناقض يكاد يكون قاتلاً. فداخلياً، لا تستطيع مواجهة حزب الله، وخارجياً لا تستطيع تجاهل الولايات المتحدة. وبين الطرفين تقف المؤسسات الرسمية في موقع دفاع دائم، تحاول تجنب الانفجار أكثر مما تحاول فرض السيادة.المفارقة أن هذا المأزق ليس جديداً بالكامل، لكنه بلغ اليوم مستوى أكثر خطورة بسبب ضعف الدولة غير المسبوق. ففي مراحل سابقة، كانت السلطة اللبنانية تستند إلى حد أدنى من التوازنات الإقليمية أو الغطاء العربي أو القدرة الاقتصادية التي تسمح لها بالمناورة. أما اليوم، فإن الانهيار المالي أفقد الدولة معظم أدواتها. القضاء ضعيف، الإدارة مشلولة، الطبقة السياسية منقسمة، والجيش نفسه يعاني من أزمة تمويل ومعنويات وهجرة داخلية صامتة.

ضمن هذا المشهد، يتحول أي توتر بين حزب الله والمؤسسات الرسمية إلى تهديد وجودي للدولة، لا مجرد أزمة سياسية عابرة. لأن الدولة لم تعد تمتلك فائض قوة يسمح لها بإدارة الصراعات الداخلية بثقة. كل أزمة باتت تحمل خطر الانهيار الشامل. كما أن العقوبات الأميركية لم تعد تُقرأ في لبنان كأدوات ضغط محدودة، بل كجزء من معركة أوسع تتداخل فيها المواجهة مع إيران، ومستقبل حزب الله، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية. ولذلكَ تخشى السلطة اللبنانية أن يؤدي أي تجاوب واسع مع الضغوط الأميركية إلى انفجار داخلي، فيما يؤدي أي انحياز كامل إلى حزب الله إلى عزلة عربية ودولية أعمق.

 

هذه هي العقدة الأساسية، وهي أن لبنان يعيش داخل تناقض جيوسياسي يفوق قدرته على الاحتمال. فالدولة مطالبة بأن تكون في آن واحد شريكاً للغرب، ومتعايشة مع حزب مسلح مرتبط عضوياً بالمحور الإيراني، وقادرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وفي الوقت نفسه ملتزمة بالشرعية الدولية. وهي شروط يصعب جمعها داخل دولة قوية، فكيف بدولة منهكة ومفلسة.الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يخلق تحولاً تدريجياً في طبيعة النظام اللبناني نفسه. فبدلاً من دولة تمتلك قرار الحرب والسلم، يصبح لبنان ساحة توازنات بين قوى داخلية وخارجية، فيما تتحول المؤسسات الرسمية إلى أدوات لإدارة الأزمة لا لحسمها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط في كيف ستتصرف الدولة تجاه تهديدات تطال الجيش أو تجاه عقوبات أميركية محتملة؟ بل هل ما زالت الدولة اللبنانية تمتلك القدرة الفعلية على اتخاذ قرار سيادي مستقل أساساً؟

 

الواقع أن معظم القوى السياسية اللبنانية باتت تتصرف انطلاقاً من منطق إدارة الخوف. الخوف من الفتنة، الخوف من الانهيار الاقتصادي، الخوف من العقوبات، والخوف من الصدام مع حزب الله. لكن الدول التي تُدار بالخوف تفقد تدريجياً قدرتها على فرض القانون وبناء الشرعية. وربما تكمن المأساة الأكبر في أن اللبنانيين أنفسهم باتوا يتعاملون مع هذا الاختلال وكأنه أمر طبيعي. لم يعد غريباً أن تصدر تهديدات بحق مؤسسات رسمية من دون محاسبة، أو أن يصبح مصير ضباط كبار مرتبطاً بقرارات تصدر من واشنطن، أو أن تبدو الدولة عاجزة عن إعلان موقف واضح خشية الانقسام الداخلي.

إنه مشهد دولة معلقة بين قوتين سلبيتين، قوة داخلية تفوق مؤسساتها، وقوة خارجية تملك أدوات الضغط المالي والسياسي والعسكري. وبينهما تقف السلطة اللبنانية محكومة بمنطق التسويات المؤقتة، فيما تتآكل تدريجياً فكرة الدولة نفسها. وفي بلد قام أصلاً على هشاشة التوازنات، قد لا يكون الخطر الأكبر هو الانفجار المباشر، بل الاعتياد البطيء على العجز، حتى يصبح غياب السيادة أمراً عادياً، وتتحول الدولة من سلطة حاكمة إلى مجرد وسيط بين مراكز القوى المتصارعة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث