يستأنف الوفدان اللبناني والإسرائيلي في هذه الأثناء الجلسة الثانية من جولة المفاوضات السياسية الرابعة، في واشنطن. وتأتي هذه الجولة لتستكمل نقاشات أمس الماراتونية، والتي لم تنتهِ إلى نتائج حاسمة، لكنها نجحت في إبقاء المسار التفاوضي حيًا ومن دون انهيار، وسط أجواء وصفتها مصادر مشاركة بأنها "إيجابية بحذر"، ونقل السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، عنها مناخات "متفائلة".
ولكن، في الواقع، هناك مأزق واضح تتخبط فيه المفاوضات. فقد أوحت المواقف الإسرائيلية اليوم بوجود رغبة واضحة في تركيز معادلة الضاحية مقابل المستوطنات. وقد أعلن بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستحاول التاكد مما اذا كان حزب الله قد استهدف مناطق إسرائيلية، ليبني على الشيء مقتضاه، فيما حزب الله نفسه جدد اليوم رفضه القاطع لمعادلة الضاحية مقابل المستوطنات، وتمسكه بالوقف الشامل للنار. وهذا التضارب في المواقف لا يمكن حسمه على الطاولة اليوم، خصوصًا أن موقف الإدارة الأميركية في هذه المسألة يبدو ملتبسًا و"حمّال اوجه". ولكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بلور الى حد بعيد اتجاهًا أميركيًا يتقاطع مع إسرائيل ويحمل حزب الله مسؤولية تعطيل أي اتفاق، وذهب أبعد من ذلك بمطالبة الجيش بأن يكون قوياً بما يمكنه من نزع سلاح الحزب.
هذا الضغط الأميركي- الإسرائيلي المتزامن والمتقاطع في لحظة انعقاد المفاوضات يطرح علامات استفهام على مسارها. وبرز تصريح لافت في التباساته أطلقه الرئيس دونالد ترامب لصحيفة "نيويورك بوست". فهو في آن معًا عبّر عن قلقه من الصراع المستمر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ولبنان، كاشفًا أنه قال لنتنياهو: "إنه مجنون تمامًا"، مؤكدًا انزعاجه من هذا الصراع المتأزم. ولكنه، في المقابل، سارع إلى تحصين تحالفه مع تل أبيب بإعلان إعجابه الشديد بـ"بيبي" والعمل معه بشكل ممتاز، ما يعني أن انتقاد ترامب لنتنياهو لا يعكس تبدلًا في التزام البيت الأبيض بمستوى دعم نتنياهو في خياراته مهما بلغ تطرفها، بقدر ما يعكس رغبة أميركية حاسمة في إنهاء الحرب وصياغة الترتيبات الجديدة سريعًا.
لكن وزارة الخارجية الأميركية كانت أعلنت عن تسجيل "تقدم مستمر وملحوظ على المسارين السياسي والأمني" في المباحثات، مشيرة إلى أن الجهود تتقدم بثبات نحو اتفاق شامل. وأوضح البيان الملامح الأميركية للحل، إذ تسعى واشنطن عبر هذا الاتفاق إلى تجاوز إخفاقات العشرين عامًا الماضية في جنوب لبنان. ويقوم الاتفاق الشامل المنشود على ركيزتين متلازمتين: ضمان استعادة سيادة لبنان الكاملة على أراضيه، وفي الوقت نفسه ضمان الأمن المطلق لإسرائيل. ويتركز النقاش المعقد الآن على ثلاث قضايا رئيسية لا تزال تشهد كباشًا حادًا هي: تثبيت وقف شامل ودائم لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية كشرط أساسي لبناء الثقة. وآليات ومواعيد الانسحاب الإسرائيلي الشامل من المناطق والبلدات التي جرى التوغل فيها أخيرًا. والترتيبات الأمنية والعسكرية الصارمة التي تسعى الولايات المتحدة لفرضها في مرحلة ما بعد وقف الأعمال القتالية، وتحديدًا ما يتعلق بحصر السلاح وضمانات منع عودة المظاهر المسلحة.
وفيما تجلس الوفود خلف الطاولة في واشنطن، تتولى آلة الحرب الإسرائيلية صياغة بنود التفاوض بالنار على الأرض عبر غارات مكثفة لا تتوقف في الجنوب، وعمليات تصفية عابرة للخطوط الحمر كان آخرها استهداف مواقِع في منطقة خلدة، في موازاة استهدافات دموية وتهديدات ضد الجيش والمسعفين والمستشفيات، وإنذارات إخلاء القرى والمدن، ما يثبت أن إسرائيل متمسكة بهامشها المتاح لضرب أي هدف تختاره على طول الخارطة اللبنانية، سعيًا لفرض شروط الإذعان.
وإذ يدخل لبنان هذه الجولة، فهو يدرك تمامًا أنه يربط مصيره بالوسيط الأميركي الوحيد القادر على لجم الجموح الإسرائيلي. وفي أي حال، إن "تفاؤل" واشنطن المرتكز إلى "صفقة التحييد المؤقت للضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي" لن يُترجم إلى اتفاق ثابت ما لم يقدّم لبنان التنازلات المطلوبة منه، وهي تختصر بملف الترتيبات الأمنية جنوبًا وحصر السلاح.
تفاوض تحت النار لا فوقها
ليست مفاوضات واشنطن، في جولتها الرابعة، مجرّد استكمال تقنيّ لمسار بدأ في نيسان وأيّار. إنّها لحظة اختبار سياسيّ قاسٍ للبنان، وللوسيط الأميركي، ولحسابات إسرائيل الميدانيّة. فالوفدان اللبناني والإسرائيلي وصلا إلى مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن فيما كانت الجبهة الجنوبيّة تواصل اشتعالها، وكأنّ إسرائيل تريد أن تدخل إلى قاعة التفاوض ومعها ورقة نار مفتوحة، لا ورقة تفاوض مكتوبة.
من هنا، لا يمكن فصل الجلسات عن ضغط الميدان. فكلّ غارة إسرائيليّة في الجنوب، وكلّ تهديد لبيروت أو الضاحية، وكلّ استهداف يتجاوز الخطوط التقليديّة للاشتباك، يتحوّل عمليًّا إلى بند غير معلن في جدول الأعمال. إسرائيل لا تفاوض فقط عبر وفدها، بل عبر طائراتها أيضًا. وهذه هي العقدة الأولى في المسار: كيف يمكن تثبيت وقف إطلاق نار بينما أحد الطرفين يتصرّف كأنّ الميدان هو الأداة الأقوى لتعديل النصوص قبل ولادتها؟
واشنطن، في المقابل، تحاول بيع التفاؤل سياسيًّا. وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو تحدّث عن أمل في صدور بيان مشترك وخطة عمل، ورفع سقف التوقّعات بإعلانه أنّ قادة من حكومتَي لبنان وإسرائيل يجلسون في مقرّ وزارته للتفاوض. لكنّ اللغة الأميركيّة لا تخفي جوهر المقاربة: المطلوب ليس وقف النار فقط، بل إعادة ترتيب ميزان القوّة داخل لبنان، من بوابة الجيش، وحصر السلاح، ومنع حزب الله من العودة إلى المعادلة العسكريّة السابقة.
واشنطن بين الوساطة والضغط
الوساطة الأميركيّة ليست محايدة بالكامل، ولا يمكن للبنان أن يتعامل معها كضمانة صافية. صحيح أنّ الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على الضغط الفعلي على نتنياهو، لكنّها في الوقت نفسه تتبنّى، بدرجات مختلفة، جوهر المطالب الأمنيّة الإسرائيليّة. كلام روبيو عن ضرورة رؤية الجيش اللبناني بالقوّة والإمكانات التي تمكّنه من نزع سلاح حزب الله ليس تفصيلًا دبلوماسيًّا، بل إعلانًا عن عنوان المرحلة المقبلة.
بذلك، يصبح السؤال الحقيقيّ: هل تريد واشنطن وقف حرب، أم إعادة إنتاج سلطة أمنيّة جديدة في الجنوب؟ الفارق كبير. وقف الحرب يقتضي إلزام إسرائيل بالانسحاب الشامل ووقف الاعتداءات. أمّا الترتيب الأمنيّ بالصيغة الأميركيّة الإسرائيليّة، فيقتضي تحميل لبنان كلفة تثبيت الهدوء، قبل ضمان وقف العدوان. وهنا تكمن خطورة الالتباس الأميركيّ، إذ تُقدَّم السيادة اللبنانيّة في الخطاب كهدف، بينما تُربَط عمليًّا بشروط أمنيّة ثقيلة قد تتحوّل إلى وصاية مقنّعة على القرار اللبناني الداخلي.
المقاربة اللبنانيّة، كما نُقلت عن مصادر رسميّة، تحاول الهروب من فخّ المعادلة الأحاديّة. فهي تربط بين وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة. هذه الثلاثيّة هي الحدّ الأدنى لأيّ تفاهم قابل للحياة. فلا معنى لبسط سلطة الدولة تحت الاحتلال، ولا معنى لحصر السلاح بينما تبقى إسرائيل حرّة في القصف والتوغّل، ولا معنى لوقف نار محدود إذا تحوّل إلى استراحة عسكريّة لإعادة التموضع.
معادلة الضاحية والمستوطنات
أخطر ما ظهر في الساعات الأخيرة هو محاولة إسرائيل تكريس معادلة "الضاحية مقابل المستوطنات". ظاهريًّا، تبدو هذه الصيغة كخفض تصعيد. لكنّها في العمق تمنح إسرائيل ما تريده: تحييد العمق المدني الإسرائيلي مقابل إبقاء يدها طليقة في الجنوب اللبناني. وهذا يعني تحويل الجنوب إلى ساحة نار دائمة، وحصر الحماية ببقعة لبنانيّة واحدة، كأنّ السيادة تُجزّأ، وكأنّ الدم اللبناني مراتب.
حزب الله يرفض هذه المعادلة علنًا ويتمسّك بوقف شامل للنار. لكنّ الحزب، في الوقت نفسه، يراقب المفاوضات ولا يريد أن يظهر بموقع من يُفشل المسار إذا كان ثمّة احتمال لوقف التصعيد. وهذا ما يفسّر التريّث الميداني النسبيّ، وانتظار نتائج واشنطن. غير أنّ إسرائيل تحاول استثمار هذا التريّث لتوسيع شروطها، عبر اتهام الحزب بالخرق، وإعادة وضع بيروت في دائرة التهديد السياسي والعسكري.
تصريحات نتنياهو بأنّ "العديد ممّن يستهدفون إسرائيل موجودون في بيروت"، وأنّه وترامب يتشاركان هدف نزع سلاح حزب الله، تكشف أنّ إسرائيل لا تريد فقط تفاهمًا حدوديًّا. إنّها تريد إعادة تعريف لبنان ككلّ من زاوية أمنيّة إسرائيليّة. والأخطر في كلامه عن "جعل لبنان منزوع السلاح" أنّه يتجاوز جنوب الليطاني إلى تصوّر أشمل، يضع الدولة اللبنانيّة أمام مطلب يكاد يكون مستحيلًا إذا لم يقترن بتسوية سياسيّة داخليّة وإقليميّة عميقة.
لبنان بين فرصة الدولة وكلفة التنازل
يدخل لبنان هذه الجولة وفي يده حجج قويّة، لكنّ أوراقه التنفيذيّة محدودة. حجّته الأولى أنّه يطلب وقفًا شاملًا لإطلاق النار، لا هدنة مجتزأة. وحجّته الثانية أنّ الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يكون محدّد المهل والضمانات، لا وعدًا مفتوحًا. وحجّته الثالثة أنّ بسط سلطة الدولة لا يمكن أن يتمّ تحت النار، بل يحتاج إلى مسار سياسيّ وأمنيّ واضح، وإلى دعم عربي ودولي فعليّ للجيش وللاستقرار الداخلي.
إلّا أنّ المشكلة أنّ المجتمع الدولي، وفي مقدّمه واشنطن، يريد من الدولة اللبنانيّة نتائج أكبر من قدرتها الحاليّة. يريد جيشًا قادرًا على الانتشار، وضبط الحدود، وتفكيك البنى العسكريّة، ومنع عودة السلاح، فيما لم تُحسَم بعد شروط الانسحاب الإسرائيلي، ولا ضمانات إعادة الإعمار، ولا آليّات حماية المدنيّين. هنا تبدو الدولة مطالَبة بأن تدفع مسبقًا ثمن اتفاق لم تنضج ضماناته.
لذلك، فإنّ أيّ تنازل لبنانيّ في ملفّ الترتيبات الأمنيّة يجب أن يكون مشروطًا بتنازل إسرائيليّ واضح ومكتوب ومضمون: وقف شامل ودائم للنار، انسحاب كامل من النقاط والبلدات التي جرى التوغّل فيها، اعتراف عمليّ بسيادة لبنان، ورفض أيّ منطقة عازلة أو خط أصفر أو واقع أمنيّ مستحدث. من دون ذلك، يكون لبنان قد انتقل من حرب مفتوحة إلى اتفاق إذعان مؤجّل.
العامل العربي والإيراني
لا تتحرّك واشنطن وحدها في هذا المشهد. ثمّة مسار عربيّ واضح تقوده، بدرجات متفاوتة، السعودية وقطر ومصر، هدفه منع سقوط لبنان في حرب طويلة، وحماية كيانه من التآكل الجغرافي والسياسي. الدور القطري، تحديدًا، يبرز كقناة قادرة على التحدّث مع أكثر من طرف، من واشنطن إلى طهران، ومن القوى اللبنانيّة إلى العواصم العربيّة. زيارة علي حسن خليل إلى الدوحة لا تنفصل عن هذا المناخ، بل تؤشّر إلى أنّ الثنائي الشيعي يريد غطاءً عربيًّا لأيّ تفاهم، لا أن يبقى الملفّ حصرًا في القبضة الأميركيّة.
في الخلفيّة أيضًا، يحضر العامل الإيراني. طهران لا تبدو مستعدّة لترك حزب الله تحت ضغط إسرائيلي مفتوح إذا استُهدفت الضاحية مجدّدًا، خصوصًا في ظلّ مسار تفاوضي أميركي إيراني أوسع. من هنا يمكن فهم ضغط ترامب على نتنياهو لوقف استهداف بيروت: المسألة لا تتعلّق فقط بلبنان، بل بمنع انهيار مسار أكبر مع إيران، ومنع انزلاق الولايات المتحدة إلى مواجهة لا يريدها ترامب في هذه اللحظة.
اختبار الساعات الأخيرة
لبنان يحتاج إلى وقف نار شامل، لا إلى تحييد موضعيّ للضاحية. ويحتاج إلى انسحاب إسرائيلي مضمون، لا إلى وعود مؤجّلة. ويحتاج إلى جيش قويّ، لا إلى تكليفه بمهمّة أكبر من الدولة نفسها. أمّا واشنطن، فإذا أرادت فعلًا تجاوز إخفاقات العقدين الماضيين، فعليها أن تبدأ من القاعدة البديهيّة: لا أمن لإسرائيل فوق سيادة لبنان، ولا سيادة للبنان تحت النار الإسرائيليّة.
في النهاية، قد تكون الساعات الأخيرة في واشنطن فاصلة، لكنّ الاتفاق، إذا وُلد، سيبقى هشًّا ما لم يُبنَ على توازن واضح بين الأمن والسيادة. فالخطر الأكبر ليس فشل المفاوضات فقط، بل نجاحها بصيغة ناقصة تجعل الحرب أقلّ صخبًا وأكثر دوامًا.




