استأنف الوفدان اللّبنانيّ والإسرائيليّ، اليوم الأربعاء، جولة المباحثات في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن، في اليوم الثّاني من الجولة الرّابعة للمفاوضات الجارية برعاية الولايات المتّحدة، وسط ترقّبٍ لما ستؤول إليه المحادثات في ظلّ التّصعيد الميدانيّ الإسرائيليّ المتواصل في الجنوب.
وتأتي هذه الجولة في إطار متابعة المسار التّفاوضيّ بين الجانبَين، بعد ثلاث جولاتٍ سابقة عُقدت في واشنطن خلال شهرَي نيسان وأيّار، فيما تسعى الإدارة الأميركيّة إلى بلورة تفاهماتٍ تمهّد لوقفٍ شاملٍ لإطلاق النّار، وتحويل التّهدئة الهشّة إلى مسارٍ أكثر استقرارًا وشمولًا.
لا اختراق حتّى اللّحظة
أشارت مصادر مطّلعة إلى أنّه لا يوجد "تقدّم كبير في المفاوضات حتّى اللّحظة"، في وقتٍ لا يزال فيه الوفد اللّبنانيّ مصرًّا على موقفه القاضي بالبدء بوقف إطلاق النّار، قبل الانتقال إلى البحث في أيّ ملفّاتٍ أخرى.
وبحسب مصادر بعبدا، فإنّ ملفّ وقف إطلاق النّار "لم يُحرز أيّ تقدّم في النّقاشات"، ما دفع الوفد اللّبنانيّ إلى التّشبّث بموقفه الرّافض للتطرّق إلى أيّ موضوعٍ آخر قبل تثبيت وقف النّار.
وأشارت المصادر إلى محاولةٍ أميركيّة جديدة لطرح فكرة انسحابٍ إسرائيليّ من منطقةٍ محدّدة وتسليمها، على أن تكون نموذجًا يُبنى عليه لاحقًا للانتقال إلى مناطق أخرى. وأضافت أنّه "ليس هناك أيّ توجّهٍ للاتّفاق على إعلان نوايا اليوم"، موضحةً أنّه في حال نجحت الفكرة الأميركيّة، يمكن التّوجّه إلى نشر بيانٍ مشترك.
روبيو يرفع سقف التّوقّعات
في مؤشّرٍ إلى رفع سقف التّوقّعات الأميركيّة، قال وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو: "نأمل أن يسفر الاجتماع ما بين إسرائيل ولبنان اليوم عن بيانٍ مشترك وخطّة عمل". وأضاف أنّ "قادةً من حكومة لبنان وقادةً من حكومة إسرائيل يجلسون حاليًّا في مقرّ وزارتنا للتّفاوض".
وكشف روبيو أنّ "حزب الله أبلغنا أنّه لن يهاجم إسرائيل إذا لم تتمّ مهاجمة بيروت، لكنّه لم يلتزم بذلك"، معتبرًا أنّ "حزب الله يشكّل تحدّيًا ليس فقط لإسرائيل، بل أيضًا للبنان ولحكومة لبنان".
وأضاف: "نريد أن نرى الجيش اللّبنانيّ بالقوّة والإمكانات التي تمكّنه من نزع سلاح حزب الله"، مشدّدًا على أنّه "يجب أن يكون للبنان قوّة مسلّحة واحدة، ونحن نعمل مع السّلطات اللّبنانيّة لتحقيق ذلك"، في إشارةٍ إلى الرّؤية الأميركيّة لدور الدّولة اللّبنانيّة في أيّ ترتيباتٍ أمنيّة مقبلة.
وفي السّياق نفسه، قال مسؤولٌ أميركيّ لقناة "الجزيرة" إنّ الولايات المتّحدة تركّز في برامج تدريب الجيش اللّبنانيّ على دعمه في تطوير قدراته لإرساء الأمن وفق آليّة "الميكانيزم"، بما يعزّز دور المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ التّرتيبات الأمنيّة ومواكبة أيّ تفاهماتٍ محتملة.
من وقف النّار إلى خارطة طريق أمنيّة
بحسب معطياتٍ مواكبة للمفاوضات، فإنّ التّركيز انتقل تدريجيًّا من البحث المباشر في وقف إطلاق النّار إلى مناقشة "خارطة طريق أمنيّة" تحدّد مراحل تنفيذ التّرتيبات الميدانيّة والسّياسيّة المطلوبة خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السّياق، أفادت معلومات بأنّه لا مؤشّرات حتّى الآن إلى صدور بيانٍ ثلاثيّ أميركيّ، لبنانيّ، إسرائيليّ بشأن المفاوضات، فيما يتّجه النّقاش نحو إعلان مبادئ يحدّد الخطوات المقبلة وآليّات استكمال التّفاوض.
كما كشفت المصادر عن اتّصالاتٍ سعوديّة مكثّفة تُجرى في واشنطن، في محاولةٍ لدعم المسار التّفاوضيّ والمساعدة في تذليل العقبات التي تعترض التّوصّل إلى تفاهماتٍ أوّليّة بين الجانبَين.
المقاربة اللّبنانيّة: وقف النّار أوّلًا
نُقل عن مصدرٍ رسميّ لبنانيّ قوله إنّ "النّقاش في جولة المفاوضات في واشنطن متقدّم، وثمّة تفهّمٌ أميركيّ للمقاربة اللّبنانيّة"، مشيرًا إلى أنّ وفد لبنان "يدفع للتّوصّل إلى حلٍّ شامل، بالتّوازي بين مسارَي انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدّولة".
وأضاف المصدر أنّ "المدخل إلى الحلّ هو وقف إطلاق نار شامل، وندرك أنّ ذلك يحتاج إلى وقت"، موضحًا أنّ "سقف توقّعاتنا من جولة اليوم هو وضع تصوّرٍ لوقفٍ شاملٍ لإطلاق النّار، متدرّجٍ زمنيًّا وجغرافيًّا".
وفي السّياق الدّبلوماسيّ نفسه، أعلنت الرّئاسة اللّبنانيّة أنّ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بحث، في اتّصالٍ مع مستشار الأمن القوميّ البريطانيّ، التّطوّرات العسكريّة في لبنان ومسار التّفاوض، في ما يعكس اتّساع حركة الاتّصالات الدّوليّة المواكبة لجولة واشنطن.
"منطقة تجريبيّة" في صلب البيان المرتقب
في تطوّرٍ لافت، نقلت تقارير عن مصدرٍ في وزارة الخارجيّة الأميركيّة أنّ البيان المشترك المرتقب صدوره سيتضمّن، للمرّة الأولى، إشارةً إلى ما يُعرف بالـ"Pilot Zone"، أو "المنطقة التّجريبيّة"، التي يُفترض أن تشكّل المرحلة الأولى من تطبيق التّرتيبات الأمنيّة والميدانيّة الجديدة في جنوب لبنان.
وأضاف المصدر أنّ البيان لن يقتصر على تلخيص نتائج هذه الجولة، بل سيتضمّن أيضًا تحديد مواعيد جديدة للجولة السّادسة من المفاوضات، والتي يُرجّح أن تُعقد خلال نحو عشرة أيّام لاستكمال البحث في الملفّات العالقة.
حزب الله يترقّب وإسرائيل تتمسّك بحرّيّة العمل
في المقابل، نُقل عن مصادر مطّلعة على موقف حزب الله أنّ الحزب "متريّث في الميدان، حيث تتركّز ضرباته داخل الأراضي اللّبنانيّة، بانتظار نتيجة مفاوضات اليوم في واشنطن".
إسرائيليًّا، قال السّفير الإسرائيليّ لدى الولايات المتّحدة، يحيئيل ليتر، إنّ إطلاق حزب الله الصّواريخ باتّجاه شمال إسرائيل يمثّل "انتهاكًا صارخًا للتّفاهمات". وجاء هذا الموقف في وقتٍ صعّد فيه رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو خطابه، معتبرًا أنّ "العديد ممّن يستهدفون إسرائيل موجودون في بيروت".
وفي تطوّرٍ سياسيّ وأمنيّ متّصل، أفادت القناة 13 الإسرائيليّة بأنّ نتنياهو يعقد مساء اليوم مناقشةً خاصّة حول لبنان، في خطوةٍ تعكس متابعةً إسرائيليّة مباشرة لمسار المفاوضات الجارية في واشنطن والتّطوّرات الميدانيّة على الجبهة الشّماليّة.
كما نقل موقع "واللا" الإسرائيليّ عن مصدرٍ مطّلع أنّ نتنياهو رفض الخوض في تفاصيل مكالمته مع الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، لكنّه أكّد أنّ الرّئيس الأميركيّ كان "صاخبًا جدًّا" خلال الاتّصال، من دون الكشف عن مزيدٍ من التّفاصيل بشأن فحوى المحادثة.
لا وقف للنّار في الميدان
في موقفٍ ميدانيّ لافت، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ أنّه "لا وقف لإطلاق النّار في لبنان"، مؤكّدًا أنّ الجيش الإسرائيليّ "يعمل على استغلال هامش العمل العسكريّ لإزالة التّهديدات".
وأضاف أنّ القوّات الإسرائيليّة "تعمل على تحقيق أقصى استفادةٍ من حرّيّة العمل الممنوحة لها في لبنان"، في تصريحاتٍ تعكس استمرار المقاربة العسكريّة الإسرائيليّة، رغم المسار التّفاوضيّ الجاري في واشنطن.
كما نقلت القناة 14 الإسرائيليّة أنّه "إذا حدث أيّ انتهاكٍ من جانب حزب الله، فإنّ الجيش الإسرائيليّ سيكون قادرًا على الهجوم في جميع أنحاء لبنان، بما في ذلك بيروت"، في موقفٍ يعكس تمسّك تل أبيب بحرّيّة العمل العسكريّ ضمن أيّ ترتيباتٍ مستقبليّة.
ترامب يؤكّد التّوافق مع نتنياهو
في موازاة المفاوضات، قال الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب إنّ علاقته برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو "ممتازة"، مؤكّدًا وجود "توافق" بينهما في ما يتعلّق بالملفّ اللّبنانيّ.
وتأتي تصريحات ترامب في وقتٍ تتكثّف فيه الجهود الأميركيّة لدفع المفاوضات نحو تفاهماتٍ عمليّة، وسط استمرار التّباين بين المقاربة اللّبنانيّة، التي تعطي الأولويّة لوقف النّار، والمقاربة الإسرائيليّة، التي تركّز على التّرتيبات الأمنيّة طويلة الأمد.
اليوم الأوّل: أجواء جيّدة بلا بيان رسميّ
وكانت جلسة اليوم الأوّل من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن قد انتهت من دون صدور بيانٍ رسميّ عن الجانب الأميركيّ، على أن تُستكمل المباحثات في جلسةٍ ثانية.
ونُقل عن السّفير الأميركيّ في لبنان، ميشال عيسى، قوله إنّ أجواء اليوم الأوّل من جلسات التّفاوض كانت "جيّدة"، مشيرًا إلى أنّ مسألة وقف النّار تحتاج إلى بعض الوقت. وردًّا على سؤالٍ بشأن إمكان التّوصّل إلى وقف إطلاق نار شامل، قال عيسى: "هذا ما نسعى إليه".
كما أوضح السّفير الأميركيّ لدى لبنان أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لم يتواصل مع حزب الله، بل مع السّفيرة ندى حمادة معوّض، في توضيحٍ بدا موجّهًا إلى ضبط الالتباس الذي رافق الحديث عن اتّصالاتٍ أميركيّة مع ممثّلين عن قادة الحزب.
وفدان سياسيّان وأمنيّان
وضمّ الوفد اللّبنانيّ السّفير السّابق سيمون كرم، والسّفيرة اللّبنانيّة في واشنطن ندى حمادة معوّض، والملحق العسكريّ أوليفر حاكميّة، ونائب السّفيرة وسام بطرس.
في المقابل، ضمّ الوفد الإسرائيليّ السّفير لدى واشنطن يحيئيل ليتر، ونائب مستشار الأمن القوميّ يوسي درازنين، ورئيس قسم التّخطيط في الجيش الإسرائيليّ أميشاي ليفين، والملحق العسكريّ إريك بن دوف.
وقالت وزارة الخارجيّة الأميركيّة إنّ الجولة الرّابعة من المفاوضات المباشرة شهدت "تقدّمًا متواصلًا على المستويَين السّياسيّ والأمنيّ"، فيما قال المتحدّث باسمها تومي بيغوت إنّ واشنطن تعمل على تجاوز تعثّر السّنوات الماضية والتّقدّم نحو "اتّفاقٍ شامل يهدف إلى استعادة سيادة لبنان وضمان أمن إسرائيل".
تصعيدٌ إسرائيليّ وحراكٌ عربيّ
تأتي المفاوضات في وقتٍ تواصل فيه إسرائيل تصعيد هجماتها على لبنان، إذ كثّفت غاراتها على مناطق في الجنوب، ونفّذت استهدافًا في منطقة خلدة جنوبيّ بيروت، كما وسّعت هجماتها على القطاع الصّحّي وواصلت تهديدها باستهداف مستشفياتٍ حكوميّة.
كما شهدت السّاعات الأخيرة استهدافًا مباشرًا للجيش اللّبنانيّ أدّى إلى مقتل أحد عناصره، ما دفع قيادة الجيش إلى وصف الاعتداءات الإسرائيليّة بأنّها "وحشيّة".
في المقابل، أعلن حزب الله استهداف تجمّعٍ لجنودٍ إسرائيليّين في شمال إسرائيل، في أوّل عمليّةٍ من هذا النّوع منذ الإعلان عن تفاهمٍ يقضي بعدم استهداف الضّاحية الجنوبيّة لبيروت مقابل وقف الهجمات على شمال إسرائيل، وهو تفاهمٌ سبق أن أعلن الحزب رفضه.
وبالتّوازي، تشهد السّاحة الدّبلوماسيّة حراكًا عربيًّا مكثّفًا، ازداد زخمًا خلال السّاعات الأخيرة عبر اتّصالاتٍ مع واشنطن، بهدف تثبيت وقفٍ شاملٍ للنّار كمدخلٍ لمعالجة الملفّات العالقة بين الجانبَين. وتركّز الجهود العربيّة، وفق المعلومات المتداولة، على التّوصّل إلى تسويةٍ أوسع تشمل انسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللّبنانيّة التي تحتلّها، مقابل بسط الدّولة اللّبنانيّة سيطرتها على كامل أراضيها.
مفاوضاتٌ معلّقة بين الضّغط والرّهان
مع انطلاق اليوم الثّاني من المحادثات، تبدو واشنطن حريصةً على الانتقال من النّقاشات العامّة إلى صياغةٍ أكثر عمليّة، قد تتمثّل في إعلان مبادئ وخارطة طريق أمنيّة تحدّد مراحل التّنفيذ المقبلة.
غير أنّ هذا المسار يبقى محكومًا بعقدٍ أساسيّة، تبدأ بحدود الالتزام الإسرائيليّ بوقف النّار، ولا تنتهي عند موقع حزب الله في أيّ ترتيباتٍ أمنيّة، ومدى قدرة الدّولة اللّبنانيّة على ترجمة أيّ اتّفاقٍ إلى وقائع ميدانيّة.
وتعكس المعطيات المتداولة محاولةً لبنانيّة لتثبيت مسارٍ تفاوضيّ يقوم على وقف نارٍ شامل ومتدرّجٍ زمنيًّا وجغرافيًّا، بالتّوازي مع الانسحاب الإسرائيليّ وبسط سلطة الدّولة، فيما تواصل واشنطن الدّفع نحو ترتيباتٍ أمنيّة مرحليّة تبدأ بـ"منطقة تجريبيّة" في الجنوب.
وبين التّصعيد العسكريّ والرّهان الدّبلوماسيّ، يبقى نجاح المفاوضات مرتبطًا بقدرة الأطراف على ردم الفجوة بين الأولويّات اللّبنانيّة والهواجس الأمنيّة الإسرائيليّة، وبمدى استعداد واشنطن لتحويل مسار التّفاوض من إدارة الأزمة إلى إنتاج تفاهمٍ قابلٍ للتّنفيذ.




