كيف يمكن للبنان تحويل جرائم الحرب إلى ورقة قوة؟

عبد الفتاح خطابالثلاثاء 2026/06/02
لوبية
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا قررت الدولة اللبنانية المضي في مسار تفاوضي، مباشر أو غير مباشر، لتثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701، يبرز سؤال استراتيجي: هل يقتصر التفاوض على الأمن والسياسة، أم يمكن دعمه بمسار قانوني موازٍ؟

 

تُظهر التجارب المقارنة أنه لا يوجد ما يمنع قانوناً هذا المسار، بل قد يكون من المجدي تشكيل فريق قانوني متخصص يعمل بالتوازي مع الوفد التفاوضي، لمقاضاة إسرائيل على جرائم الحرب والانتهاكات، والمطالبة بتعويضات شاملة عن مختلف أنواع الأضرار، البشرية والمادية والبيئية والأثرية والاقتصادية، الناتجة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية على لبنان (2023-2024 وما تلاه).

 

على أن لبنان يطالب بتعويضات (Reparations) كحق قانوني ناتج عن فعل غير مشروع، وليس مجرد مساعدات (Aid) أو "هبات" لإعادة الإعمار.

 

المسؤولية الدولية: "مشروع مواد لجنة القانون الدولي" كإطار للمطالبة

يستند هذا الحق إلى مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001)، والتي تُلزم الدولة المسؤولة بـ"جبر الضرر الشامل" (Full Reparation) . يشمل ذلك إعادة الوضع إلى ما كان عليه قدر الإمكان، والتعويض المالي عن الأضرار غير القابلة للإصلاح، والتأهيل، والاعتذار، وضمانات عدم التكرار.

 

كما أن تقارير منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"أمنستي إنترناشونال" وثّقت انتهاكات إسرائيلية تشكل جرائم حرب محتملة، منها: الاستخدام غير القانوني للفوسفور الأبيض في المناطق المأهولة، استهداف المدنيين والطواقم الطبية والصحفيين، تدمير البنية التحتية المدنية، وهجمات على منشآت مالية ومؤسسات تعليمية وصحية.

 

تقديرات البنك الدولي (RDNA 2025) تشير إلى أن الأضرار المادية بلغت حوالي 6.8 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية 7.2 مليار دولار، بإجمالي تكلفة اقتصادية تصل إلى 14 مليار دولار، مع حاجة إعادة إعمار وتعافٍ تقدر بنحو 11 مليار دولار. أكثر القطاعات تضرراً: السكن (4.6 مليار دولار)، والتجارة والصناعة والسياحة (خسائر 3.4 مليار دولار)، بالإضافة إلى الزراعة (أكثر من مليار دولار خسائر).

 

الآليات القانونية المتاحة للبنان

1. محكمة العدل الدولية (ICJ): يمكن للبنان اللجوء إلى محكمة العدل الدولية إذا توفر أساس للاختصاص، أو العمل دبلوماسياً عبر الجمعية العامة لطلب رأي استشاري حول المسؤولية القانونية.

 

2. المحكمة الجنائية الدولية (ICC): لبنان لم ينضم بعد إلى اتفاقية روما، لكن منظمات حقوقية تدعو الحكومة اللبنانية إلى منح المحكمة اختصاصاً للتحقيق في الجرائم المرتكبة على أراضيها منذ تشرين الأول 2023. يمكن أيضاً اللجوء إلى تفعيل مسار "الولاية القضائية العالمية" (Universal Jurisdiction) عبر تقديم شكاوى جنائية في دول تتيح قوانينها الوطنية ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب (مثل فرنسا، سويسرا، أو ألمانيا). هذا المسار لا يستهدف الدولة فحسب، بل يلاحق الأفراد المسؤولين عن اتخاذ القرارات الميدانية، ما يشكل أداة ردع قانوني وشخصي. وهو خيار سيادي معقّد سياسياً وقانونياً، ويتطلب تقدير تداعياته الدبلوماسية.

 

3. مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة: لبنان سبق أن قدم شكاوى رسمية ضد الانتهاكات المرتبطة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية، بما فيها خروقات وقف إطلاق النار (أكثر من 2000 انتهاك موثقة في أشهر قليلة). يمكن توسيع هذا إلى آلية دولية لتسجيل الأضرار (Register of Damage) مشابهة لتلك المستخدمة في سياقات أخرى.

 

4. المحاكم المدنية الوطنية: المطالبة بتعويضات مالية أمام محاكم الدول التي تملك استثمارات أو أصولاً للجهة المدعى عليها. الفرص محدودة لكن ممكنة في بعض الدول الأوروبية.

 

تجارب دولية ملهمة

لا يمثل المسار القانوني قفزة في الفراغ. فقد نجحت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات (UNCC) في معالجة مطالبات وتوزيع مليارات الدولارات كتعويضات عن خسائر الغزو العراقي للكويت، شملت الأفراد والشركات والحكومات، بما في ذلك الأضرار البيئية. كما يمثل الصندوق الاستئماني للضحايا (TFV) التابع للمحكمة الجنائية الدولية نموذجاً لتنفيذ جبر الضرر المادي والمعنوي. هذه النماذج تثبت أن تفعيل الآليات الدولية يمكن أن يحول المسؤولية القانونية إلى نتائج ملموسة.

 

نطاق التعويضات المحتملة

يمكن للفريق القانوني توسيع نطاق المطالبات ليشمل:

 

 الأضرار البشرية: وفق تقارير أولية، مقتل أكثر من 4000 شخص (بينهم نساء وأطفال ومسعفون وصحفيون)، وإصابة عشرات الآلاف، والنزوح القسري لأكثر من 1.2 مليون لبناني، والصدمات النفسية الطويلة الأمد.

 الأضرار المادية: شملت الأضرار تدمير أو تضرر عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، إضافة إلى أضرار واسعة في شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق، والمدارس، والمستشفيات.

- الأضرار البيئية: استخدام الفوسفور الأبيض، تلوث التربة والمياه، حرائق في الأراضي الزراعية والغابات، ومخلفات الذخائر المتفجرة ومواد سامة (أسبستوس وغيرها). تقدر بعض التقارير الأضرار البيئية بعشرات الملايين، مع تأثيرات طويلة الأمد على الصحة والزراعة.

- الأضرار الأثرية والثقافية: تدمير أسواق تاريخية (مثل سوق النبطية القديم)، مساجد، كنائس، مواقع أثرية، ومقابر، وهذا ما يشكل اعتداءً على التراث الثقافي اللبناني.

- الخسائر الاقتصادية: انهيار قطاعات السياحة والتجارة والزراعة، تراجع الإنتاج، فقدان مئات الآلاف من فرص العمل، وتكاليف الإعمار طويلة الأمد. 

 

يمكن توثيق هذه المطالبات عبر مصادر متعددة، أبرزها تقارير البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة (UNDP)، إضافة إلى صور الأقمار الصناعية والشهادات الميدانية.

 

التحديات الواقعية والفرص الاستراتيجية

رغم متانة الأساس القانوني، تواجه المقاضاة عقبات جدية، في مقدمتها عدم اعتراف إسرائيل ببعض الجهات القضائية، والاعتماد على مجلس الأمن (حيث يمكن استخدام الفيتو)، وصعوبة إثبات "رابطة السببية القانونية" (Causation) بين الفعل العسكري المحدد والضرر الناتج في ظل بيئة نزاع متداخلة، وهو ما يتطلب توثيقاً جنائياً دقيقاً. كما أن لبنان يواجه تحديات داخلية اقتصادية وسياسية قد تؤثر على قدرته على متابعة مسارات قانونية طويلة ومعقدة.

 

إن التحرك القانوني الفوري ليس مجرد إجراء تكميلي، بل هو ضرورة لحماية الحقوق من "التسويات السياسية المتسرعة". فالتجارب التاريخية تظهر أن اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تُصاغ تحت ضغط الميدان قد تتضمن بنوداً عامة أو 'ملحقات تقنية' تُسقط، بوعي أو بدون وعي، حق الدولة في المطالبة بالتعويضات مستقبلاً تحت مسمى "تصفية النزاعات". لذا، فإن وجود مسار قانوني موازٍ يعمل كصمام أمان يمنع أي تنازل مجاني عن حقوق الضحايا، ويضمن ألا تأتي التسوية السياسية على حساب العدالة الاقتصادية والجنائية.

 

ومع ذلك، يمكن تحويل المسار القانوني إلى ورقة ضغط تفاوضية فعّالة: ربط ملف التعويضات والاعتراف بالمسؤولية بمسارات تنفيذ الانسحاب الكامل واحترام السيادة اللبنانية. تُظهر تجارب سابقة، مثل لجان التعويضات في نزاعات دولية، أن ما يُبنى في المحاكم يمكن أن يتحول عملياً إلى "سقف تفاوضي مالي" في أي تسوية سياسية.

 

توصيات عملية

يجب أن يضم الفريق القانوني:

 محامين دوليين متخصصين في القانون الإنساني والمسؤولية الدولية.

 خبراء بيئيين واقتصاديين وأثريين لتقييم الأضرار بدقة علمية.

 فريق توثيق يستخدم التكنولوجيا الحديثة (أقمار صناعية، مقابلات، تقارير ميدانية).

 

الهدف: بناء ملف قانوني شامل يُستخدم في المحاكم الدولية، وفي الوقت نفسه يدعم الموقف التفاوضي بأرقام واضحة وموثقة للتعويضات المستحقة.

 

القانون كرافعة للتفاوض: من موقع الضحية إلى قوة المدعي

التفاوض الأمني والسياسي لا يتعارض مع المقاضاة القانونية؛ بل يمكن أن يكملا بعضهما البعض. تشكيل فريق قانوني متخصص ليس رفاهية، بل خيار استراتيجي يحمي حقوق لبنان واللبنانيين، ويبني سجلاً تاريخياً وقانونياً يمنع تكرار الانتهاكات. حتى لو كان التنفيذ الفوري صعباً بسبب التوازنات الدولية، فإن توثيق الجرائم والمطالبة بالتعويضات يحفظ الحقوق ويضع أساساً لأي تسوية مستقبلية عادلة.

 

القانون الدولي أداة فعالة عندما تُدعم بإرادة سياسية موحدة ودعم دولي. في هذا السياق، لا يشكّل المسار القانوني بديلاً عن التفاوض، بل رافعة له. والوقت مناسب لبدء هذا المسار قبل أن تُفرض تسويات قد تتجاوز حقوق الضحايا أو تُهمّش حجم الخسائر التي تكبّدها لبنان.

 

إن إغفال المسار القانوني في هذه اللحظة الحرجة ليس مجرد تفويت لفرصة مالية، بل هو تنازل طوعي عن حق سيادي وأخلاقي. فالتفاوض الذي لا يستند إلى قوة القانون يظل ناقصاً، وحقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم، بل تضيع بالإهمال السياسي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث