قراءة إسرائيليّة: خسرنا أوراق الضغط أمام حزب الله

المدن - سياسةالثلاثاء 2026/06/02
Image-1780417273.Jpg
إذا خرق حزب الله وقف إطلاق النار خلال الأيام المقبلة، فإن نتنياهو سيواجه خيارًا بالغ الصعوبة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

رأت صحيفة "إسرائيل هيوم"، في مقالٍ للكاتب شاحار كليمان، أنّ ما تصفه بـ"الدّولة العميقة" التابعة لحزب الله في لبنان تمثّل نقطة ضعفٍ ينبغي على إسرائيل استغلالها، معتبرةً أنّ الحزب يعيد، في المرحلة الحاليّة، تكرار الأخطاء الاستراتيجيّة نفسها التي قادت، بحسب رأي الكاتب، إلى إضعافه في السّنوات الماضية.

وبحسب المقال، يسعى حزب الله مجدّدًا إلى فرض معادلةٍ على إسرائيل تقوم على استنزافها تدريجيًّا، انطلاقًا من افتراض أنّ طهران ستتدخّل في النّهاية لإنقاذه في حال تصاعدت المواجهة. ويرى الكاتب أنّ إسرائيل، إلى جانب العمليّات العسكريّة البرّيّة، تحتاج إلى "مفاجآتٍ جديدة" لتحقيق أهدافها، من خلال استهداف ما يسمّيه "الدّولة العميقة" التابعة للحزب داخل لبنان، وإقصاء الجهات المتعاونة معه.

 

معادلة الثّامن من تشرين الأوّل

وتشير "إسرائيل هيوم" إلى أنّ حزب الله، عندما فتح جبهة الشّمال في 8 تشرين الأوّل 2023، حاول فرض معادلةٍ تقوم على وقف القتال مقابل الحفاظ على التّهديد الذي تمثّله حركة حماس، مع السّعي إلى استنزاف إسرائيل ودفع سكّان الشّمال إلى النّزوح.

غير أنّ إسرائيل، وفق الكاتب، نجحت في كسر هذه المعادلة من خلال العمليّات البرّيّة والاغتيالات وسلسلةٍ من العمليّات الأمنيّة والعسكريّة، ما دفع الحزب إلى قبول وقف إطلاق نارٍ لم يكن يصبّ في مصلحته بالكامل.

ويضيف المقال أنّ لبنان شهد بعد ذلك صعود قيادةٍ سياسيّةٍ أكثر قربًا من الغرب، مستعدّة، بحسب تقديره، للتّعاون في ملفّ نزع سلاح حزب الله، ليس فقط جنوب نهر اللّيطاني، بل على مستوى البلاد كلّها.

 

مطالب حزب الله الجديدة

وبحسب "إسرائيل هيوم"، عاد حزب الله منذ آذار 2026 إلى طرح مجموعةٍ جديدةٍ من المطالب، تشمل انسحاب الجيش الإسرائيليّ بالكامل من جنوب لبنان، ووقف العمليّات العسكريّة، والإفراج عن معتقلين تابعين للحزب، والسّماح بعودة السكّان الشّيعة إلى القرى الجنوبيّة، والموافقة على إعادة إعمار المناطق المتضرّرة.

ويرى الكاتب أنّ الحزب يهدّد بمواصلة إطلاق الصّواريخ والطّائرات المسيّرة ما لم تتحقّق هذه المطالب، معتبرًا أنّها تمثّل محاولةً جديدةً لفرض "معادلة ردع" تمنح حزب الله هدوءًا مؤقّتًا، مع الحفاظ على قدراته العسكريّة وإمكان تهديد شمال إسرائيل مستقبلًا.

وتخصّص "إسرائيل هيوم" جانبًا واسعًا من المقال للحديث عمّا تسمّيه "الدّولة العميقة" لحزب الله داخل مؤسّسات الدّولة اللّبنانيّة، في إشارةٍ إلى شبكةٍ من المؤسّسات والشّخصيّات المدنيّة والسّياسيّة والأمنيّة التي يرى الكاتب أنّها تعمل لخدمة مصالح الحزب داخل لبنان.

ويشير المقال إلى أنّ العقوبات الأميركيّة الأخيرة سلّطت الضّوء على بعض هذه الشّخصيّات، بما في ذلك نوّاب محسوبون على الحزب وعناصر داخل مؤسّساتٍ رسميّة، غير أنّ الكاتب يشكّك في قدرة العقوبات الاقتصاديّة وحدها على الحدّ من نفوذهم.

وبحسب "إسرائيل هيوم"، تشكّل هذه الشّبكة أحد أبرز العوائق أمام الحكومة اللّبنانيّة، إذ يرى الكاتب أنّ أيّ قراراتٍ قد يتّخذها الرّئيس اللّبنانيّ جوزاف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام بشأن نزع سلاح حزب الله قد تواجه مقاومةً من شخصيّاتٍ وكياناتٍ مواليةٍ للحزب داخل مؤسّسات الدّولة.

لذلك، يدعو الكاتب إلى استهداف هذه البنية السّياسيّة والإداريّة، معتبرًا أنّ ذلك سيضعف حزب الله ويعزّز خصومه داخل النّظام السّياسيّ اللّبنانيّ، مشيرًا إلى أنّ بعض القوى السّياسيّة اللّبنانيّة تطالب بالفعل بإبعاد الوزراء المحسوبين على الحزب من الحكومة.

 

طهران وحسابات التّفاوض

وفي ختام مقاله، تشكّك "إسرائيل هيوم" في جدّيّة التّصريحات الإيرانيّة التي تربط أيّ اتفاقٍ مع الولايات المتّحدة بوقف إطلاق النّار في لبنان.

ويرى الكاتب أنّ طهران قد لا تكون مستعدّةً للتّضحية بمصالحها الاستراتيجيّة الأوسع من أجل حزب الله، إذا حصلت على مكاسب أكبر في ملفّاتٍ أخرى، معتبرًا أنّ التّهديد الإيرانيّ قد يكون ورقةً تفاوضيّةً أكثر منه موقفًا نهائيًّا.

 

"يديعوت أحرونوت": نتنياهو خسر ورقة الضّاحية

في مقاربةٍ مختلفة، رأت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في مقالٍ للكاتب رون بن يشاي، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو كان محقًّا في المصادقة على تنفيذ ضرباتٍ ضدّ الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، لكنّه أخطأ حين أعلن مسبقًا وهدّد حزب الله علنًا قبل التنفيذ.

وبحسب الكاتب، أتاح هذا التّهديد العلنيّ للرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب التّدخّل، ما حرم إسرائيل من إحدى أكثر أدوات الضّغط فاعليّةً على حزب الله والدّولة اللّبنانيّة.

ويرى بن يشاي أنّ إسرائيل، في الظّروف الحاليّة، لا تملك سوى القبول بالإملاءات التي يفرضها ترامب في السّاحة اللّبنانيّة، وانتظار ما إذا كانت مفاوضاته مع إيران ستفضي إلى اتفاقٍ أم ستنهار، قبل إعادة تقييم الخيارات على مختلف الجبهات.

 

اعتماد إسرائيليّ متزايد على واشنطن

وتعزو "يديعوت أحرونوت" هذا الوضع إلى ثلاثة أسبابٍ أساسيّة. أوّلها أنّ ترامب مصمّم على التوصّل إلى تفاهماتٍ مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما جعلت طهران وقف إطلاق النّار على الجبهة اللّبنانيّة شرطًا لأيّ اتفاقٍ محتمل.

أمّا السّبب الثّاني، فيتّصل باعتماد إسرائيل الدّبلوماسيّ والعسكريّ واللّوجستيّ المتزايد على الولايات المتّحدة، وهو اعتمادٌ عزّزه نتنياهو على مدى سنوات، بالتّوازي مع العزلة الدّوليّة التي تواجهها إسرائيل حاليًّا.

ويتعلّق السّبب الثّالث، وفق الكاتب، بأوضاع سكّان شمال إسرائيل، الذين اضطرّوا طوال أكثر من عامين إلى العيش تحت وطأة الصّواريخ والطّائرات المسيّرة، من دون أفقٍ واضحٍ لنهاية هذا الوضع. وإذا التزم حزب الله بوقف إطلاق النّار وتوقّف عن إطلاق النّار عبر الحدود، فإنّ أوضاع سكّان الجليل ستتحسّن، ولو مؤقّتًا.

 

شروط غامضة لوقف إطلاق النّار

وتشير "يديعوت أحرونوت" إلى أنّ تفاصيل وقف إطلاق النّار المتعلّقة بالجيش الإسرائيليّ لا تزال غامضة. فليس واضحًا، بحسب الكاتب، ما إذا كانت شروطٌ محدّدة قد وُضعت خلال السّجال الحادّ بين ترامب ونتنياهو.

لكنّ المؤكّد، وفق المقال، أنّ القوات الإسرائيليّة ستبقى في مواقعها الحاليّة، وقد تظلّ قادرةً على تنفيذ عمليّاتٍ برّيّةٍ محدودة أو ضرباتٍ جوّيّةٍ موضعيّة لإسكات مصادر النّيران، إذا واصل حزب الله استهداف القوّات المنتشرة على الأرض.

وفي الوقت نفسه، يرى الكاتب أنّ استهداف الضّاحية الجنوبيّة لبيروت أصبح، حاليًّا، خارج الحسابات، ما يعني عمليًّا أنّ إسرائيل والجيش الإسرائيليّ فقدا مؤقّتًا إحدى أهمّ وسائل الضّغط على حزب الله والحكومة اللّبنانيّة.

 

لماذا الضّاحية ورقة ضغط؟

وبحسب "يديعوت أحرونوت"، فإنّ معظم قيادات حزب الله البارزة غادرت الضّاحية الجنوبيّة منذ زمن، غير أنّ المنطقة لا تزال تضمّ نخبةً من المجتمع الشّيعيّ اللّبنانيّ، من رجال دينٍ كبار وعائلاتٍ ميسورةٍ ومتعلّمة، إضافةً إلى آلاف العائلات النّازحة من القرى الجنوبيّة.

ولهذا السّبب، يعتبر الكاتب أنّ أيّ دمارٍ واسع النّطاق في الضّاحية، حتى لو لم تعد تضمّ مستودعات الأسلحة الضّخمة أو الأهداف القياديّة النّوعيّة، سيشكّل ضربةً قاسيةً للمجتمع الشّيعيّ عمومًا ولحزب الله خصوصًا.

ويستعيد بن يشاي تجربته بعد حرب تمّوز 2006، حين دخل الضّاحية الجنوبيّة وشاهد أحياءً كاملةً مدمّرة، مشيرًا إلى أنّ الدّمار آنذاك لم يكن موجّهًا فقط نحو أهدافٍ عسكريّة، بل حمل أيضًا طابعًا عقابيًّا وردعيًّا.

 

حزب الله في وضعٍ أصعب من عام 2006

وتنقل "يديعوت أحرونوت" عن كاتبها أنّ قلق حزب الله اليوم مفهوم، لأنّ وضعه الحاليّ، في رأيه، أسوأ بكثير ممّا كان عليه عام 2006.

فأيّ هجومٍ واسعٍ على الضّاحية سيدفع عشرات الآلاف من المدنيّين الشّيعة المؤثّرين والمستقرّين إلى الاختيار بين النّزوح أو مواجهة خطر الموت، في وقتٍ يعيش فيه مئات الآلاف من أبناء الطّائفة أصلًا حالة نزوحٍ بعد مغادرتهم قرى الجنوب.

ويضيف الكاتب أنّ إيران، المثقلة بأزماتها الاقتصاديّة والسّياسيّة، تبدو أقلّ قدرةً على تقديم الدّعم الماليّ اللازم، حتى لو أدّت المفاوضات مع واشنطن إلى رفع العقوبات عنها.

 

خطأ نتنياهو: التّهديد قبل التّنفيذ

وتخلص "يديعوت أحرونوت" إلى أنّ نتنياهو كان محقًّا في الموافقة على توصية رئيس الأركان وكبار المسؤولين الأمنيّين بشنّ هجومٍ على الضّاحية الجنوبيّة، لكنّه أخطأ عندما أعلن ذلك مسبقًا عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ ووجّه تهديداته علنًا.

وبرأي الكاتب، كان من الأفضل أن يسمح لسلاح الجوّ بتنفيذ ما يسمّيه الجيش الإسرائيليّ "استعراض القدرة" عبر قصف مبنيين أو ثلاثة من الأهداف المهمّة، لإظهار ما قد ينتظر حزب الله والحكومة اللّبنانيّة والبيئة الشّيعيّة، ثمّ يشرح لاحقًا لترامب أنّ إسرائيل لم يكن أمامها خيارٌ آخر بعد استمرار إطلاق النّار.

ويختصر الكاتب فكرته بالقول: "نفّذ أوّلًا ثمّ هدّد، لا أن تهدّد أوّلًا ثمّ تعجز عن التّنفيذ".

 

معضلة إسرائيل المقبلة

وترى "يديعوت أحرونوت" أنّ الامتثال للرّغبة الأميركيّة في المرحلة الحاليّة يعني قبول وقف إطلاق نارٍ جزئيّ، هدفه الأساسيّ تخفيف معاناة المدنيّين على جانبَي الحدود اللّبنانيّة.

وقد يمنح هذا المسار، وفق الكاتب، سكّان شمال إسرائيل فترة راحة من الضّغوط الأمنيّة والنّفسيّة المستمرّة، كما يوفّر للمؤسّسة العسكريّة وقتًا إضافيًّا لتطوير وسائل مواجهة الطّائرات المسيّرة الموجّهة بالألياف البصريّة التي يستخدمها حزب الله.

لكنّ الخطر، بحسب المقال، يكمن في أن يستمرّ هذا الوضع أشهرًا طويلة، ويتحوّل إلى نسخةٍ جديدة من حرب الاستنزاف التي خاضتها إسرائيل في الشّريط الحدوديّ بجنوب لبنان حتى عام 2000.

أمّا إذا خرق حزب الله وقف إطلاق النّار خلال الأيّام المقبلة، فإنّ نتنياهو سيواجه، وفق "يديعوت أحرونوت"، خيارًا بالغ الصّعوبة: إمّا تحدّي ترامب والمخاطرة بانهيار المسار الدّبلوماسيّ مع لبنان واحتمال ردٍّ إيرانيّ، وإمّا الانتظار إلى حين انتهاء المفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة قبل اتخاذ قرارٍ جديد بشأن لبنان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث