انتهت جلسة اليوم الأوّل من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن، من دون صدور بيانٍ رسميّ عن الجانب الأميركيّ، على أن تُستكمل المباحثات في جلسةٍ ثانية غدًا.
ونُقل عن السّفير الأميركيّ في لبنان، ميشال عيسى، قوله إنّ أجواء اليوم الأوّل من جلسات التفاوض كانت "جيّدة"، مشيرًا إلى أنّ مسألة وقف النّار تحتاج إلى بعض الوقت.
وردًّا على سؤالٍ بشأن إمكان التوصّل إلى وقف إطلاق نارٍ شامل، قال عيسى: "هذا ما نسعى إليه".
كما أوضح السّفير الأميركيّ لدى لبنان أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لم يتواصل مع "حزب الله"، بل مع السّفيرة ندى حمادة معوّض، في توضيحٍ بدا موجّهًا إلى ضبط الالتباس الذي رافق الحديث عن اتصالاتٍ أميركيّة مع ممثّلين عن قادة الحزب.
جولة رابعة في واشنطن
وكانت قد انطلقت في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن الجولة الرّابعة من المفاوضات اللّبنانيّة، الإسرائيليّة، بمشاركة الوفدين اللّبنانيّ والإسرائيليّ، وسط ترقّبٍ لمسار النّقاشات، وما قد تُفضي إليه من تفاهماتٍ سياسيّةٍ وميدانيّة.
ومن المرتقب أن يطرح الوفد اللّبنانيّ، خلال هذه الجولة، مطلب تثبيت وقف إطلاق نارٍ شاملٍ على كامل الأراضي اللّبنانيّة، بوصفه مدخلًا أساسيًّا لمعالجة الملفّات العالقة، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيليّ، وعودة الأسرى، وعودة النّازحين، وإعادة الإعمار.
ووصل سفيرا لبنان وإسرائيل إلى مقرّ الخارجيّة الأميركيّة للمشاركة في الجولة الجديدة من المباحثات المباشرة، حيث تمثّل لبنان السّفيرة ندى حمادة معوّض، فيما يمثّل إسرائيل السّفير يحيئيل لايتر، بحضور دانيال هولر، ممثّلًا لوزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، الذي غاب عن هذه الجولة.
الجلسة بدأت بمطلب الوقف الشّامل
بدأ الوفد اللّبنانيّ الجلسة بالتّأكيد على ضرورة التوصّل إلى وقف إطلاق نارٍ شامل، في ظلّ بحثٍ يتناول مختلف الملفّات والمفاهيم المرجعيّة الملحقة بهذا الوقف.
وبحسب المعطيات المتوافرة، فإنّ التقديرات لا تشير إلى إمكان الوصول، اليوم، إلى نتيجةٍ حاسمة، على أن يستمرّ البحث غدًا، في ضوء طروحاتٍ عمليّةٍ يقدّمها الجانبان اللّبنانيّ والإسرائيليّ، إضافةً إلى الوسيط الأميركيّ، حول صيغٍ معيّنةٍ لوقف إطلاق النّار.
وتشير الأجواء إلى وجود مسعى أميركيّ واضح للوصول إلى تثبيتٍ فعليٍّ وشاملٍ لوقف إطلاق النّار، بما يحوّل التّهدئة الهشّة إلى إطارٍ أكثر استقرارًا.
روبيو: تلقّينا رسائل عبر الحكومة وبرّي
في موقفٍ لافت، قال وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو إنّ واشنطن تلقّت اتّصالاتٍ عبر الحكومة اللّبنانيّة ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، نيابةً عن "حزب الله"، تفيد بأنّ الحزب لن يهاجم إسرائيل ما لم تُهاجَم بيروت.
ويأتي كلام روبيو في توقيتٍ حسّاس، بالتزامن مع انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات في واشنطن، ومع تصاعد النّقاش حول طبيعة الضّمانات المطلوبة لتثبيت وقف إطلاق النّار، وما إذا كانت التّهدئة ستبقى محصورةً بمعادلاتٍ ميدانيّةٍ جزئيّة، أم ستتّجه نحو وقفٍ شاملٍ وواضح.
استياء إسرائيليّ من مواقف حزب الله
في موازاة انطلاق المحادثات، أفادت تقارير صحافيّة من واشنطن بأنّ الوفد الإسرائيليّ أبدى استياءه من تصريحات مسؤولي "حزب الله" الأخيرة، التي ترفض معادلة عدم استهداف الضّاحية الجنوبيّة مقابل عدم استهداف الشّمال الإسرائيليّ، معتبرًا أنّ هذه المواقف تعقّد مسار المفاوضات.
وفي هذا السّياق، علمت "المدن" أنّ "حزب الله" أبلغ رفضه معادلة وقف استهداف الشّمال مقابل وقف العدوان الإسرائيليّ على الضّاحية الجنوبيّة، مؤكّدًا أنّ الضّاحية ليست أكثر أهمّيّةً من حيٍّ في ميس الجبل، أو النّبطيّة، أو أيّ بلدةٍ جنوبيّة.
وبحسب "المدن"، شدّد الحزب على أنّه يصرّ على التزامٍ إسرائيليّ واضح بوقف نارٍ شامل، وأنّه غير مُلزَمٍ بإعلان أيّ موقفٍ بشأن وقف إطلاق النّار قبل التأكّد من التزام إسرائيل، مجدّدًا رفضه العودة إلى ما قبل الثّاني من آذار.
عون: التّفاوض ليس استسلامًا
تزامنًا مع انطلاق المحادثات، جدّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون تمسّكه بخيار التّفاوض، مؤكّدًا أنّه لا ينبغي النّظر إليه على أنّه استسلامٌ أو تنازلٌ أو هزيمة.
وقال عون إنّ "القوّة ليست في خوض الحرب، بل في إنهائها عبر التّفاوض"، مشدّدًا على أنّ الجيش اللّبنانيّ يشكّل "العمود الفقريّ لمنع الفتنة".
وخلال استقباله وفدًا من نقباء المهن الحرّة في قصر بعبدا، أكّد عون أنّ السّلم الأهليّ لا يمكن المساس به، مشيرًا إلى أنّ اللّبنانيّين باتوا مقتنعين بعدم وجود عودةٍ إلى الوراء، وأنّ الطّبقة السّياسيّة تعمل من خلال خطابٍ موحّدٍ للحفاظ على الاستقرار الدّاخليّ.
ولفت إلى أنّ الجيش والأجهزة الأمنيّة يواصلون أداء واجباتهم وتقديم التّضحيات، رغم الظّروف الصّعبة، معتبرًا أنّهم يشكّلون الرّكيزة الأساسيّة في حماية الاستقرار ومنع الانقسامات.
وفي معرض حديثه عن الحرب، أشار عون إلى أنّ لبنان دفع ثمنًا باهظًا، مع سقوط أكثر من ثلاثة آلاف شهيد، ونزوح أكثر من مليون شخص، وتدمير آلاف المنازل، مؤكّدًا أنّ الدّولة معنيّة بحماية مواطنيها، وأنّ التّفاوض يبقى الخيار الوحيد المتاح لإنهاء الحرب.
سلام: المفاوضات الخيار الأقلّ كلفة
في تعليقٍ على استئناف مفاوضات واشنطن، أكّد رئيس مجلس الوزراء، الدّكتور نواف سلام، أنّ المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النّار في كلّ لبنان، مشدّدًا على أنّ المفاوضات هي الخيار الأقلّ كلفةً على لبنان واللّبنانيّين.
وقال سلام: "يبقى المطلوب تثبيت وقف إطلاق النّار في كلّ لبنان، وأكرّر أنّ المفاوضات هي الخيار الأقلّ كلفةً على لبنان واللّبنانيّين. وتكون طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مدنهم وقراهم، كلّما توحّدت كلّ الجهود تحت سقف الدّولة".
بيروت تبني على صفقة الأمس
بحسب مصادر بعبدا، فإنّ الوفد اللّبنانيّ سيبني في مفاوضاته على ما حصل بالأمس، وعلى الصّفقة التي جرى التوصّل إليها، لتكون منطلقًا لتقديم طرحٍ كاملٍ يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النّار.
وأوضحت المصادر أنّ الظّروف الميدانيّة والسّياسيّة التي فرضت صفقة الأمس من شأنها أن تسهّل التوجّه نحو وقفٍ شاملٍ لإطلاق النّار خلال مفاوضات اليوم والغد، مشيرةً إلى أنّ لبنان يشكر الدّول التي شاركت في تحييد الضّاحية الجنوبيّة، في مقابل وقف "حزب الله" إطلاق الصّواريخ باتّجاه إسرائيل.
"إعلان نوايا" لم يُحسم بعد
في ما يتعلّق بإمكان صدور "إعلان نوايا" في ختام جولة المفاوضات، أكّدت مصادر بعبدا أنّ القرار لم يُحسم حتّى الآن، مشيرةً إلى أنّ الوفد اللّبنانيّ جاهز لمناقشة أيّ مسوّدةٍ تُطرح في هذا الإطار.
ولفتت المصادر إلى أنّ الجانب الإسرائيليّ كان قد تراجع، في جولات تفاوضٍ سابقة، عن إصدار أيّ "إعلان نوايا"، بعدما تبيّن له أنّ وجهة النّظر اللّبنانيّة كانت راجحة.
ويقوم الطّرح اللّبنانيّ، وفق المصادر نفسها، على التّوازي بين مسارَي الانسحاب الإسرائيليّ، وعودة النّازحين، وإعادة الأسرى من جهة، وحصر السّلاح وبسط سلطة الدّولة على كامل أراضيها من جهةٍ ثانية.
وتؤكّد الأوساط المعنيّة أنّ هذا المسار يُفترض أن يشكّل قاعدةً لأيّ تسويةٍ لاحقة، بما يضمن تثبيت الاستقرار ومنع العودة إلى التّصعيد.
اتصالات رئاسيّة وضمانات أميركيّة
في السّياق، أفادت مصادر بعبدا بأنّ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، وبعد تبلّغه الرّسالة الأميركيّة، أجرى اتصالاتٍ مع أركان الدّولة الدّستوريّين، مؤكّدةً أنّ كلّ تواصلٍ بين رئاسة الجمهوريّة والأطراف اللّبنانيّة يتمّ بصورةٍ مباشرة.
وردًّا على سؤالٍ بشأن وجود ضماناتٍ بعدم قصف الضّاحية الجنوبيّة، قالت المصادر إنّه "يبدو أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب هو الضّامن".
كما أشارت إلى أنّ التّواصل مع المعنيّين، سواء مع "حزب الله" أو مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، يحصل بشكلٍ مباشر.
قماطي: نريد وقفًا حقيقيًّا وشاملًا
في موقفٍ متقدّم، قال القياديّ في "حزب الله" محمود قماطي، في حديثٍ إلى "التلفزيون العربيّ"، إنّ الحزب أبلغ المعنيّين رفضه معادلة الضّاحية مقابل مستوطنات الشّمال.
وأضاف قماطي أنّ الحزب سيردّ على قصف الضّاحية باستهداف مواقع أعمق من مستوطنات الشّمال، مشيرًا إلى أنّ "حزب الله" وافق على وقف إطلاق نارٍ حقيقيٍّ وشامل، وهو ملتزم به إذا كان كذلك.
وشدّد على أنّ الحزب لا يعترف بما يُسمّى "الخطّ الأصفر"، وأنّ الأرض اللّبنانيّة يجب أن تُحرَّر، مؤكّدًا الاستمرار في استهداف المستوطنات ما دام العدوّ يُصعّد عدوانه.
اختبار جديد للتهدئة
كان الجانبان اللّبنانيّ والإسرائيليّ قد عقدا ثلاث جولاتٍ سابقة من المباحثات في واشنطن خلال شهرَي نيسان وأيّار.
وتأتي الجولة الجديدة فيما تواصل إسرائيل عمليّاتها العسكريّة في لبنان، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النّار، ما يضع المفاوضات أمام اختبارٍ جديد، في ظلّ السّعي إلى تحويل التّهدئة الهشّة إلى وقفٍ أكثر استقرارًا وشمولًا.
ومع انتهاء اليوم الأوّل من دون بيانٍ رسميّ، تبدو واشنطن حريصةً على إبقاء المفاوضات مفتوحة، من دون استعجال إعلان نتائج غير مكتملة. غير أنّ تصريح السّفير الأميركيّ بأنّ وقف النّار "يحتاج إلى بعض الوقت" يعكس حجم العقد المطروحة، من حدود الالتزام الإسرائيليّ، إلى موقع "حزب الله" في أيّ ترتيباتٍ أمنيّة، وصولًا إلى مدى قدرة الدّولة اللّبنانيّة على تحويل التّفاوض إلى مسارٍ فعليّ لإنهاء الحرب، لا مجرّد هدنةٍ مؤقّتة.




