التأم رؤساء الطوائف الروحية في لبنان في دار طائفة الموحدين الدروز بدعوة من شيخ العقل الدكتور سامي أبي المنى، على وقع الحرب الإسرائيلية المفتوحة على الجنوب وفي واحدة من أكثر اللحظات هشاشة في تاريخ البلاد الحديث. وبينما كانت المسيّرات الإسرائيلية تحلق في السماء، وقرى الجنوب ترزح تحت الاحتلال والقصف والتهجير، انعقدت القمة الروحية الإسلامية – المسيحية وسط انقسام داخلي حاد حول الحرب ودور حزب الله ومستقبل المواجهة مع إسرائيل. وقد عكست التحضيرات التي سبقتها حجم التعقيدات التي تحكم المشهد اللبناني، إذ شهدت اجتماعات لجنة الحوار المشرفة على إعداد البيان الختامي نقاشات دقيقة انتهت إلى إسقاط اعتراض شيعي على بعض العبارات الواردة في نسخته الأولى، في مؤشر إلى حساسية المرحلة ودقة التوازنات المطلوبة للحفاظ على موقف جامع. وفي هذا المناخ المشحون، بدت القمة محاولة لإعادة إحياء لغة وطنية مشتركة بعدما باتت اللغة السياسية عاجزة عن جمع اللبنانيين حول مساحة واحدة، ونداءً معنوياً لحماية ما تبقى من التماسك الداخلي في مواجهة حرب لا تهدد الأرض والحدود فحسب، بل تضع أيضاً الوحدة الوطنية والسلم الأهلي أمام اختبار بالغ الخطورة.
الطائفة الدرزية: الدور الوسطي
لم يكن اختيار الطائفة الدرزية لاستضافة القمة منفصلاً عن دلالاته السياسية والوطنية. تلعب المرجعية الدرزية دور حلقة وصل بين المكونات اللبنانية المختلفة، وهو دور ارتبط تاريخياً بالموقع الوسطي الذي شغله الزعيم وليد جنبلاط خلال العقدين الماضيين باعتباره "بيضة القبان" في محطات الانقسام الكبرى. واليوم، تحاول دار الطائفة استكمال هذا الدور من بوابة روحية، واضعة في صدارة أولوياتها حماية الوحدة الداخلية والحفاظ على الكيان اللبناني.
في جوهرها، بدت القمة محاولة لرفع الصوت في لحظة يشعر فيها اللبنانيون بأن بلدهم مهدد من الخارج ومن الداخل معاً. فالعدوان الإسرائيلي مستمر، فيما تتسع الانقسامات السياسية والطائفية حول كيفية مواجهته. ومن هنا جاء تركيز المجتمعين على فكرة واحدة تكاد تختصر كامل البيان: لا خلاص للبنان إلا بوحدته.
ولذلك حملت كلمات المشاركين تحذيراً واضحاً من خطابات التقسيم والتفكك، وتشديداً على أن الاختلاف السياسي بين المرجعيات والقوى أمر طبيعي، لكن الخطر يكمن في تحوله إلى فتنة تهدد السلم الأهلي. فالقمة حاولت إنتاج مساحة لغوية مشتركة بين اللبنانيين، لغة لا تنحاز بالكامل إلى أي من طرفي الانقسام القائم حول حزب الله أو حول المفاوضات الجارية لوقف الحرب، بل تسعى إلى التخفيف من حدة التوتر وإعادة تثبيت فكرة الدولة باعتبارها المظلة الجامعة.
الجنوب حاضر بقوة
استهل شيخ العقل سامي أبي المنى القمة قائلا: "نحن اليوم نطلق كلمة طيبة وموقفاً أخوياً ونتعهد بعدم قطع حبل المودة الذي يصلنا ببعضنا البعض ولن ندخل ملعب السياسة إلا لنكون الحكم العادل والناصح الأمين".
غير أن هذه النقطة تحديداً قد تكون موضع نقاش وانتقاد للبعض. فرجال الدين في لبنان ليسوا بعيدين عن السياسة، بل يشكلون جزءاً أساسياً من المجال العام، وتكاد عظاتهم ومواقفهم اليومية تتقاطع باستمرار مع الشأن السياسي. لذلك يصعب عملياً الفصل الكامل بين الدور الروحي والدور السياسي، خصوصاً في بلد يقوم نظامه أساساً على التوازنات الطائفية.
ومع ذلك، حاول أبي المنى رسم معادلة تتيح جمع المواقف المتعارضة تحت سقف واحد. ففي عبارة لافتة قال: "إذا قاومنا فمن أجل لبنان وإن تفاوضنا فمن أجل خلاص لبنان". وهي صيغة سعت إلى المواءمة بين خطاب دعم المقاومة من جهة، ودعم مسار الدولة اللبنانية في المفاوضات والمساعي الدبلوماسية من جهة أخرى، بما يسمح بالحفاظ على الإجماع داخل القمة وتجنب أي انقسام بين المشاركين.
ودعا أبي المنى المسؤولين إلى إنقاذ البلد وحماية السلم الأهلي والحفاظ على الركائز الوطنية التي يقوم عليها الوطن، كما ناشد الأشقاء والأصدقاء العمل على وقف الاعتداءات الإسرائيلية وضمان التزام إسرائيل بأي اتفاق يتم التوصل إليه. وأضاف: "علينا أن نعي أن الوحدة الوطنية هي درعنا، والمسؤولية الملقاة على كل منا تحتاج إلى نوايا طيبة للحوار وفكر مستنير للإصلاح وحلحلة العقد".
في مواقف المرجعيات الروحية الأخرى، بدا الهمّ نفسه حاضراً وإن اختلفت التعابير بين خطاب وآخر. فقد اعتبر مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان أن لبنان يمرّ بظروف عصيبة في ظل "عدوان صهيوني همجي"، مؤكداً أن الحفاظ على السلم الأهلي يقتضي التمسك بخيار الدولة، إذ لا بديل عنه سوى الفوضى والانقسام.
أما بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، فشدّد على ثوابت العيش المشترك ووحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، داعياً وسائل الإعلام إلى عدم تأجيج الفتنة، ومؤكداً أن "أهلنا في الجنوب هم إخوتنا في المصير والمسار".
وقال البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي لـ"المدن" إن "هذه القمة ضرورية، ولها تأثير على الشارع عندما يروننا مجتمعين معاً، فلبنان بلد العيش الواحد القائم على التنوع".
من جهته، حذّر نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب من أن لبنان بكل مكوّناته بات في دائرة الخطر، معتبراً أن المشروع الإسرائيلي لا يستهدف منطقة أو طائفة بعينها بل يطال لبنان كله. وقال لـ"المدن" إن "الرؤساء الروحيين هم المبادرون إلى خلق أجواء إيجابية وجمع البلد، والاجتماع كان جامعاً ومهماً وخلص إلى نتائج مهمة". وأضاف: "اللبنانيون شعب واحد، وكل لبنان يتعرض لهذا العدوان، والجواب يجب أن يكون واحداً، وحدة اللبنانيين في وجه هذا العدوان".
لغة بيضاء في البيان الختامي
جاءت القمة لتؤكد تضامنها مع المناطق التي تتعرض للقتل والتهجير والاحتلال، وللتشديد على أن ما يجري في الجنوب لا يخص أبناءه وحدهم، بل يطاول كل اللبنانيين بمختلف مناطقهم ومكوّناتهم.
وفي البيان الختامي الذي تلاه الوزير السابق عباس الحلبي، برزت مواقف متقاربة شددت على تأييد الدولة اللبنانية في مساعيها لبلورة حلول تحفظ حقوق لبنان، والعمل الحثيث من أجل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار. كما أكد البيان أن مواجهة العدوان تتطلب وحدة وطنية راسخة تنطلق من الدولة ومؤسساتها، وينبثق عنها القرار الوطني الحر والجامع.
ولفت إلى أن استفراد العدو الإسرائيلي بمناطق محددة في لبنان "قتلاً وتهجيراً واحتلالاً لا يعني أن المناطق الأخرى تنعم بالأمان"، مشدداً على أن جميع اللبنانيين معنيون بالدفاع عن بلدهم في إطار الدولة الحاضنة والمسؤولة. كما دعا إلى دعم المتضررين والمهجرين والمساهمة في إعادة الإعمار، ورفض أي خطاب أو ممارسة من شأنها تعريض الوحدة الوطنية للتشرذم، مع التأكيد على دعم الجيش اللبناني وتعزيز ثقافة الانتماء الوطني.
في المحصلة، تدرك القمة الروحية حدود قدرتها على التأثير في مسار الأحداث. فالقرار العسكري والسياسي ليس في يد رجال الدين، والحرب لا تتوقف بالبيانات. لكن المجتمعين حاولوا، في لحظة يزداد فيها التوتر والانقسام، إنتاج ما يشبه شبكة أمان معنوية للبنانيين. إنها لغة روحية أقرب إلى النداء الأخلاقي منها إلى الفعل السياسي المباشر، لغة قد تبدو مثالية أو طوباوية في نظر البعض، لكنها تعكس في الوقت نفسه إدراكاً عميقاً بأن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه المرحلة ليس الحرب وحدها، بل أن يخسر وحدته فيما الحرب مستمرة.




